مجتبى رحمن | فرنسا في براثن اليمين المتطرف
ملخص
في مشهد غير مسبوق، تقترب فرنسا من إمكانية انتخاب رئيس من أقصى اليمين في 2027، إذ يتصدر حزب 'التجمع الوطني' استطلاعات الرأي مع تآكل ثقة الناخبين في الأحزاب التقليدية وتفاقم المشكلات الاقتصادية والهجرة. ورغم أن فوزه في الجولة الثانية ليس محسوماً، إلا أن هذا الاحتمال بات واقعياً، وقد لا يقتصر أثره على تغيير سياسي داخلي بل قد يخلخل توازنات الاتحاد الأوروبي ويفضي إلى مرحلة من الاضطراب السياسي والاقتصادي في فرنسا وأوروبا.
منذ تأسيس الجمهورية الخامسة عام 1958، تناوبت أحزاب يمين الوسط ويسار الوسط على السلطة، لكن اليمين المتطرف أصبح الآن على أعتاب الإليزيه.
في العام القادم، قد تنتخب فرنسا رئيساً من اليمين المتطرف لأول مرة منذ 1944. وقد انطلقت الحملات الانتخابية فعلياً استعداداً لانتخابات أبريل 2027، وتظهر استطلاعات الرأي باستمرار تقدم حزب 'التجمع الوطني' بفارق مريح. هذا الحزب، الذي أسسه جان-ماري لوبان عام 1972 باسم 'الجبهة الوطنية' قبل أن تغير ابنته مارين اسمه عام 2018، نما تدريجياً خلال 30 عاماً بدافع القلق من الهجرة المرتفعة والصعوبات الاقتصادية، وهو ما أوصل مارين لوبان إلى جولة الإعادة في 2017 و2022 قبل خسارتها أمام ماكرون.
لكن لا يبدو أن عام 2027 سيشهد تكراراً لما حدث في تلك الانتخابات. فلا يمكن لماكرون الترشح مجدداً بسبب بلوغه الحد الأقصى الذي يفرضه الدستور على عدد الولايات الرئاسية، وفي الوقت الذي يواصل فيه حزب "التجمع الوطني" كسب مزيد من التأييد، تشرذمت قاعدة ناخبيه التقليدية بعدما كانت موحدة في السابق. ومن المرجح ألا تترشح لوبان هي الأخرى، بعدما ثبت تورطها في اختلاس أموال الاتحاد الأوروبي، على رغم أنها تستأنف هذا القرار. ومع ذلك، تشير استطلاعات الرأي، مثل الاستطلاع الذي نشرته مؤسسة "أودوكسا" في مايو (أيار)، إلى أن رئيس حزب "التجمع الوطني" ومرشحه المحتمل، جوردان بارديلا، سيحصد أكثر من 30 في المئة من الأصوات في الجولة الأولى. ولا يحظى أي مرشح آخر بأكثر من نحو 17 في المئة من دعم الناخبين الحاليين.
وعلى رغم أن فوز اليمين المتطرف في الجولة الثانية ليس مضموناً بأي حال، فإنه للمرة الأولى يصبح احتمالاً جدياً. وبعبارة أخرى، قد تمثل انتخابات 2027 بالنسبة إلى فرنسا لحظة شبيهة بعام 2016 في الولايات المتحدة أو بريطانيا. فبعد عقد من الزلزال السياسي الذي أحدثه "بريكست" في بنية الاتحاد الأوروبي، وصعود دونالد ترمب الذي قلب المشهد السياسي الأميركي، تبرز مؤشرات إلى احتمال حدوث قطيعة مماثلة في الحكم الفرنسي، وهي قطيعة قد تمتد تداعياتها إلى الاتحاد الأوروبي برمته.
