ملخص

على رغم تفاؤل ترمب وجهوده الدبلوماسية، لا تزال روسيا مصممة على مواصلة الحرب وإنشاء مناطق أمنية، مما يوحي بأن إنهاء الصراع سيتطلب ممارسة أقصى قدر من الضغط الأميركي.

شكل ثناء دونالد ترمب خلال قمة حلف "الناتو" الأخيرة في أنقرة بالجهود الحربية الأخيرة لفولوديمير زيلينسكي، واستجابته لأحد مطالب كييف القديمة ببناء صواريخ باتريوت الأميركية التصميم على أراضيها، تحولاً جذرياً في لهجة الرئيس الأميركي اللاذعة تجاه نظيره الأوكراني، الذي وصفه سابقاً بالناكر للجميل الذي يقامر بإشعال حرب عالمية ثالثة.

وباتت التساؤلات المطروحة بقوة، ما دوافع ترمب في هذا التحول الذي ينذر بالعداء لروسيا؟ وهل هذا مجرد تكتيك سياسي للضغط على الرئيس الروسي فولاديمير بوتين وليس خروجاً عن جهوده السابقة في الحفاظ على مسافة متساوية بين كييف وموسكو سعياً وراء اتفاق سلام؟

تحول مفاجئ

في اجتماع مغلق مع قادة حلف شمال الأطلسي (الناتو) الذي عقد في العاصمة التركية أنقرة، ثم في لقاء ثنائي مع الرئيس الأوكراني زيلينسكي، أثار تغير موقف الرئيس الأميركي دونالد ترمب من الحرب الروسية - الأوكرانية بوضوح علامات استفهام عديدة حول الأسباب التي دفعته إلى ذلك، إذ أشاد بجهود كييف الحربية، وعرض مساعدات جديدة مهمة تتمثل في السماح لأوكرانيا بتصنيع صواريخ باتريوت الاعتراضية التي تستخدم لإسقاط الصواريخ والطائرات المسيرة الروسية قبل أن تتمكن من ضرب المدن ومحطات الطاقة وغيرها من البنى التحتية المدنية، بل أبدى أيضاً استعداده لإرسال بعض من هذه الصواريخ من المخزون الأميركي بصورة عاجلة، على رغم أن أعدادها لدى البنتاغون تتضاءل بعد أعوام من المساعدات لأوكرانيا، واستخدامها بكثافة خلال الأشهر الخمسة الأخيرة خلال الحرب الأميركية - الإسرائيلية ضد إيران.

بالنسبة إلى أوكرانيا، التي تتعرض باستمرار لوابل من الصواريخ الباليستية الروسية من دون أن تتمكن من صد غالبياتها، أصبحت منظومات باتريوت السلاح الوحيد في ترسانتها الذي يمكنه إسقاط مقذوفات باليستية يصعب إيقافها بسبب سرعتها العالية ومسار طيرانها الحاد، مما يمكنها من الوصول إلى المدن الأوكرانية في دقائق، من دون سابق إنذار للمدنيين.

لكن كييف عانت نقصاً حاداً في هذه الصواريخ لأعوام مع بدء نفاد ترسانات الحلفاء الأوروبيين منها وامتناعهم عن تزويد ما تبقى لديهم منها، وهو ما سبب انتقادات من زيلينسكي الذي اعتبر ذلك نوعاً من تشجيع روسيا على مواصلة تدمير المباني السكنية في أوكرانيا.

استياء روسي

لا شك أن تغير نهج ترمب بهذا القرار يثير استياء الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي تحدث مع ترمب هاتفياً يوم السبت الماضي لمدة 90 دقيقة في محادثة اتسمت بالجدية على حد وصف الكرملين، ولكن من دون أن تترك تأثيراً يذكر في الرئيس الأميركي الذي سعى بوتين مراراً إلى تعديل مواقفه قبيل لقاءاته مع قادة "الناتو" والدول الأوروبية في شأن الصراع مع أوكرانيا.

