ملخص

المسافة الجغرافية الأقصر التي تفصل إيطاليا عن كل من بيروت وتل أبيب جعلت من العاصمة الإيطالية محطة أكثر عملية لاستضافة الوفدين، إلا أن الرعاية الفعلية للمسار تبقى أميركية بامتياز، إذ ستعقد الاجتماعات في مقر تابع لأميركا تضاربت المعلومات حوله.

تستأنف المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل جولتها السادسة في الـ14 والـ15 من يوليو (تموز) الجاري، لكن هذه المرة بعيداً من العاصمة الأميركية التي احتضنت الجولات السابقة، لتنتقل إلى روما في خطوة تحمل دلالات لوجيستية وسياسية في آن.

فالمسافة الجغرافية الأقصر التي تفصل إيطاليا عن كل من بيروت وتل أبيب جعلت من العاصمة الإيطالية محطة أكثر عملية لاستضافة الوفدين، إلا أن الرعاية الفعلية للمسار تبقى أميركية بامتياز، إذ ستعقد الاجتماعات في مقر تابع لأميركا تضاربت المعلومات حوله. ففي حين ذكرت مصادر أن المفاوضات ستجري في مقر السفارة الأميركية لدى إيطاليا، ذكرت معلومات خاصة لـ"اندبندنت عربية" أن السفير الأميركي لدى إيطاليا تيلمان ج. فيرتيتا قد يستضيف الجولة السادسة من المفاوضات في مقر إقامته في "فيلا تافيرنا" داخل روما، وهو المعروف، وفق مصادر دبلوماسية خاصة، بقربه من الرئيس دونالد ترمب الذي تولى تعيينه شخصياً.

وتؤكد المصادر أنه لم يتضح بعد ما إذا كانت إيطاليا ستشارك عبر ممثل لها في المفاوضات، فيما يشكل اختيار مقر السفارة الأميركي أو مقر إقامة السفير الأميركي مكاناً للمفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية وليس وزارة الخارجية الإيطالية أو أي مكان آخر تابع للدولة المستضيفة، رسالة مفادها بأن واشنطن لا تزال الراعي الأول و"المايسترو" الفعلي للمفاوضات، فيما يقتصر الدور الإيطالي على الاستضافة "الجغرافية"، مع إشارات من مصادر مطلعة إلى أن روما قد يكون لها حضور مختلف على الأرض لاحقاً، من خلال دور محتمل في الصيغة التي ستعتمد للقوة التي ستحل مكان قوات حفظ السلام الأممية "اليونيفيل" في جنوب لبنان.

كذلك تؤكد مصادر دبلوماسية في واشنطن أن السفير الأميركي المعتمد لدى لبنان ميشال عيسى، الذي كان حاضراً في المسار التفاوضي، من المرجح أن لا يحضر اجتماعات روما، في المقابل فإن الوفد اللبناني سيرأسه السفير السابق سيمون كرم وبمشاركة سفيرة لبنان لدى الولايات المتحدة الأميركية ندى معوض حمادة.

AFP__20260508__B2A297B__v1__MidRes__ItalyUsDiplomacy.jpg

وزير خارجية أميركا ماركو روبيو من داخل سفارة بلاده في روما في مايو الماضي (ا ف ب)

التوقعات متواضعة

وإذا كانت الجولة السادسة من المفاوضات قد أكدت في الشكل على استمرار حظي المسار اللبناني بالضمانة الأميركية ورعاية مباشرة لها على رغم انتقالها من واشنطن إلى روما، إلا أنها من جهة المضمون لم تقترب بعد من مرحلة الحسم.

ولا تتوقع مصادر دبلوماسية في واشنطن مطلعة على المسار التفاوضي أن تحمل هذه الجولة اختراقات كبرى أو نتائج ملموسة، وتعتبر أن الولايات المتحدة معنية أساساً بالحفاظ على زخم المسار التفاوضي أكثر من دفعه نحو محطات حاسمة في هذه المرحلة، خصوصاً أن تنفيذ الملحق الأمني والاتفاق الإطاري الذي تم التوقيع عليه في الجولة الخامسة في واشنطن، يحتاجان إلى وقت إضافي.

وبحسب المعلومات الخاصة، فإن جلسات روما ستخصص بصورة أساسية لتشكيل الفرق الفنية المعنية بترسيم الحدود ومعالجة مسائل تقنية أخرى، على غرار تحديد نموذج الوفد العسكري الذي سيتولى ملفات التنفيذ لاحقاً. أما على الطاولة اللبنانية فستكون المطالب واضحة، وهي الالتزام التام بوقف إطلاق النار، والإسراع في الانسحاب الإسرائيلي من المناطق التجريبية، إلى جانب طلب الدعم لإعادة إعمار المناطق التي بات بإمكان سكانها العودة إليها، بما يحقق تقدماً ملموساً على الأرض لا في نصوص الاتفاقات فقط.

التنفيذ في أواخر يوليو

تجدر الإشارة إلى أن المناطق التجريبية كانت قد حددت فعلياً خلال الجولة الخامسة، وتم الاتفاق على آلية التشغيل التي تقوم على ركائز أربع متتالية وهي التطهير أي إزالة أسلحة "حزب الله" بالكامل، تليها خطوة التحقق من قبل الجانب الأميركي بأن التطهير قد تم، ثم التثبيت لضمان عدم عودة عناصر الحزب والمسلحين، وأخيراً البناء الاقتصادي والإعماري.

