شهدت العقود الأخيرة تطورات متسارعة في علوم الحاسوب وتقنيات المعلومات، بدأت بتخزين البيانات واسترجاعها، ثم انتقلت إلى تحليلها وتحويلها إلى معلومات، إلى إنتاج المعرفة، وصولا إلى تطبيقات الذكاء الاصطناعي في محاكاة بعض القدرات الذهنية البشرية كالاستدلال والتعلم والتخطيط. ولم تقتصر آثار هذه التحولات على الجوانب التقنية والاقتصادية فحسب، بل امتدت إلى التعليم الجامعي، فأعادت طرح تساؤلات جوهرية حول فلسفته، وأهدافه، ومناهجه، وأساليب التدريس، والتقويم.

لقد ظل التعليم الجامعي لعقود يركز على اكتساب المعرفة واسترجاعها كمعيار للحكم على أداء الطالب وقياس مخرجات التعلم، استجابة لاحتياجات الاقتصاد الصناعي الذي اعتمد على إعداد قوى عاملة تمتلك المعارف والمهارات اللازمة لأداء وظائف ومهام محددة. غير أن التحول إلى اقتصاد المعرفة فرض متطلبات جديدة تتمثل في إعداد أفراد قادرين على التعلم المستمر، وفهم الواقع وتحليل تعقيداته، والتكيف مع المتغيرات، وتوليد المعرفة والابتكار، واتخاذ القرارات في بيئة متغيرة وسريعة. وعليه، لم يعد نقل المحتوى المعرفي يمثل الغاية الرئيسة للتعليم الجامعي، بل أصبح من الضروري تبني نموذج تعليمي يتمحور حول الطالب، ويركز على تنمية قدراته الذهنية والتحليلية والإبداعية، وتمكينه من توظيف المعرفة وإنتاجها، بدلا من الاكتفاء بحفظها واستدعائها.

ومن هذا المنطلق، ينظر إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة تعليمية مساندة للتعلم، لا بوصفه تهديدا للعملية التعليمية كما يراه بعض أعضاء هيئة التدريس ممن يختزلون العملية التعليمية في التحصيل المعرفي. ويمكن تشبيه دور الذكاء الاصطناعي في العملية التعليمية بدور مساعد الباحث في الجامعات. ولذلك، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في التقنية ذاتها، بل في تطوير الممارسات التعليمية وتأهيل أعضاء هيئة التدريس للانتقال من التدريس التلقيني إلى منهجيات تعليمية تنسجم مع متطلبات عصر الاقتصاد الرقمي.

وفي هذا السياق، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يتولى الإجابة عن سؤال يتعلق بالكيفية بما يتضمن المهام الإجرائية المرتبطة بالبحث الأولي عن المعلومات، وتنظيم البيانات، والتدقيق اللغوي، والترجمة، والتنسيق. أما غاية التعليم الجامعي فقد أصبحت تتركز على بناء قدرة الطالب على إثارة التساؤلات حول «ماذا؟» و«لماذا؟» و«إلى أين؟»، وتنمية مهاراته في بناء الحجج المنطقية، وتكوين الآراء المستندة إلى الأدلة، وتحليل القضايا المعقدة ومناقشتها، وإصدار الأحكام المهنية والأخلاقية، وتقديم حلول مبتكرة للمشكلات الواقعية، وهكذا تتبدل النظرة إلى الذكاء الاصطناعي من أداة يخشى منها إلى شريك في التعلم.

يتطلب هذا التحول تبني أساليب تدريس قائمة على المناقشة والجدل العلمي، ودراسة الحالات الواقعية، والعمل الجماعي. غير أن هذا الانتقال يظل معقدا في السياق الجامعي التقليدي، إذ إن عددا معتبرا من أعضاء هيئة التدريس ما زالوا يمارسون التدريس ضمن نموذج معرفي تقليدي يختزل التعليم في نقل المحتوى وقياس النجاح بحجم المعلومات المسترجعة من قبل الطلاب، وهو ما يعكس استمرار هيمنة فلسفة تعليمية ترى أن التحصيل المعرفي غاية في ذاته، بدلا من كونه أداة لفهم الواقع وتحليل المشكلات وتطبيقها عمليا.

وفي هذا الإطار، لا يبدو التحدي مرتبطا بالمنهجيات فحسب، بل بالثقافة المهنية التي تشكلت عبر عقود من الممارسة الأكاديمية القائمة على التلقين والامتحان. ونتيجة لذلك، يواجه كثير من أعضاء هيئة التدريس صعوبات حقيقية في التحول إلى أدوار أكثر تفاعلية، وتعاونية، ونقدية، إما بسبب محدودية التمكن من مهارات الاتصال وإدارة الحوار الأكاديمي، أو بسبب ضعف توظيف النظريات والمفاهيم في تحليل الواقع وصياغة حلول مبتكرة للمشكلات المستجدة، وهو ما يكرس فجوة بين متطلبات التعليم الحديث وممارساته الفعلية داخل القاعة الدراسية.

وعليه، فإن توظيف الذكاء الاصطناعي في التعليم الجامعي يتطلب تبني استراتيجية مؤسسية شاملة ترتكز على تأهيل أعضاء هيئة التدريس وتمكينهم بوصفهم قادة للتغيير، وتعزيز قناعتهم بدور الذكاء الاصطناعي كأداة مساندة للتعلم، تسرع الوصول إلى المعلومات وتنظيمها وتحليلها بصورة أولية. ومن شأن ذلك إعادة توجيه وقت الطالب وجهده نحو المهارات الأعلى قيمة، بحيث ينتقل من التركيز على جمع المعلومات واسترجاعها إلى تنمية قدراته في الفهم والتحليل والنقد والمقارنة واتخاذ القرار وحل المشكلات، وهي المهارات التي تمثل جوهر التعليم الجامعي في عصر الذكاء الاصطناعي.

ويقتضي ذلك تطوير منهجيات التدريس لتقوم على الحوار ودراسة الحالات الواقعية والنقاشات الأكاديمية والعمل الجماعي، إلى جانب إعادة النظر في معايير تقييم أداء أعضاء هيئة التدريس، بناء على التواصل الفعال، وإدارة النقاش، وتحفيز التفكير النقدي، وتنمية القدرات الذاتية والتحليلية لدى الطلاب. وبهذا، يتحول الذكاء الاصطناعي إلى أداة تقنية مساندة تدعم تعليما جامعيا ينتج معرفة ذات قيمة اجتماعية واقتصادية.