ومن المرجح أن يفسر التحرك الأميركي من الكرملين على أنه عمل عدائي استفزازي، باعتباره خروجاً عن جهود ترمب السابقة لمحاولة الحفاظ على مسافة متساوية بين كييف وموسكو سعياً وراء اتفاق سلام، لكن البيت الأبيض عادة ما يميز بين الأسلحة الهجومية والدفاعية عند تحديد مساعداتهم لأوكرانيا، مع مراعاة كيفية إدارة التصعيد.

6OALDWHQSVNADOYU3RZPFIWRJA.jpg

يستبعد مراقبون إمكانية تراجع بوتين أمام ضغوط ترمب (رويترز)

ومع ذلك، فإن صواريخ باتريوت التي تعد دفاعية، ستقوى من قدرات كييف على صد الهجمات الروسية المؤلمة بالصواريخ الباليستية، وبالتالي تضعف الميزة العسكرية الروسية التي تتمتع بها حالياً على جبهات القتال، في وقت تحقق فيه أوكرانيا منجزات عسكرية عبر تكثيف حملات طائراتها المسيرة بعيدة المدى التي استهدفت مصافي النفط وأهدافاً أخرى في عمق الأراضي الروسية التي جعلت ترمب يشيد بها، معتبراً أنها تصعيد قد يسهم في إنهاء الحرب، متبنياً بذلك وجهة نظر كثيراً ما تبنتها كييف وعدد من الأوروبيين.

أداة ضغط رمزية

أحد أسباب تغير موقف ترمب، أنه يستخدم إعلان تصنيع صواريخ باتريوت في أوكرانيا كأداة ضغط رمزية ضد موسكو، إذ ينظر إليه على أنه أحد أكبر نتائج قمة "الناتو" بحسب تشارلز ليتشفيلد، نائب مدير مركز الاقتصادات الجغرافية التابع للمجلس الأطلسي في واشنطن الذي يرى أن هذا القرار لا يغير المعادلة الآن، لكنه رمز لتغيير موقف ترمب، لأنه من غير المعتاد أن تشارك الولايات المتحدة التكنولوجيا الحساسة مع دولة في حالة حرب.

يدلل على ذلك أيضاً أن ترمب أعطى الكلمة أولاً في قمة "الناتو" لوزير خارجيته مستشاره للأمن القومي ماركو روبيو، عندما طرح موضوع الضربات الأوكرانية بعيدة المدى. وأوضح روبيو أن الضربات الأوكرانية غيرت بصورة كبيرة ديناميكيات الحرب، وأن الروس يجدون صعوبة أكبر في الدفاع عن مجالهم الجوي، معبراً عن أمله في أن يفسح هذا التطور المجال أمام التفاوض لإنهاء هذه الحرب.

ومن خلال دعمه غير المتوقع للضربات بعيدة المدى التي قامت بها أوكرانيا ومنحها حقوق تصنيع دفاعية متقدمة، يرسل ترمب إشارة إلى بوتين بأن الولايات المتحدة لن تسمح لروسيا بإملاء شروطها من موقع هيمنة مطلقة، فيما يعد امتداداً لمبدأ التفاوض من موقع قوة الذي يتبناه ترمب غالباً، ويتمثل في التصعيد بصورة طفيفة لإجبار موسكو على العودة لطاولة المفاوضات بروح أكثر مرونة.

تعزيز كييف تفاوضياً

ويبدو أن ترمب شعر بالإحباط من بوتين الذي أدى فشله في الالتزام الجاد بأطر السلام السابقة، إلى جانب تصاعد الهجمات الروسية، مما دفع الرئيس الأميركي لإعادة تقييم قوة روسيا، التي وصفها مراراً بأنها "نمر من ورق" اقتصادياً وعسكرياً.

كما أن تغير موقف ترمب في شأنه أن يعزز موقف أوكرانيا التفاوضي عبر الجمع بين حقوق الإنتاج المحلي لصواريخ باتريوت الاعتراضية، وتحويل مسار الحوار بعيداً من تبادل الأراضي غير المشروط الذي نوقش في وقت سابق من ولاية ترمب الثانية.