أي فوز لليمين المتطرف في فرنسا سيحدث تأثيراً أكبر بكثير من تجارب المجر وإيطاليا. ففرنسا، خامس أكبر اقتصاد غربي، وعضو دائم في مجلس الأمن، ودولة نووية، تملك نفوذاً كبيراً داخل الاتحاد الأوروبي، إضافة إلى كونها عضواً مؤسساً وتمتلك نحو 12 إقليماً سيادياً عالمياً. بالمقارنة مع فيكتور أوربان أو جورجيا ميلوني، فإن رئيساً من اليمين المتطرف في الإليزيه سيمنحه نفوذاً أكبر لتنفيذ استراتيجية تخريب البنية فوق الوطنية للاتحاد الأوروبي القائمة على سيادة القانون، في وقت يسعى فيه الاتحاد لتعزيز وحدته ونفوذه العالمي واستقلاله عن الولايات المتحدة ومواجهة روسيا والصين.
تراكم بطيء… ثم تحول مفاجئ
منذ عام 1958، عندما أشرف الزعيم الفرنسي شارل ديغول على صياغة دستور جديد وأسس الجمهورية الفرنسية الخامسة في أعقاب محاولة انقلاب واضطراب سياسي، شهدت الساحة السياسية الفرنسية تناوباً متوقعاً بين يمين الوسط ويسار الوسط. وكان الناخبون الفرنسيون، الذين يميلون إلى الحذر لكنهم أيضاً متشككون في الحكومات القائمة، قادرين على إقصاء أي معسكر في السلطة وهم على يقين بأن شيئاً جوهرياً لن يتغير. لكن بحلول عام 2017، بدأ الفرنسيون في المطالبة بشيء جديد. فقد سئموا من فشل كل من اليسار واليمين في خفض معدلات البطالة وتحسين مستويات المعيشة والتعليم الحكومي والرعاية الصحية. وطرح ماكرون، الذي أسس حزباً سياسياً جديداً وترشح تحت شعار "لا يسار ولا يمين"، رؤية ثورية غير مؤلمة. كان النهج الذي اتبعه أكثر جرأة وأقل فساداً إلى حد ما من أسلوب الإدارة المتخبط الذي سبقه، غير أنه لم يحرز نجاحاً أكبر بكثير منه. إذ فيما نجح في خفض معدلات البطالة، فشل في رفع دخل الطبقتين العاملة والوسطى. وخلال فترة حكمه التي استمرت تسعة أعوام، دفعت إخفاقاته مزيداً من الناخبين إلى الاعتقاد بأن بارديلا أو لوبان هما الآن البديل الوحيد، كما يزعمان.
اقرأ المزيد- مفارقة صادمة: قد تكون باريس أكثر مقاومة لليمين المتطرف من لندن
- اليمين ليس على وشك السيطرة على أوروبا
- مارين لوبان... بنت اليمين المتطرف
- اليمين المتطرف يرفع شعار"إنقاذ" الإناث ويفعل خلاف ذلك
- "نحن المستقبل"... اليمين المتطرف الأوروبي يستلهم نهج ترمب
لا يزال كثير من الناخبين من سكان المدن والمتعلمين يشعرون بنوع من النفور من الشعبوية المبسطة لليمين المتطرف وأصوله العنصرية، لكن كثيراً من الناخبين من سكان الضواحي والمناطق الريفية والطبقة العاملة يغريهم برنامج حزب "التجمع الوطني" الرامي إلى مكافحة الهجرة غير الشرعية والجريمة وصعود التطرف الإسلامي. وهذه القضايا حقيقية، لكنها ليست بالخطورة التي تصورها بها وسائل الإعلام الفرنسية ذات الميول اليمينية والمرشحون اليمينيون المتطرفون. فعلى سبيل المثال، بعدما تحولت احتفالات فوز فريق كرة قدم فرنسي في دوري أبطال أوروبا إلى أعمال شغب في مايو، قال بارديلا عبر التلفزيون إن تلك المشاهد "تذكرنا بالحرب الأهلية" وحث الفرنسيين على "الاستيقاظ"، لأن مثيري الشغب هؤلاء سيقومون قريباً "بكسر أبواب المباني السكنية واقتحام منازلكم". وألقى جزءاً من اللوم في أعمال العنف على الهجرة وعلى فشل سياسات الاندماج في فرنسا. عادة ما تكون أقوى المعاقل الانتخابية للتجمع الوطني في القرى التي يسكنها سكان بيض بالكامل أو يعتبرون غالبية فيها، أو في الضواحي التي تنخفض فيها معدلات الجريمة، ولكن كما هي الحال في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، عززت فقاعات المعلومات على وسائل التواصل الاجتماعي [بيئات إعلامية أو رقمية - خصوصاً على وسائل التواصل الاجتماعي - يتعرض فيها الأشخاص فقط لآراء وأفكار تشبه قناعاتهم السابقة، بينما تُستبعد أو تُضعف الآراء المخالفة] الاقتناع بهذا الغضب والشعور بالخسارة.
