عصر الملخصات!
عصر الملخصات!
أحمد البريدي
تاريخ النشر: 09 يوليو 2026 00:19 KSA

AA
في زمن الثورة المعلوماتيَّة، وتعدُّد مصادر المعلومات، أصبحنا نحرصُ على تلخيص المعارف، والحصول على المعلومات المختصرة، ونتبرَّم من المواد الطويلة والمفصَّلة والعميقة.
تكثر الإعلاناتُ عن المواقع والتَّطبيقات التي تلخِّص الكتب، والدراسات والأبحاث، ونسرع إلى الاختصار في التحصُّل على المعلومة؛ ممَّا ولَّد لدينا سلوك عدم الصَّبر، وضعف مهارة الإنصات والاستماع، وشبه اختفاءٍ لعادة القراءة والاطِّلاع. تتنافسُ وسائلُ التَّواصل الاجتماعي وتطبيقاتها المتعدِّدة لسرقة اهتمام المستخدم، وبقائه فيها معظم وقته، وهي تدرس سلوكه وتتوقَّع مدَّة بقائه، والوقت المناسب لعرض المحتوى عليه، وبقائه فيها، فهي تسارع من نقله من محتوى إلى آخر حتى تكسب بقاءه مستخدمًا لها دون وعي منه.
إنَّ الحضارات والأمم لا تُبنَى بالمختصرات، وتلخيص البودكاست، والكتب الصوتيَّة، وقراءة الملخصَّات، بل تُبنَى بالقراءة المتعمِّقة، والتَّحليل، والبحث، ثمَّ التأليف والإنتاج، وبالتَّالي التأثير؛ بعد عدة مراحل تتكامل بعضها ببعض، ولا يمكن أن يحدث الأثر من خلال الحصول على القشور من المعرفة، بل بالغوص في أعماقها. الأمثلة كثيرة عن أولئك الذين بنُوا الفلسفات، وخلَّفُوا إرثًا علميًّا ضخمًا من خلال القراءة لساعات طويلة كل اليوم، وعلى مدى سنوات مديدة من أعمارهم، ثم أنتجُوا معارف ومؤلَّفات زاخرة، أثرت في البشريَّة وساعدت على البناء والمعرفة، ومن أبرز هؤلاء المفكِّر والأديب عبَّاس محمود العقَّاد، الذي كان يقضي جلَّ وقته بين الكتب، حتَّى أنَّ من زاره كان لا يفرِّق بين غرفة المكتبة، وسائر غرف المنزل، فكل بيته مكتبة، حتى ممرَّات البيت بين الغرف يرتمي على جوانبها أكوام من الكتب. يتناقل مستخدمُو وسائل التواصل الاجتماعي بعض النكات عن طول الملحوظات الصوتيَّة في الواتساب، وأنَّ الملحوظة التي تزيد عن الدقيقة الواحدة هي هدرٌ للوقت، ولا تستحق الاستماع، وهم بذلك يصفُون سلوك المستهلك لهذه الوسائل اليوم، وهو نفسه مستهلك المعرفة عبر هذه الوسائل المختلفة، فبدل أنْ يقضي الإنسان شهرًا كاملًا في قراءة كتاب، أصبح يقرأ سلسلة تغريدات مختصرة، ثم هو يبدأ في شرحها والتَّنظير بها في المنصَّات والمجالس، وهي لا تعدو كونها معلومة عابرة لا تتميَّز بالعمق والرسوخ. ما نحتاجه اليوم، هو أنْ ننمِّي عادة القراءة، وأنْ زرعها كقيمةٍ أساسيَّةٍ في نفوس أبنائنا، ونشجعهم على ذلك، وأنْ نعوِّد أنفسنا على إبطاء وتيرة حياتنا المتسارعة، التي أفقدتنا لذة المعرفة، ولذة الاستمتاع بأوقاتنا وأعمالنا، ولحظاتنا الجميلة، فالحياة أوسع من أنْ نختزلها في نمط متسارع لا يهدأ فيه بالنا منذ أنْ نصحو، وحتى أنْ نضع رؤوسنا على وسائدنا. فالعقول الكبيرة لا تبنى بالجرعات السريعة من المعرفة، وإنما تُبنى بالصبر على القراءة، وطول المكث على الفكرة حتى تنضج وتُثمر.
المصدر الأصلي: المدينة
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.