وبينما كانت إدارته قد صاغت سابقاً اتفاق سلام مبدئياً من 20 بنداً يهدف إلى تسوية سريعة، عرقل المفاوضات إصرار روسيا على تنازل كييف عن سيطرتها على بعض الأراضي، وتؤكد تحركات ترمب الأخيرة دعم الولايات المتحدة بقوة لتعزيز قدرة كييف الدفاعية بدلاً من فرض اتفاق سلام فوري وغير متكافئ.

أحدث هذا الاصطفاف هزات صادمة في أرجاء الكرملين بعدما كشف ترمب عن أنه يمارس ضغوطاً هائلة على موسكو، مشيراً إلى أن شروط بوتين لإنهاء الحرب تتغير وتتحسن قليلاً تجاه بعض الأشياء، وأعرب الزعماء الأوروبيون، الذين كانوا يخشون أن يتخلى ترمب عن كييف، عن ارتياحهم الشديد بعد الجلسات المغلقة في "الناتو"، إذ أشار المستشار الألماني فريدريش ميرتس إلى تحول واضح في الأجواء.

موسكو تقاوم

لكن على رغم تفاؤل ترمب وجهوده الدبلوماسية، لا تزال روسيا مصممة على مواصلة الحرب وإنشاء مناطق أمنية، مما يوحي بأن إنهاء الصراع سيتطلب ممارسة أقصى قدر من الضغط الأميركي.

وأحد أسباب مقاومة روسيا للضغط الأميركي أن الأثر الفوري لقرار تصنيع صواريخ باتريوت في أوكرانيا قد يكون محدوداً نظراً إلى أن إنشاء المصانع سيستغرق وقتاً، وأية منشأة من هذا القبيل يمكن أن تصبح هدفاً رئيساً للغارات الجوية الروسية، ولهذا يشير السفير الأميركي السابق لدى روسيا مايكل ماكفول إلى أن أوكرانيا تحتاج إلى صواريخ اعتراضية للدفاع الصاروخي الآن، ولا يمكنها الانتظار حتى يجري إنتاجها في المستقبل.

AFP__20260708__B9MB32A__v2__MidRes__TopshotTurkeyNatoSummitDefence.jpg

هزات صادمة في أرجاء الكرملين بعدما كشف ترمب عن أنه يمارس ضغوطاً هائلة على موسكو (أ ف ب)

حتى الآن، لم يتضح بعد ما إذا كان سيجري إرسال أي صواريخ اعتراضية إلى كييف على المدى القصير على رغم تعهد ترمب، بالنظر إلى أن الولايات المتحدة دخلت في مناوشات جديدة مع إيران وقد تحتاج للحفاظ على مخزوناتها إذا انهار اتفاق وقف إطلاق النار في الشرق الأوسط تماماً أو تجدد تبادل الضربات مع الحرس الثوري الإيراني، ولهذا اعترف ترمب بأنه ليس لدى الولايات المتحدة كثير من هذه الصواريخ، والجيش الأميركي بحاجة إليها أيضاً.

إضافة إلى ذلك، من المرجح أن يجري تصنيع الصواريخ الاعتراضية الجديدة في ألمانيا أو دولة أوروبية أخرى، لتجنب التعرض لضربات روسية محتملة في أوكرانيا، ولدى كل من شركة "لوكهيد مارتن" وهي المقاول الرئيس للصواريخ الاعتراضية التي تدخل في نظام باتريوت، وشركة "رايثيون" لتصنيع الأسلحة الأميركية التي طورت هذا النظام، مشاريع تجارية مع شركة "أم بي دي أي" الأوروبية لصناعة الصواريخ.

تقدير المنتصر

لأن ترمب يحب المنتصرين والفائزين، كان هذا العامل مؤثراً بدرجة كبيرة في تغيير موقفه من بوتين على حد قول دبلوماسي أميركي في حديثه لصحيفة "فايننشال تايمز"، مشيراً إلى أن أوكرانيا بدأت أخيراً في الفوز، الذي يرجع إلى حد كبير إلى هيمنتها المطلقة على تكنولوجيا الطائرات المسيرة متوسطة وطويلة المدى.