كذلك فإن الأحزاب الفرنسية التقليدية تخسر معركتها الاقتصادية أيضاً. في الانتخابات السابقة، سخرت أحزاب يسار الوسط ويمين الوسط من التناقض الاقتصادي في دعوات لوبان إلى خفض الضرائب وزيادة الإنفاق على السياسات الاجتماعية في آن - وهي نسخة معدلة بصورة كبيرة من سياسات والدها المناهضة للدولة. لكن خلال الأعوام التسعة الماضية، اتسمت سياسة ماكرون الاقتصادية بالإنفاق السخي لتخفيف وقع إغلاق الاقتصاد بسبب جائحة "كوفيد-19" على الأفراد والشركات، وللتخفيف من وطأة التضخم الناجم عن الحرب في أوكرانيا. وقد لاقت هذه المبادرات قبولاً شعبياً، لكنها أضافت أيضاً ما يقارب 1.1 تريليون دولار إلى الدين القومي الفرنسي. ويبلغ الدين القومي المتراكم الآن نحو 118 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي – أي إنه أعلى بنحو 20 في المئة عما كان عليه قبل عقد من الزمن، وهو ثالث أعلى نسبة في أوروبا، بعد اليونان وإيطاليا. وبعبارة أخرى، فإن البلاد مفلسة، ومن الصعب القول إن رئيساً من "التجمع الوطني" سيكون أقل مسؤولية من الناحية المالية.
خسر المعركة لا الحرب
لا شك في أن مرشح "التجمع الوطني"، سواء كان بارديلا أو لوبان، سيفوز بالجولة الأولى من الانتخابات. والسؤال الأهم، إذاً، هو إن كان سيتمكن من حشد غالبية في الجولة الثانية. ويتوقف كثير من ذلك على خصمه، وعلى ما إذا كان ذلك المرشح سيحث الناخبين الفرنسيين على التمسك بحذرهم المعتاد أم سيعزز رغبتهم في التغيير.
في عامي 2017 و2022، شكل ماكرون تحالفاً سياسياً أطلق عليه اسم "الجبهة الجمهورية" ضم أحزاب اليسار المتطرف ويسار الوسط والوسط ويمين الوسط، ليلحق هزيمة ساحقة بلوبان. ولم يختفِ هذا التحالف، لكنه تضعضع. وتشير الانتخابات التي جرت في مارس (آذار) الماضي في جميع المجالس البلدية الفرنسية، والتي أسفرت عن فوز كثير من مرشحي الأحزاب الرئيسة، إلى أن كثيراً من الناخبين من يسار الوسط ويمين الوسط لا يزالون يميلون إلى التصويت بصورة تكتيكية بغية إبقاء اليمين المتطرف خارج السلطة. ومن بين المرشحين المفضلين لدى هؤلاء الناخبين الرئيس الاشتراكي السابق فرانسوا هولاند، الذي لم يعلن ترشحه بعد لكن يبدو أنه يعتقد بأنه قادر على الظهور كبطل لليسار المعتدل والمشاكس، وأول رئيس وزراء في عهد ماكرون، إدوار فيليب، الذي يسعى إلى توحيد الوسط ويمين الوسط المنقسمين لإحياء نسخة جديدة من الحركة الديغولية التي هيمنت على السياسة الفرنسية اليمينية المعتدلة خلال معظم أواخر القرن الـ20 وأوائل القرن الـ21. ويحتل فيليب حالياً المرتبة الثانية في استطلاعات الرأي، إذ قال 17 في المئة من المشاركين في استطلاع أجرته مؤسسة "أودوكسا" Odoxa في مايو إنهم سيصوتون له لو أُجريت الانتخابات يوم الأحد ذلك.