اقرأ المزيد

تؤكد المصادر الدبلوماسية نفسها من واشنطن أن موعد بدء التنفيذ لم يحسم بعد، وتتحدث عن مهلة أقصاها نهاية يوليو الجاري، وأن الموعد يبقى مرهوناً بجهوزية الأطراف الثلاثة المعنية بالتنفيذ على الأرض، أي القيادة المركزية الأميركية "سنتكوم"، والجيش اللبناني، والجيش الإسرائيلي، لإطلاق الآلية الجديدة بصورة متزامنة.

وكان قد تم بالفعل تحديد منطقتين للمرحلة الأولى من هذا الاختبار الميداني، الأولى شمال نهر الليطاني، وهي منطقة غير محتلة ستشكل اختباراً حقيقياً للجيش اللبناني الذي سيتولى الانتشار فيها وتحويلها إلى منطقة خالية من السلاح غير الشرعي ومن أي مظاهر مسلحة خارج إطار الدولة، أما الثانية فتقع جنوب النهر، وستكون بمثابة اختبار مواز لإسرائيل التي سيتعين عليها الانسحاب الفوري قبل دخول الجيش اللبناني إليها. وفيما يتردد أن الجانب اللبناني لا يزال يصر على أن تكون المنطقة التجريبية الأولى من المناطق المحتلة من قبل إسرائيل، تصر الأخيرة أن تكون البداية من المناطق حيث هناك وجود لـ"حزب الله" للتحقق من مدى جدية الجيش اللبناني في التنفيذ. وتؤكد المصادر أن الجانب اللبناني يعول على الراعي الأميركي لمعالجة هذه الإشكالية.

هل ينسحب التوتر في مسار إسلام آباد على المسار اللبناني؟

لا يمكن قراءة توقيت جولة روما بمعزل عن سياقين متزامنين: الأول داخلي، إذ تنعقد هذه الجولة قبل أقل من أسبوع على زيارة رئيس الجمهورية جوزاف عون إلى واشنطن، وهو ما يمنح المسار التفاوضي بعداً إضافياً كون نتائج أو مخرجات روما، مهما كانت محدودة، ستشكل خلفية مباشرة للمحادثات التي سيجريها الرئيس اللبناني في العاصمة الأميركية.

والثاني إقليمي، يتصل بتراجع التفاهم الأميركي - الإيراني الهش الذي ساد فترة، وعودة أجواء التوتر بين واشنطن وطهران إلى الواجهة من جديد. فبينما يستمر المسار اللبناني الإسرائيلي بخطى محسوبة وبطيئة نحو ترسيخ آليات فنية وأمنية جديدة، يبقى هذا المسار عرضة للتأثر بالمناخ الإقليمي الأوسع، خصوصاً أن أي تصعيد أميركي - إيراني متجدد قد ينعكس بصورة مباشرة أو غير مباشرة على حسابات الأطراف كافة، وفي مقدمها "حزب الله" الذي يبقى تعامله مع مسار التفاوض والانسحاب مرتبطاً إلى حد كبير بموقف طهران الإقليمي، لا بالمعطيات اللبنانية الداخلية وحدها، وهو ما يجعل من جولة روما محطة تقنية في ظاهرها، لكنها تقرأ في جوهرها كجزء من معادلة إقليمية أوسع وأكثر تعقيداً.

حمايات ثلاث للدولة اللبنانية

يقرأ الكاتب السياسي إلياس الزغبي في كل هذه المستجدات ويقول إن تطورات المواجهة بين واشنطن وطهران أثبتت أن "مذكرة التفاهم" بينهما لم تكن قائمة على أرض صلبة، خصوصاً أن إيران لم تعد تملك أوراقاً كثيرة غير ورقة مضيق هرمز بعد انحسار نفوذها في الدول العربية الأربع سوريا ولبنان والعراق واليمن، وبعد ضمور ملفها النووي ونشوب صراعات بين قياداتها الباقية، لكن الأهم يضيف الزغبي في مسألة تلك "المذكرة"، قبل انهيارها وبعده، أنها لم يكن لها أي تأثير إيجابي في لبنان، خلافاً للمراهنين عليها كالرئيس نبيه بري و"حزب الله" وسواهما، بل سيكون لانهيارها أثر سلبي في حال اتساع الحرب وشمولها لبنان.

يعتبر الزغبي أن صمامات الأمان الوحيدة التي من شأنها عزل الوضع اللبناني عن حرب إيران هي ثلاثة، أولاً المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية في روما، وثانياً البدء بتنفيذ الانسحاب الإسرائيلي من "المناطق التجريبية" عملاً بـ"تفاهم الإطار"، وثالثاً الزيارة المحورية للرئيس جوزاف عون إلى واشنطن. 

لذلك، فإن الدولة اللبنانية تركز على هذه الحمايات الثلاث، معتمدة على قوة الدفع الأميركية باهتمام مباشر من الرئيس دونالد ترمب، وتسعى إلى تعطيل الرفض المزدوج من "حزب الله" وخلفه إيران، وإسرائيل الذين يتقاطعون ويتكاملون الرفض.

أما في حال فشل الخطوات التنفيذية الميدانية بسبب تمنع "الحزب" عن تسهيل مهمة الجيش اللبناني في الانتشار والإمساك بالأرض التي تخليها القوات الإسرائيلية أو رفض تل أبيب المباشرة بالانسحاب مهما كانت المعطيات الميدانية، فإن الوضع اللبناني بحسب الكاتب السياسي سيكون مفتوحاً أمام احتمالين، إما استئناف إسرائيل حربها وتمددها العسكري، أو التحضير لقوة عسكرية دولية عربية، ومن ضمنها قوة سورية، مهمتها حسم هذا الوضع وتخليص لبنان من السلاح غير الشرعي، وإعادة بناء الدولة اللبنانية على أسس جديدة، أو صيغة حياة سياسية جديدة تتجاوز سلبيات الصيغة الراهنة.