تاريخ بريطاني طويل من الانقسام الثقافي... شمالاً وجنوباً
تتجاوز إطلالة رئيس الوزراء الجديد آندي بيرنهام، الملقب بـ«ملك الشمال»، من خلف الباب الأسود الشهير لمقر رئاسة الوزراء البريطانية في 10 داونينغ ستريت
يُعد ظهور رئيس الوزراء الجديد آندي بيرنهام، المعروف بلقب «ملك الشمال»، خلف الباب الأسود الشهير في 10 داونينغ ستريت تجسيدًا لأكثر من مجرد تغيير روتيني في قمة الهرم السياسي البريطاني؛ إذ يحمل دلالات تحول جوهري في بنية السياسة المعاصرة ومراجعة تاريخية عميقة لعلاقة المركز بأقاليم البلاد، مما قد يفتح الباب أمام تقييم نقدي شامل لمسار تنموي احتكر الثروة والنفوذ في لندن طويلاً، مخلفًا فجوات هيكلية متراكمة في الشمال والأقاليم.
وتشكل هذه اللحظة فرصة لإعادة التفكير في العلاقة بين لندن والأقاليم، وهو موضوع ظل حاضرًا في الخطاب السياسي البريطاني لعقود.
تمتد جذور الانقسام بين الشمال والجنوب إلى عمق التاريخ البريطاني، إذ يعود أول تقسيم إداري رسمي للبلاد إلى العهد الروماني، حيث قسمت المنطقة إلى «بريطانيا العليا» التي اتخذت لندن عاصمة لها في الجنوب، و«بريطانيا السفلى» بقيادة يورك في الشمال، مما أرسى إشارة مبكرة لاختلاف الوظائف الإدارية والعسكرية بين الإقليمين، وهو تمايز أسس لنمط علاقة بين المركز والأطراف ظل قائمًا عبر العصور.
غير أن الشرخ الجغرافي والثقافي تعمق إثر حملات الملوك النورمانديين في القرن الحادي عشر، وتحديداً عبر حملة «تدمير الشمال» الشهيرة التي شنها الملك ويليام الأول في شتاء عام 1069، والتي لم تكن مجرد عملية عسكرية عابرة، بقدر ما كانت سياسة ممنهجة تهدف إلى حمل المناطق الشمالية على الخضوع واستئصال شأفة التمرد، مما أورث الشمال كارثة اقتصادية وديمغرافية هائلة امتدت آثارها التنموية لأجيال متعاقبة، وأسست لنوع من الجفاء التاريخي المتبادل بين السلطة المركزية وسكان الأقاليم الشمالية، جفاء ظل يتغذى على ذاكرة جماعية للقهر وسياسات الإخضاع.
شهدت القرون التالية ترسيخاً لهذه الحدود الفاصلة، حيث رسم خط «دانلو» الفاصل بين أقاليم النفوذ الاسكندنافي والأنغلو-ساكسوني حدوداً ثقافية وقانونية امتدت من نهر الميرسي وصولاً إلى نهر التيمز، مانحاً الشمال هوية قانونية وثقافية متميزة عن الجنوب، هوية ترسخت في العادات والتقاليد والأنماط السكانية. وتؤكد البيانات الديمغرافية التاريخية الصادرة عن المراكز الأكاديمية المختصة أن أنماط الهجرة بين عامي 1851 و1911 أظهرت عزوفاً واضحاً لسكان المراكز الصناعية الشمالية مثل لانكشاير ويوركشاير ونورثمبرلاند عن الانتقال إلى العاصمة لندن، إذ فضَّل السكان البقاء ضمن أقاليمهم ذات الفرص الصناعية الواعدة والروابط الاجتماعية المتماسكة، مما جعل التطور العمراني والثقافي للعاصمة لندن يعتمد بصورة شبه كاملة على المهاجرين الوافدين من الأقاليم الجنوبية، الأمر الذي كرس انقساماً ديمغرافياً وثقافياً ملموساً ظل يلقي بظلاله على مجريات الحياة العامة في البلاد.