من الممكن أن تختبر فرنسا في 2027 ما عاشته الولايات المتحدة أو بريطانيا عام 2016
لكن هذين السياسيين ليسا سوى شخصين من بين ما لا يقل عن 20 مرشحاً، ينتمون إلى تيارات متنوعة تراوح ما بين اليسار التروتسكي المتطرف والحركات القومية-الشعبوية الأخرى. والأهم من ذلك، سيتعين على فيليب أن ينافس جاذبية وسخرية مرشح أقصى اليسار الدائم جان-لوك ميلانشون، الذي حصد 16 في المئة في استطلاع "أودوكسا" الذي أُجري في مايو، والذي أظهرت قاعدته الانتخابية استعداداً أقل بكثير للتصويت بصورة تكتيكية لإبقاء "التجمع الوطني" خارج السلطة. خسر ميلانشون أمام لوبان في الجولة الأولى من انتخابات عام 2022 بفارق يزيد قليلاً على نقطة مئوية واحدة، ولا يزال يتمتع بشعبية، بخاصة بين الشباب وسكان ضواحي المدن الفرنسية الداخلية المتعددة الأعراق والمليئة بالمشكلات. ومع ذلك، فإن معظم سكان فرنسا الآخرين يخشونه ويكرهونه، إذ لم يعرب سوى 15 من المشاركين الفرنسيين في استطلاع "تولونا-هاريس" الذي أُجري في مايو عن ثقتهم به.
قد تقلل كثرة المرشحين من النسبة المطلوبة للوصول إلى الجولة الثانية، مما يجعل فرص فوز كل مرشح أشبه باليانصيب. وقد يتحدد الفائز بالمركز الثاني بفارق بضعة آلاف من الأصوات فقط، من أصل نحو 47 مليون صوت. ويمكن لهذه الآلاف من الأصوات، بدورها، أن تحدد النتيجة النهائية. ويشير استطلاع أجرته "تولونا-هاريس" في مايو إلى أن فيليب قد يخسر أمام بارديلا بفارق ثماني نقاط مئوية، في حين أن ميلانشون قد يخسر أمامه بفارق يزيد على 30 نقطة مئوية.
أما العامل المجهول الكبير الآخر فهو "تأثير بارديلا". تستعد لوبان، الزعيمة الفعلية لحزب "التجمع الوطني"، للترشح منذ أعوام، وتشير استطلاعات الرأي إلى احتمال فوزها بنحو 33 في المئة من أصوات الناخبين في الجولة الأولى، على رغم الحكم القضائي الصادر في مارس 2025 الذي أقر بتورطها في اختلاس ما يقارب 5 ملايين دولار من أموال الاتحاد الأوروبي. وإذا خسرت استئنافها ضد الحكم، المقرر الإعلان عنه في السابع من يوليو (تموز)، فإنها ستُمنع من الترشح مدة خمسة أعوام، وينتقل الترشح إلى بارديلا، التي تشير استطلاعات الرأي إلى احتمال فوزه بعدد أكبر من الأصوات - نحو 35 في المئة، بل وربما 38 في المئة حتى. ويستعد حزب "التجمع الوطني" بالفعل لهذا السيناريو، كذلك فإن بارديلا يجد نفسه في موقع جيد، بعد أن نحت لنفسه شخصية سياسية فعالة تليق بالقرن الـ21، بفضل أسلوبه الراقي وسلوكه الودود وموهبته في الإدلاء بتصريحات موجزة وهادئة على شاشات التلفزيون وعلى منصة "تيك توك".
