ملخص

الاحتفال بالأمل يأتي على خلفية عالم يرزح تحت وطأة اضطرابٍ متنامٍ، وانقساماتٍ اجتماعية آخذة في الاتساع، وتحديات اقتصادية وبيئية لا تتوقف عن الإثقال على كاهل البشر. وتجد الأمم المتحدة نفسها، وهي الواقعة في قبضة عوامل تؤدي إلى فقدان الأمل، تدعو إلى العمل على قيم تجمع البشرية، ولا تفرقها، وعلى رأسها الأمل الذي يبرز كقوة بالغة التأثير على الجميع باختلاف مشاربهم. وتعيد تأكيد أن التشبث بالأمل هو البوصلة التي توجه الأفراد والمجتمعات والدول إلى مستقبل أفضل.

يعرّف "معجم المعاني" الأمل بأنه تعلّق النفس بتحقيق المرام والأماني. وهو اسم علم مؤنث يعني الرجاء والأمنية والطموح والتطلع والتفاؤل. وهو أيضاً اندماج يجمع بين مشاعر ذاتية وتفكير في مسارات ممكنة.

عرّفه عالم النفس الأميركي سي آر سنايدر بأنه الإرادة للسعي إلى تحقيق الأهداف، والقدرة المتصوَّرة على بلوغها. ومن شأنه أن ينشط مراكز المكافأة والتحفيز في الدماغ، التي هي وثيقة الصلة بتخفيف أعراض الاكتئاب.

منظمة الصحة العالمية تقول إن الأمل، الذي يعدّ من مكونات الصحة النفسية، هو قدرة على التعامل مع الضغوط، والعمل بفاعلية، والإسهام البناء في المجتمع. البحوث والدراسات العلمية الموثقة تثبت بصورة متكررة أن ارتفاع مستوى الأمل لدى الإنسان يرتبط بانخفاض معدلات القلق والضغوط الناجمة عن الصدمات، وهي فوائد نفسية تنعكس إيجاباً على الصحة البدنية.

على سبيل المثال لا الحصر، والحقائق منسوبة إلى منظمة الصحة العالمية، مرضى السرطان الذين يتحلّون بنسب أمل أعلى يلتزمون بالخطة العلاجية على نحوٍ أكثر انضباطاً، ويحرزون نسب بقاء أفضل. والأمل في مقتبل العمر يرتبط بنتائج صحية أفضل على المدى الطويل، ويؤدي استمراره إلى انخفاض عدد الزيارات الطارئة للمستشفيات، وتضاؤل معدلات الوفاة المبكرة.

أمّا سيدة الغناء العربي أم كلثوم، فقد عدت حبيبها أمل حياتها، ووصفته غير مرة بالحب الغالي الذي لا ينتهي، معتبرة إياه على حد قولها "أملي، حياتي، عيني"، مكتفية بابتسامته سبباً للحياة في قولها "وكفاية أصحى على ابتسامتك بتقول لي أعيش". وحتى حين ضرب فريد الأطرش عرض الحائط بقيمة الأمل ومكانته، حين عد الحب من غير أمل أسمى معاني الغرام، جاءت أنغام لتعيد الاعتبار له بقولها "مافيش (لا يوجد) حياة من غير أمل، ومافيش أمل من غير حياة".

اقرأ المزيد

ويبدو أن رياح فقدان أو تضاؤل أو تقهقر الأمل التي تعتري سكان الأرض بين وقتٍ وآخر دفعت منظمة الأمم المتحدة إلى تخصيص يوم عالمي للأمل، أو كما يتفكّه البعض في خضم عالم متخم بأسباب تقلص الأمل، يوم لإحياء ذكرى الأمل.

أمين عام الأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش يقول إن المنظمة هي وليدة الأمل، وهو ما يثير بعضاً من مشاعر عدم اليقين، ويحرك قدراً إضافياً من مواطن القلق، إذ تجد المنظمة الأممية نفسها اليوم في وضع غير مسبوق يهدد بقاءها ووجودها. بين أزمات مالية خانقة، وتراجع قدراتها على تنفيذ ما ورد في ميثاقها، من صون السلم والأمن الدوليين، وحماية حقوق الإنسان، ودعم القانون الدولي، تذكّرنا المنظمة أن اليوم الـ12 من يوليو (تموز) هو اليوم الدولي للأمل، على أن يجتهد الجميع في تعريف الأمل، والبحث عن مصادره، وإعادة إحياء قيمته ومكانته ووجوده.