أحدثت الثورة الصناعية تحولاً جذرياً في التوازن الديمغرافي والاقتصادي للبلاد خلال الفترة الممتدة بين عامي 1750 و1850، حيث شهدت المقاطعات الشمالية معدلات نمو سكاني هائلة بلغت أوجها بفضل تدفق العمالة نحو مناجم الفحم ومصانع النسيج والصلب ومراكز الشحن البحري، لينتقل مركز الثقل السكاني للمملكة نحو الشمال مع مطلع القرن التاسع عشر، ولتصبح حواضره حاضنة الإنتاج المادي والابتكار الصناعي ومحرك النمو الاقتصادي للإمبراطورية، بينما احتفظت لندن بموقعها مركزاً للمال والإدارة والإعلام والخدمات السياسية، في تمايز وظيفي عميق بين مناطق الإنتاج ومناطق التوجيه والقرار.

ولّد هذا التمايز الاقتصادي الهيكلي هوية ثقافية صلبة لدى أبناء الشمال، ترتكز على قيمة العمل اليدوي الشاق والتضامن المجتمعي والاعتزاز بالتراث العمالي، حيث شكَّلت المدن الصناعية الكبرى مثل مانشستر وليفربول ونيوكاسل وشفيلد مختبرات للتجربة الاجتماعية العمالية، وأفرزت ثقافة سياسية ونقابية متميزة قائمة على التضامن الطبقي والمطالبة بالحقوق الاقتصادية، ثقافة كانت في كثير من الأحيان على نقيض مع الثقافة اللندنية الأكثر نخبوية وارتباطاً بالمؤسسات المالية والتجارية الدولية.
مع حلول النصف الثاني من القرن العشرين، أدت سياسات التفكيك الصناعي الحاد وإغلاق المناجم والمصانع التي تبنتها لندن إلى أزمات اقتصادية واجتماعية عميقة في مدن الشمال وحوَّلتها من مراكز إنتاج صناعي إلى مناطق تعاني من البطالة المزمنة والتفكك الاجتماعي، بينما ازدادت العاصمة والجنوب الشرقي ثراءً وتوسعاً بفضل التحول الشامل نحو الاقتصاد الخدمي والروابط بالقطاع المالي المعولم.
أفرز هذا التحول التفاوتات الحالية الحادة في مؤشرات الحياة الأساسية، إذ تسجل المناطق الشمالية مستويات أجور أقل بفارق يصل إلى عشرة آلاف جنيه إسترليني سنوياً مقارنةً بالعاصمة، إلى جانب ارتفاع معدلات البطالة وانخفاض متوسط الأعمار ودرجات التحصيل العلمي، على نحو يكرّس شعور سكان الشمال بالتهميش المستمر من المؤسسات الرسمية القابعة في وستمنستر، ويضفى على العلاقة بين الأقاليم والمركز طابع المواجهة المفتوحة التي تجلت بأوضح صورها في استفتاء الخروج من الاتحاد الأوروبي، حيث صوّت الشمال بأغلبية ساحقة لصالح الخروج، معتبراً أنه تصويت ضد نخب لندن السياسية والاقتصادية.
ينعكس الانقسام بين الشمال والجنوب في الأرقام الاقتصادية كتعبير عن تباين في البنية الثقافية والقيمية، وقد وثق الكاتب جورج أورويل هذه الفروق في كتابه «الطريق إلى رصيف ويغان» الصادر عام 1937، حيث أشار إلى الانطباع الراسخ عن الجدية والصمود والدفء الإنساني والروح الديمقراطية لدى أبناء الشمال، مقابل الصورة النمطية الجنوبية المرتبطة بالرفاهية والنخبوية والتحفظ الاجتماعي، وهي صور تغذيها معايشة يومية للفروق في تكلفة المعيشة وأنماط الاستهلاك والعلاقات الاجتماعية.
كما يظهر التباين الحاد في سوق العقار وتكلفة المعيشة، حيث تتجاوز أسعار المنازل في لندن متوسط نصف مليون جنيه إسترليني بينما تتدنى في مدن الشمال إلى مستويات تقل عن مائتي ألف جنيه، مما يخلق واقعين اجتماعيين مختلفين تماماً ويُنتج تصورين متناقضين لمفهوم الاستقرار وجودة الحياة والرفاهية الشخصية، ويعزز من الشعور بأن بريطانيا ليست دولة واحدة، بل دولتان متجاورتان تعيشان في زمنين مختلفين. هذا التباين الثقافي والاجتماعي لم يبقَ محصوراً في مجالات المعيشة اليومية، بل امتد إلى مجالات الفن والأدب والإعلام، حيث ظل الشمال يُنتج رواياته وأغانيه وأعماله الدرامية المعبرة عن تجربته الخاصة، في مواجهة هيمنة ثقافية لندنية طغت على المشهد الثقافي البريطاني لعقود.
