كما تبدّل بعض الكائنات جلدها مع مرور الوقت، يبدّل الإنسان طبقات كثيرة من ذاته عبر رحلة العمر. تتغير أفكاره، وتتبدل قناعاته، وتنضج رؤيته للحياة، حتى ليبدو أحيانًا وكأنه شخص آخر لا يشبه من كانه بالأمس.

ولعل من الخطأ أن نتخيل أن الإنسان يستطيع البقاء في قالب واحد طوال حياته؛ فالعقل يتأثر بما يقرأ، والقلب يتأثر بما يعيش، والروح تتشكل بما تمر به من تجارب. فكرة عابرة، أو كتاب مقروء، أو موقف مؤثر، قد تكون كافية لإعادة بناء منظومة كاملة من التصورات والقناعات.

ولهذا نجد في التاريخ وفي واقعنا أناسًا غيّروا مساراتهم الفكرية والدينية والاجتماعية جذريًا، حتى انتقل بعضهم من عقيدة إلى أخرى، أو من رؤية للحياة إلى نقيضها. وليس في ذلك ما يدعو للدهشة بقدر ما يؤكد حقيقة الإنسان المتحولة.

ومن هنا نفهم سر الدعاء النبوي: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك»؛ فالإنسان يدرك ضعفه أمام عوامل التأثير الكثيرة التي تحيط به، ويعلم أن الثبات نفسه نعمة تحتاج إلى عون من الله.

وأرى أن الإنسان يشبه الماء أكثر من أي شيء آخر؛ فهو يتشكل بحسب الإناء الذي يحتويه، ويتأثر بالبيئة التي تحيط به. قد يتبخر إذا اشتدت حرارة الظروف، وقد يتجمد إذا أحاطت به برودة القسوة والجفاء، لكنه في جميع أحواله لا يفقد قابليته للتحول.

ولا تأتي التحولات الكبرى دائمًا على هيئة صدمات أو أحداث استثنائية؛ فكثير من التغيرات الحقيقية تحدث بصمت. كلمة سمعناها في وقت عابر، أو تجربة صغيرة ظننا أننا تجاوزناها، أو شخص مر في حياتنا لأيام قليلة ثم رحل، قد يترك في داخلنا أثرًا يمتد لسنوات. فبعض البشر يغيروننا أكثر مما تفعل الكتب، وبعض المواقف تعيد ترتيب أرواحنا دون أن نشعر.

ولهذا فإننا كثيرًا ما نفاجأ بتغير الآخرين. لكن الحقيقة أن التغير لم يحدث فجأة، بل كان يتشكل يومًا بعد يوم بعيدًا عن أنظارنا. نحن فقط احتفظنا في ذاكرتنا بصورة قديمة لهم، بينما استمرت الحياة في إعادة تشكيلهم. وربما لهذا السبب نصدم أحيانًا حين نلتقي شخصًا عرفناه منذ سنوات فنجد أن أفكاره واهتماماته وحتى نظرته للحياة أصبحت مختلفة تمامًا عما نتذكره.

والأعجب من ذلك أن الإنسان قد يصدم من نفسه أيضًا. فقد يدافع اليوم عن فكرة كان يرفضها بالأمس، أو يتخلى عن أمر كان يظنه جزءًا ثابتًا من شخصيته. وعندما ينظر إلى ماضيه يتساءل: كيف كنت أفكر بهذه الطريقة؟ وكأن بينه وبين نسخته القديمة مسافة زمنية وروحية طويلة.

ومع ذلك، فليس كل تغير نضجًا، وليس كل ثبات حكمة. فبعض التحولات ترتقي بالإنسان وتوسع أفقه، وبعضها قد تبعده عن ذاته وقيمه. لذلك تبقى المراجعة الصادقة للنفس ضرورة مستمرة، حتى لا يكون التغير مجرد انجراف مع الظروف، بل نموًا واعيًا نحو الأفضل.

وربما يبقى السؤال الأهم: إذا كانت أفكار الإنسان ومشاعره وملامحه قابلة للتغير، فما الذي يبقى ثابتًا فيه؟ لعل الجواب يختلف من شخص لآخر، لكن المؤكد أن الإنسان ليس كائنًا مكتملًا، بل مشروع تشكل مستمر. وما نراه اليوم من أنفسنا أو من الآخرين ليس الصورة النهائية، فالحياة لا تكف عن إعادة صياغتنا يومًا بعد يوم.