في اليوم الدولي للأمل، يوجد الأمل في أماكن وظروف لا تطرأ على بال أو خاطر. إنها المناطق الأبعد ما يكون عن الأمل، والمجتمعات الأقرب ما تكون إلى فقدان الرجاء.

المفاجأة هي أن الشعوب في الدول النامية والفقيرة هم الأكثر أملاً في غد أفضل، والأكثر تفاؤلاً في شأن المستقبل، والآفاق الاقتصادية التي يحملها المستقبل القريب للأبناء، وذلك مقارنة بشعوب العالم الأول المتقدم الغني. وتتفق دراسات علمية عدة على أن شعوب الدول الفقيرة والنامية تميل بصورة عامة إلى التمسك بتلابيب الأمل في غد فضل.

تباين ديموغرافي في الأمل

تشير دراسة عنوانها "حيث يزدهر الأمل: التباين الديموغرافي في الأمل عبر 22 دولة"، المنشورة في دورية دراسات السعادة (ديسمبر 2025) إلى أن العمليات النفسية مثل الأمل ليست مجرد سمات فردية، لكنها متأصّلة في السياقات والقيم والظروف المكانية المحيطة من دولة ومجتمع وجغرافيا وتاريخ وغيرها، وتتشكّل بتأثيراتها المختلفة.

وذكرت الدراسة أن من بين أكبر العوامل الديموغرافية التي جرت دراستها، برزت الفروق الأكبر في ما يتعلق بحضور وممارسة الشعائر الدينية، إذ أظهر من يمارسون هذه الشعائر أكثر من مرة في الأسبوع مستويات أكل أعلى بكثير من غيرهم، سواء في داخل الدولة نفسها، أو بين الدول وبعضها.

وعلى رغم ذلك، يظلّ الأمل في يومه الدولي يقف في مفترق طرق من حيث التعريف والتحديد، إذ تتداخل تعريفات عدة، وتتشابك سياقات جغرافية وثقافية واجتماعية، وبالطبع اقتصادية وسياسية عدة.

منظمة الأمم المتحدة تقر وتعترف بأن الاحتفال بالأمل اليوم يأتي على خلفية عالم يرزح تحت وطأة اضطرابٍ متنامٍ، وانقساماتٍ اجتماعية آخذة في الاتساع، وتحديات اقتصادية وبيئية لا تتوقف عن الإثقال على كاهل البشر. وتجد الأمم المتحدة نفسها، وهي الواقعة في قبضة عوامل تؤدي إلى فقدان الأمل، تدعو إلى العمل على قيم تجمع البشرية، ولا تفرقها، وعلى رأسها الأمل الذي يبرز كقوة بالغة التأثير على الجميع باختلاف مشاربهم. وتعيد تأكيد أن التشبث بالأمل هو البوصلة التي توجه الأفراد والمجتمعات والدول إلى مستقبل أفضل.

2024-07-07T105755Z_1119310496_RC29M8AY5HWG_RTRMADP_3_EGYPT-ENVIRONMENT-PLANTING.JPG

العمليات النفسية مثل الأمل ليست مجرد سمات فردية، لكنها متأصّلة في السياقات والقيم والظروف المكانية (رويترز)​​​​​​​

الأفراد والمجتمعات والدول في المنطقة العربية في اليوم الدولي للأمل لا يعيشون بلا أمل، لكن غالب الظنّ أن كثراً يعيشون على حافته، أو على مقربة شديدة من الحافة. لكن المثير هو أن قطاعات عريضة غارقة في الأمل، لكن بمساعدة الإيمان وسرديات الصمود والتكيف.

في نهاية العام الماضي 2025، أجرت "غالوب" (شركة التحليلات والاستشارات ومقرها واشنطن) ما سمّته "أطول دراسة عالمية مستمرة للرأي العام" عنوانها "عالم منقسم يتطلع إلى 2026: تفاؤل في الجنوب، قلق في الغرب وبين الأجيال الأكبر سناً".