شكَّل هذا التراكم التاريخي والثقافي والاقتصادي المحرك الأساس لإعادة رسم المشهد السياسي الحديث في بريطانيا، إذ أظهرت الاستحقاقات الانتخابية المتعاقبة -لا سيما استفتاء الخروج من الاتحاد الأوروبي عام 2016- عمق الجفاء بين الرأي العام في الأقاليم الشمالية والتوجهات السائدة داخل العاصمة، حيث يصوّت الشمال بشكل مختلف عن الجنوب بما يخصّ كثير من القضايا الجوهرية، معبراً عن رفضه النموذج الاقتصادي والسياسي الذي تفرضه لندن. وأدى إخفاق الإدارات المتعاقبة في معالجة الفجوات التنموية وتلبية تطلعات برنامج الإصلاح التنموي إلى تراجع ثقة الناخب الشمالي في الخطابات السياسية التقليدية الصادرة من وستمنستر، وصعود الخطاب الشعبوي ورموزه، مما فرض على قيادات حزب العمال الحاكم التفكير مليّاً في إعادة تشكيل الخريطة السياسية برمتها وفتح الباب أمام أصوات جديدة تطالب بلا مركزية حقيقية في الحكم وتوزيع عادل للموارد.
لذلك، فإن تولي آندي بيرنهام المنصب التنفيذي الأهم في المملكة قد يكون فرصة أخيرة للحزب لتمديد بقائه داخل السلطة في الانتخابات العامة التالية. فالرجل الذي نجح في بناء نموذج قيادي قائم على المواجهة الصريحة مع السلطة المركزية، مستفيداً من لقبه الشعبي «ملك الشمال» ليتحدى القرارات المالية والإدارية الصادرة من لندن، ويعيد تنظيم المرافق العامة كحافلات النقل، تحت إدارة محلية بأسعار ميسورة... أظهر كيف يمكن للحكم المحلي أن يكون أكثر كفاءة واستجابة لحاجات السكان من القرارات المركزية التي تُتخذ من العاصمة، وهو أمر لا شك يجد أصداء له، لأسباب تتقارب وتتباعد، لدى الأقاليم في اسكوتلندا وويلز وآيرلندا الشمالية.إن إعادة النظر في العلاقة بين الشمال والجنوب لم تعد مسألة تنمويّة أو اقتصاديّة لازمة، بل مساءلة حان وقتها للرواية التاريخية التي طوّرت المركزية اللندنية وجعلتها نموذجاً مفترضاً للتحديث والحضارة، بينما ظلّ الشمال يُصوّر في الخطاب الإعلامي والسياسي السائد على أنه منطقة متخلّفة أو مقاوِمة للتغيير. غير أن الحقائق التاريخيّة تشير إلى عكس ذلك تماماً، إذ كان الشمال هو محرك الثورة الصناعية ومنبع الابتكار التكنولوجي والحراك الاجتماعي والسياسي في بريطانيا، وما يحدث اليوم من تحولات على مستوى القيادة أقرب إلى استعادة لهذا الدور التاريخي بعد عقود من الإقصاء والتهميش، وقد تكون نذير عصر جديد لبريطانيا في عالم متغيّر، تعود فيه الأقاليم لتكون محركاً رئيسياً في رسم هيئة الغدِّ للبلاد، ليس بالضرورة من خلال التنافس مع الجنوب، بل من خلال إعادة تعريف معنى العدالة التنموية والمواطنة المتكافئة داخل دولة-خليط متعددة الثقافات والأقاليم.
"); googletag.cmd.push(function() { onDvtagReady(function () { googletag.display('div-gpt-ad-3341368-4'); }); }); }
يمثل هذا الانقسام التاريخي والثقافي خلفية أساسية لفهم التصويت الكبير لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي في مناطق الشمال، حيث اعتبره كثيرون رسالة احتجاج ضد نخب لندن. ويظل سد الفجوة بين الشمال والجنوب تحديًا رئيسيًا للحكومات المتعاقبة، خاصة في ظل استمرار التفاوت في الأجور والفرص ومتوسط الأعمار. ويراقب المراقبون ما إذا كان وصول بيرنهام إلى منصب رئيس الوزراء سيعيد تشكيل السياسات التنموية لصالح الأقاليم، أم أنه سيبقى مجرد رمز لتغيير محدود.
المصدر الأصلي: الشرق الأوسط
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.