لكن نقطة الضعف الرئيسة لدى بارديلا هي عمره. فسيبلغ 31 سنة وقت إجراء الانتخابات العام المقبل، ومن المرجح أن يتساءل الناخبون في الجولة الثانية عما إذا كان يمتلك المؤهلات اللازمة لتولي منصب الرئاسة وكيف سيكون أداؤه في مواجهة شخصيات متسلطة ومخضرمة مثل ترمب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين. في مجالسهم المغلقة، أشار بعض المستشارين الاستراتيجيين في "التجمع الوطني" إلى أنه من الأفضل لبارديلا أن يكون مرشح الحزب عام 2032. فإن فاز حقاً العام المقبل، قد يجد نفسه غارقاً في الأزمات المحلية والدولية، وهو ما قد يلحق الضرر بـ"التجمع الوطني" على المدى الطويل.
مجرد بداية
إن قدرة حكومة يقودها حزب "التجمع الوطني" على إحداث تغيير حقيقي في فرنسا تعتمد على الانتخابات التشريعية التي من شبه المؤكد أن يدعو إليها بارديلا أو لوبان بعد توليهما المنصب. لقد فعل ذلك جميع الرؤساء تقريباً بعد انتخابهم منذ عام 1958، وعادة ما يفوز حزبهم في تلك الانتخابات. لكن أحد الأسباب الرئيسة التي جعلت ولاية ماكرون الثانية صعبة للغاية، وأدت في النهاية إلى فشلها، هو عجزه عن تحقيق تلك الأفضلية عام 2022: فمن دون غالبية حاسمة في البرلمان، لم يتمكن من حشد الدعم الكافي لتمرير كثير من مبادراته المتعلقة بالاقتصاد وعجز الموازنة والدين العام. قد يقع حزب "التجمع الوطني" في فخ مماثل، لا سيما بالنظر إلى عدم شعبيته في منطقة العاصمة الفرنسية، وإذا حدث ذلك، فقد تضطر البلاد إلى تحمل أعوام عدة أخرى من الجمود البرلماني.
ومع ذلك، سواء حصل "التجمع الوطني" على الغالبية أم لا، فإن التحدي الأول الكبير الذي سيواجهه في الحكم سيكون موازنة عام 2027. وقد صرح بارديلا بأنه سيحترم التزام ماكرون بخفض عجز الموازنة من خمسة في المئة من الناتج المحلي الإجمالي إلى الحد الأقصى الذي حدده الاتحاد الأوروبي عند ثلاثة في المئة بحلول عام 2029. لكن البرنامج الاقتصادي للتجمع الوطني يشهد توترات داخلية من شأنها أن تجعل نهجه في الحكم غير مُتوقع. فالحزب عالق بين تيارات وفصائل مؤيدة لسيطرة الدولة وأخرى مؤيدة للسوق الحرة، إذ تفضل لوبان التيار الأول بينما يدعم بارديلا التيار الثاني. وقد وعد الحزب بخفض الضرائب مع زيادة الإنفاق الاجتماعي، وخفض سن التقاعد لبعض العمال مع رفعه لمن يدخلون سوق العمل في وقت متأخر. وتعتمد خططه المتعلقة بالموازنة على تقديرات غير واقعية تقوم على حصد مكاسب كبيرة بعد إبطاء وتيرة الهجرة، ومن ثم خفض الإعانات الاجتماعية المخصصة للمهاجرين، ومكافحة الاحتيال. ومن شأن حال عدم اليقين الاقتصادي هذه أن تعني أنه في حال فوز "التجمع الوطني" في الانتخابات، من المرجح أن تتمرد أسواق السندات، مما يؤدي إلى بيع السندات الفرنسية وزيادة كلفة الاقتراض الحكومي وخدمة الديون.