ودفع هذا السبب مسؤولو الاستخبارات الأوروبية إلى إطلاع ترمب على التحديثات التكتيكية الرئيسة التي أظهرت أن أوكرانيا تستحوذ على زمام المبادرة بقوة، ولم يكن من قبيل المصادفة أن يشيد الأمين العام لحلف "الناتو" مارك روته بالضربات الجوية الأوكرانية بعيدة المدى على منشآت تكرير النفط الروسية، وتأكيده أن ترمب أقر بأثرها، فضلاً عن دعوة إستونيا الحلفاء الأوروبيين إلى التحلي بمزيد من الصبر الاستراتيجي، وتكثيف الضغط على موسكو في ظل استمرار أوكرانيا في شن ضربات جوية متزايدة التأثير في الأراضي الروسية.

اقرأ المزيد

ولهذا، يعتقد ترمب الآن أن فلاديمير بوتين أخطأ برفض اتفاق السلام الذي جرى عرضه سابقاً، وأصبح الآن في ورطة كبيرة مع توقف الزخم الروسي في ساحة المعركة، ولهذا يشير أوريسيا لوتسيفيتش، كبير الباحثين في مؤسسة "تشاتام هاوس"، إلى أن التهديد الخطر المتبقي لروسيا من الصواريخ الباليستية، يمكن تحييده بمرور الوقت مع منح تراخيص باتريوت لأوكرانيا، مؤكداً أن حصول أوكرانيا على القدرات العسكرية الأميركية على نطاق واسع هو ما يخيف روسيا حقاً.

نموذج للتحالف

في الوقت نفسه، يرى مسؤول تخطيط السياسات الاستراتيجة السابق في وزارة الدفاع الأميركية باري بافيل، الذي يشغل الآن منصب المدير الإداري لشركة "بافيل غلوبال ستراتيجيز"، أن هذا التحول من جانب الرئيس ترمب يتجاوز كونه رمزياً، لأنه في حال واجهت الصناعة الأميركية اختناقات في إنتاج الذخائر الحيوية، فإن تمكين الإنتاج لدى الحلفاء قد يصبح نموذجاً للتحالف.

وفي حين أن منظومة باتريوت تعد أساسية لحماية المدن والبنية التحتية الأوكرانية من الضربات الروسية المستمرة من مسافة بعيدة، فإن ترخيص إنتاجها في الخارج يحقق للولايات المتحدة ثلاثة أهداف في آن واحد، أولاً تخفيف القيود الأميركية على تصنيع الذخائر عالية القيمة، وثانياً إتاحة الإنتاج المشترك مع الحلفاء حيثما توجد القدرة، وثالثاً تعزيز الوضع الدفاعي لكييف من دون تجاوز خط ترمب في شأن الأسلحة الهجومية.

وبالنظر إلى أن قلة الإنفاق الأوروبي ضاعفت متطلبات الدفاع الأميركية في جميع أنحاء العالم، بينما لا تستطيع واشنطن القيام بكل شيء في كل مكان، تعزز خطوة ترمب بصناعة صواريخ باتريوت في أوكرانيا أو أوروبا في سياق مسعى واشنطن، الذي يحظى بدعم الحزبين، والذي يعود لعقود، لزيادة الإنفاق الدفاعي الأوروبا وللإشارة إلى أن أوروبا بدأت أخيراً تتولى زمام المبادرة، إذ حقق بعض الحلفاء تقدماً ملاحظاً، بينما يقترب آخرون من تحقيق ذلك.

دور صانع السلام

إضافة إلى جميع العوامل السابقة، يعزز ترمب من خلال التصعيد من أجل خفض التصعيد دوره الذي يفضل تأكيده بين حين وآخر باعتباره صانع سلام، ومع استمرار التواصل مع بوتين عقب قمة "الناتو"، يكمل ترمب سعيه الحثيث نحو حل دبلوماسي، مؤكداً علناً أن موسكو وكييف أقرب إلى التوصل إلى اتفاق مما كان يعتقد سابقاً.

وخلال لقائه مع زيلينسكي، أوضح ترمب أن البلدين طورا علاقة جيدة للغاية، لكنه أكد أيضاً أن موسكو وكييف تريدان إنهاء الحرب التي بدأت بالغزو الروسي خلال فبراير (شباط) عام 2022، وأنه سيتحدث مع الرئيس بوتين في وقت لاحق.