وعلى رغم أن العالم، بحسب مركز بيانات النزاعات في جامعة أوبسالا السويدية، غارق في ما لا يقل عن 65 نزاعاً، بينها 18 حرباً كبرى وصغرى يتسبب كل منها في ما لا يقل عن ألف وفاة سنوياً بسبب القتال، إضافة إلى ثمانية نزاعات دولية مباشرة بين دول، وهذا رقم قياسي للحروب المتزامنة، ناهيك عن كون نسبة الصراعات التي تجتاح العالم هي الأعلى منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، فإن الأمل يغلف الأفق بصورة أو بأخرى. والمفاجأة الأكبر أنه لا يغيب عن الأفق العربي، على رغم الكم الكبير من الصراعات المزمنة والمستجدة فيه، وتواتر الحروب في دول عدة، وإصرار المشاحنات والاحتقانات على التجدد والانتشار.

في دراسة "غالوب"، التي أجريت في 60 دولة، قال 37 في المئة من المشاركين إن العام الحالي 2026 سيكون أفضل من 2025. وقال 25 في المئة إنه سيكون أسوأ. وتوقع 31 في المئة عدم حدوث تغيير كبير، وذلك من منطلق أن "عدم وجود أخبار أو تغيرات، هو أخبار طيبة في حد ذاتها".

لم يغب الأمل تماماً

صحيح أن حرب إيران اندلعت بعد أقل من شهرين من العام الجديد، وصحيح أنها لم تكتف بالاندلاع فقط، بل تطاير شررها، وتناثر أثرها المباشر لينال مما لا يقل عن ثماني دول عربية بصورة مباشرة، إضافة إلى الآثار الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والنفسية التي طاولت المنطقة برمتها، فإن الأمل لم يغب كلية.

البعض يقول تفكهاً إنه ميت إكلينيكياً. آخرون خلطوا جد الفكرة بهزل الواقع، فرأوا أن الأمل انتحر على أبواب المنطقة. أمّا الواقع فأشار في دراسة "غالوب" إلى أن التفاؤل أقوى في دول الجنوب، لا سيما في جنوب آسيا، وأفريقيا، وأميركا اللاتينية، والمنطقة العربية.

وبحسب "غالوب" فقد جرى العرف أن يكون البالغون والشباب في الدول النامية أكثر تفاؤلاً بالمستقبل والآفاق الاقتصادية لأبنائهم، مقارنة بنظرائهم في الاقتصادات المتقدمة والغنية. فبينما تكافح الدول المتقدمة مشاعر التراجع، تشعر الاقتصادات الناشئة بارتفاع مستويات المعيشة، مما يعزز تفاؤلها. وتبقى جدلية: هل الاقتصادات العربية ناشئة أم لا؟ وحتى لو كانت ناشئة قبل حرب إيران، هل لا تزال ناشئة أم أصابها ضرر أو عطل ما؟ قائمة دون إجابة واضحة بعد.

2024-03-30T130208Z_1688363234_RC2BW6A8LO33_RTRMADP_3_ISRAEL-PALESTINIANS-LAND-DAY.JPG

يظلّ الأمل في يومه الدولي يقف في مفترق طرق من حيث التعريف والتحديد​​​​​​​ (رويترز)

وعلى رغم أن التفاؤل يختلف قليلاً عن الأمل، حيث الأول طريقة نظر إيجابية للمستقبل ترتكز على توقعات وأدلة علمية ترجح نتائج جيدة، في حين الأمل هو رغبة قوية في حدوث تغيير ما للأفضل، وغالباً يرتبط بأوقات صعبة تنعدم فيها الأدلة المنطقية، إلا أنه يمكن اعتبار "تفاؤل" المنطقة العربية في ظل أوضاعها الصعبة أقرب ما يكون إلى الأمل القائم على أدلة لا ترتبط بالضرورة بسند منطقي. الدول الخمس الأكثر تشبثاً بالأمل، بحسب "غالوب" هي: كينيا، ثم سوريا، تليها السعودية، ثم جنوب أفريقيا، وكولومبيا.

علماء النفس والاجتماع والاقتصاد والسياسة دأبوا على الخروج بجداول لقياس مستوى الأمل لدى أفراد، أو مجموعات، أو شعوب. جدول يقيس مقدار العزيمة والطاقة الموجهة بالتحفيز، وآخر يقيم القدرة على وضع حلول لعقبات تحول دون تحقيق الشخص للأهداف، وثالث يرصد درجة الاستعداد للتعامل ومواجهة مفاجآت تحدث دون سابق إنذار، وغيرها كثير من سُبل القياس، لكن تبقى الثقافة والعادات من أبرز العوامل المؤثرة في الأمل، بدءاً بمفهومه، ودرجته، وعلاقته بأشخاص أو شعوب دون غيرهم.