![]()
مارين لوبان، زعيمة حزب "التجمع الوطني"، في باريس، يناير 2026 (رويترز)
ويقول المتخصصون الاستراتيجيون في "التجمع الوطني" في مجالسهم الخاصة، إنهم على استعداد لتخفيف حدة كثير من سياساتهم الاقتصادية ما أمكنهم تحقيق انتصارات في مجالي الهجرة والجريمة. ومن ثم فإن الاختبار الاقتصادي الأكبر لهم سيكون قدرتهم على الحفاظ على موازنة فرنسا قابلة للعمل. ومن المفارقات هنا أن عضوية فرنسا في الاتحاد النقدي الأوروبي توفر لها حماية جزئية، لأن هذا الاتحاد أكبر بكثير، ومن ثم أكثر استقراراً، مما قد تكون عليه العملة الفرنسية لو كانت قائمة بذاتها. ومع ذلك، إذا أساء "التجمع الوطني" إدارة الشؤون المالية بصورة خطرة، فلن تقتصر عواقب أعماله على فرنسا وحدها، إذ إن اقتصاد البلاد كبير بما يكفي لدرجة أن حدوث أزمة عميقة في الموازنة الفرنسية من شأنه أن يزعزع الثقة في عملة اليورو برمتها.
كذلك فإن فوز اليمين المتطرف قد يؤدي إلى موجة حادة أخرى من أعمال الشغب التي تندلع بين الحين والآخر في المدن وضواحيها الداخلية، منذ عام 2005. وكاد السياسيون من حزب ميلانشون اليساري المتطرف، "فرنسا الأبية"، أن يؤكدوا حدوث مثل هذه النتيجة، قائلين إنهم سيرفضون الاعتراف بفوز اليمين المتطرف، وإن العام المقبل سيشهد "خمس جولات" من التصويت - جولتين في الانتخابات الرئاسية، وجولتين في الانتخابات البرلمانية، وجولة في الشوارع.
يدرك المتخصصون الاستراتيجيون في "التجمع الوطني" أنهم سيواجهون ضغوطاً شديدة من أسواق السندات وطبقة التكنوقراط الفرنسيين منذ يومهم الأول، وأنه لتجنب أي انهيار قد يدمر حكومتهم، سيتعين عليهم تقديم تنازلات. ومع ذلك، سيتعرضون أيضاً لضغوط من قاعدتهم الانتخابية الفائزة لكي يثبتوا أنهم ينفذون وعدهم بالتخلي عما يعتبرونه سياسات معادية لفرنسا ومؤيدة للنخبة ومتمركزة حول أوروبا. وأي إشارة إلى تحول حزب "التجمع الوطني" إلى الاتجاه السائد ستثير سخرية المعارضين وغضب المؤيدين.
شاب ومقدام وطموح
ما عاد حزب "التجمع الوطني" نفسه الحزب المعادي للسامية والمعادي لأوروبا ولحلف شمال الأطلسي (الناتو) وللولايات المتحدة الذي كان عليه عند تأسيسه في سبعينيات القرن الماضي، لكنه لا يزال منغلقاً على ذاته وينظر بعين الريبة إلى سلطة الاتحاد الأوروبي. صحيح أن تولي حكومة يمينية متطرفة مقاليد الحكم في فرنسا سيغير وجه البلاد، لكن من المرجح أن يسبب ذلك اضطراباً أكبر بالنسبة إلى الاتحاد الأوروبي. ففرنسا دولة كبيرة من الدول الأعضاء المؤسسة للاتحاد الأوروبي، وهي معروفة بتاريخها الطويل في قيادة مسيرة التكامل الأوروبي وسياسات الاتحاد الأوروبي وليس بتقويض هذا الكيان من الداخل، كما فعلت حكومة أوربان اليمينية المتطرفة في المجر. ويتعاطف كثير من كبار شخصيات الحزب مع روسيا وبوتين، وقد تعمل حكومة "التجمع الوطني" على عرقلة تقديم مزيد من المساعدات إلى كييف، وتسعى إلى رفع العقوبات التي فرضها الاتحاد الأوروبي على روسيا، وتعارض انضمام أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي.