الأمل عبر الثقافات

أحد أبرز الكتب التي تناولت مفهوم الأمل بحسب الثقافات صدر في عام 2023 تحت عنوان "الأمل عبر الثقافات"، وخرج بنتائج عدة محددة لتعريفات ومفاهيم الأمل المختلفة بناءً على دراسات أجريت في ثقافات مختلفة.

يشير الكتاب إلى أنه طبقاً للمنظور الغربي، يعد الأمل ميلاً معرفياً يحدد فيه الفرد أهدافه الشخصية، ويبذل كل ما في وسعه من أجل تحقيقها. وهو يرتبط في الغرب بإتقان العمل وتحسين القدرة على الفعل. أما المنظور الشرقي فيتعامل عادة مع الأمل باعتباره قيمة جماعية، وتعتمد في الأساس على وجود علاقات اجتماعية وأسرية قوية، يسودها الوئام، إضافة إلى قدر من العمل. وهنا، يرتبط الأمل بفكرة ازدهار المجتمع، والوفاء بالالتزامات والواجبات الأسرية، مع قدر وافر من الثقة والإيمان بالنظام الطبيعي لمكونات الكون، وبينها توزيع أنصبة الأمل، وقبلها أنصبة الرزق والمال والحظ.

وبينما تميل الثقافات الغربية للنظر إلى الأمل بعقلية التخطيط للمستقبل، مثل بناء غد أفضل عبر البحث والابتكار، تنظر الثقافات الشرقية عادة إلى الأمل، باعتباره القدرة على تحمّل المصاعب الحالية، بمساعدة الإيمان، مع يقين أو رجاء أن تكافأ قدرة التحمل هذه بعودة الأمور إلى حالها التي كانت أفضل، أو تحسن ما يطرأ على جودة الحياة.

وهنا، تظهر الصلة الوثيقة، لا سيما في المجتمعات العربية، بين الأمل والقدرة على الصمود، وكلاهما يرتبط بالإيمان. عربياً، يرتبط الأمل ارتباطاً وثيقاً بالإيمان، وفكرة الصلة والاتصال المستمرين بقوة عليا يستمد منها الفرد قوته وقدرته على الصمود والتحمل أملاً في مستقبل أفضل.

2023-04-29T152247Z_500339625_RC2BO0A784GJ_RTRMADP_3_SUDAN-POLITICS-EMIRATES.JPG

التعلق بالأمل يخفض أعراض الاكتئاب 89 في المئة​​​​​​​ (رويترز)

في المنطقة العربية، تتعدد وتتنوّع مبادرات ومشاريع رسمية وأهلية لصناعة تجديد وزراعة وحصاد الأمل، بل والتدريب عليه، لكن واقع الحال والشارع العربي أكثر تعقيداً من مجرد مبادرة أو مشروع. الصراعات والحروب واللجوء والنزوح وعوامل عدم الاستقرار وتهديدات اندلاع النزاعات بين لحظة وأخرى، والضغوط الاقتصادية والاجتماعية، مع توليفة من المشاعر المتناقضة بين القلق والرضا والخوف والإيمان والتعب والصمود جميعها يفترض أن تؤثر في مقدار الأمل المتاح في المنطقة العربية.

يختلف المقدار من شخصٍ إلى آخر، لكن يجمع بين الغالبية سرديات الأمل والتأقلم، في أشد الأجواء احتقاناً، وأكثر الظروف صعوبة، وأكثر مناطق العالم افتقاداً للاستقرار، وتشبثاً بالأمل، لكن بمساعدة ودعم الإيمان.

وسواء عد البعض اللجوء إلى الدين آلية للتكيف ووسيلة لتخفيف الأحمال والمصاعب، وملء فجوات القلق والخوف والحرمان الاقتصادي، ومهرباً من حروب وصراعات، أو كان الدين بالفعل مكوناً رئيساً من تكوين المجتمعات العربية، يجد الإيمان نفسه في اليوم الدولي للأمل طوق نجاة ووسيلة صمود، وفي قول آخر ملجأً مريحاً ومهرباً آمناً من خطر فقدان الأمل في يوم الأمل.

بحسب الأمم المتحدة، فإن التعلق بالأمل يخفض أعراض الاكتئاب 89 في المئة، ويساعد على التعافي من الصدمات والقدرة على التكيف 83 في المئة، ويزيد فرص النجاة أو إطالة العمر بين المصابين بأمراض مزمنة 72 في المئة، ويخفض زيارات الطوارئ 68 في المئة.