وحتى لو فشل "التجمع الوطني" في حصد الغالبية البرلمانية، فإن توليه الرئاسة سيمنحه، وفقاً للدستور الفرنسي، سلطة واسعة في مجال السياسة الخارجية بما في ذلك سياسة فرنسا تجاه أوروبا. وباعتبارها ثاني أكبر اقتصاد في الاتحاد بعد ألمانيا، والعضو الدائم الوحيد في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، والقوة النووية الوحيدة، فإن فرنسا قادرة على زعزعة استقرار الاتحاد الأوروبي من خلال فتح سلسلة من المعارك القانونية والدستورية المطولة مع بروكسل.
حاول بارديلا طمأنة الأوروبيين القلقين من مثل هذا الاحتمال. ففي مايو، أشار في مقابلة مع وسائل إعلام ألمانية إلى أنه قد يشكل تحالفاً مع المستشار فريدريش ميرتس الذي ينتمي إلى يمين الوسط، لجعل أوروبا أكثر تنافسية وأقل بيروقراطية. ومع ذلك، فمن المرجح أن يخوض سلسلة من المعارك حول قضايا مثل مساهمة فرنسا في موازنة الاتحاد الأوروبي، والسياسة الأوروبية المشتركة في ملف الهجرة، وقواعد الاتحاد الأوروبي في شأن تسعير الكهرباء. وقد سبق أن أشار بارديلا إلى أن حرية تنقل الأشخاص المسموح بها في الاتحاد الأوروبي يجب أن تنطبق على مواطني الاتحاد الأوروبي فحسب، مما يعني في الواقع إعادة إنشاء حدود داخلية. ومن المرجح أيضاً أن تتحدى حكومة "التجمع الوطني" السوق الأوروبية الموحدة من خلال فرض تفضيلها الشركات الفرنسية في العقود الحكومية المحلية والوطنية في فرنسا، وهو ما يحظره حالياً قانون الاتحاد الأوروبي.
قد لا يدمر اليمين المتطرف الفرنسي الاتحاد الأوروبي، لكنه سيعطل كل الآمال في إحراز تقدم نحو تعزيز قدرة أوروبا على مواجهة الصين وروسيا والولايات المتحدة
ويعتمد مقترح الموازنة الحالي "للتجمع الوطني" على رفض فرنسا دفع جزء من مساهماتها إلى بروكسل، وهو ما سيشكل انتهاكاً لقانون الاتحاد الأوروبي. ومن شأن ذلك أن يثير أزمة ثقة داخل الاتحاد الأوروبي. لم يسبق لأي دولة أن رفضت دفع مساهمتها لموازنة الاتحاد الأوروبي - ولا حتى المملكة المتحدة في ثمانينيات القرن الماضي، عندما طالبت رئيسة الوزراء مارغريت تاتشر بأن يعيد الاتحاد الأوروبي إلى البلاد "أموالها" مقابل ما زعمت أنها دفعات زائدة. (في النهاية، خُفضت قيمة المساهمة البريطانية المطلوبة لتعويض ما اعترف الاتحاد الأوروبي بأنه دفعات زائدة). وإذا رفضت فرنسا الدفع كلياً، فإن الاتحاد الأوروبي سيغرق في أزمة سياسية وربما مالية طويلة الأمد.
كانت السياسة الرسمية للتجمع الوطني في انتخابات البرلمان الأوروبي لعام 2024 - التي لم يغيرها الحزب - تتمثل في اقتراح استبدال البنية فوق الوطنية للاتحاد الأوروبي القائمة على القانون "بتعاون متفق عليه بصورة حرة بين الدول الأعضاء"، مما ينهي 50 عاماً من التزام فرنسا بالنموذج الحالي للاتحاد الأوروبي. لا تستطيع فرنسا فرض مثل هذا التغيير الجذري من جانب واحد، لكنها قادرة على تعطيل بعض عمليات صنع القرار في الاتحاد الأوروبي، إن لم نقل جميعها.
قد لا يدمر بارديلا الاتحاد الأوروبي، لكنه سيعطل كل الآمال في إحراز تقدم نحو تعزيز قدرة أوروبا على مواجهة الصين وروسيا والولايات المتحدة. في حين يسعى الاتحاد الأوروبي إلى تشجيع مزيد من الاقتراض المشترك وزيادة الموازنة ووضع سياسات مشتركة في مجالات الصناعة والهجرة والدفاع، فإن "التجمع الوطني" يريد خفض موازنة الاتحاد الأوروبي وتقليص سلطته في هذه المجالات. ويؤيد "التجمع الوطني" زيادة موازنة الدفاع الفرنسية، لكنه يعارض وضع سياسة دفاع أوروبية مشتركة، ولا يزال ملتزماً على المدى البعيد، بسحب فرنسا من المنظومة العسكرية المتكاملة التي يقوم عليها حلف الناتو. ومن المرجح أيضاً أن تتخلى فرنسا بقيادة اليمين المتطرف عن خطة ماكرون لإنشاء قوة ردع نووية أوروبية أولية من خلال نشر طائرات فرنسية قادرة على حمل أسلحة نووية في دول أخرى من الاتحاد الأوروبي وفي النرويج. وعلى رغم إدانة "التجمع الوطني" غزو روسيا لأوكرانيا، فإنه عارض بصورة منتظمة تقديم الاتحاد الأوروبي وفرنسا المساعدات إلى كييف، وهو موقف من المرجح أن يتشدد أكثر فيه إذا ما مُنح صلاحية القيام بذلك.
لا يمكن التنبؤ بصورة العلاقة بين باريس وواشنطن في ظل وجود حكومة فرنسية من اليمين المتطرف. يتشارك ترمب وبارديلا بعض الأيديولوجيات والمواقف، لا سيما تلك المتعلقة بالهجرة، لكن بارديلا انتقد سياسات ترمب تجاه غرينلاند وفنزويلا والتجارة عبر الأطلسي والقيود المفروضة على عمالقة التكنولوجيا الأميركيين باعتبارها هجمات على السيادة الوطنية. ولن يكون نظير بارديلا في الولايات المتحدة خلال معظم فترة ولايته هو ترمب نفسه، بل من سيخلفه عام 2029.
إذاً لا يمكن الجزم على الإطلاق بما تخبئه الانتخابات المقبلة لفرنسا. لكنها تقرب البلاد بالفعل من مستقبل يميني متطرف أكثر من أي وقت مضى منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، ومن المحتمل أن تنتشر الصدمات المترتبة على ذلك في جميع أنحاء أوروبا. وبطبيعة الحال، سيقف أي رئيس من حزب "التجمع الوطني" أمام معضلة الاختيار بين التوصل إلى حلول وسط من جهة وإرضاء توقعات وأفكار قاعدة الحزب المسبقة من جهة أخرى. لكن في أقل تقدير، فإن مثل هذا السيناريو من شأنه أن يدفع فرنسا وأوروبا نحو خمسة أعوام من الارتباك والشلل. وفي خضم التحولات التي يشهدها النظام العالمي في مرحلة ما بعد الحرب على يد الصين والولايات المتحدة وروسيا، فإن فرنسا وأوروبا لا يمكنهما تحمل مثل هذه الإمكانية.
مجتبى رحمن يشغل منصب المدير الإداري لقسم أوروبا في مجموعة "أوراسيا"، وهو زميل زائر بارز في كلية لندن للاقتصاد. وقد شغل سابقاً منصب متخصص في الاقتصاد في المديرية العامة للشؤون الاقتصادية والمالية التابعة للمفوضية الأوروبية، وعمل متخصصاً في الاقتصاد في وزارة الخزانة البريطانية.
مترجم عن "فورين أفيرز"، 18 يونيو (حزيران) 2026
صعود اليمين المتطرف في فرنسا يعكس اتجاهاً أوسع في أوروبا، حيث نجحت أحزاب مماثلة في المجر وإيطاليا. لكن حجم فرنسا ووزنها داخل الاتحاد الأوروبي يجعلان من وصول اليمين المتطرف إلى الحكم نقطة تحول قد تعيد تشكيل السياسة الأوروبية. ويبقى السؤال ما إذا كانت الأحزاب التقليدية قادرة على تشكيل جبهة موحدة لإحباط هذا السيناريو.
المصدر الأصلي: اندبندنت عربية
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.