ملخص

لا يستبعد البنتاغون إمكانية تزويد عدد محدود من الصواريخ الأرضية برؤوس حربية خلال المناورات، مع تقديره بأن الرصيد النووي الصيني سيتجاوز ألف رأس بحلول عام 2030، ومن المحتمل أن تنشر بعضها بدرجات جاهزية أعلى.

تأتي هذه التقديرات في سياق تنامي الاهتمام الدولي بسباق التسلح النووي في آسيا.

التنين النووي الصيني ما زال نائماً لكنه قد يستيقظ في أي لحظة، وفقاً لتقرير الترسانة النووية الصينية لعام 2026 الذي أشار إلى تسارع وتيرة تحديثها وتوسعها. ويقدر خبراء نشرة علماء الذرة الأميركية أن الصين تمتلك حالياً نحو 620 رأساً نووياً، مع وجود رؤوس إضافية تحت الإنتاج لتجهيز أنظمة إطلاق مستقبلية.

ومن المعروف أن الصين تمتلك أسرع ترسانة نووية نمواً بين الدول التسع الحائزة للأسلحة النووية في هذا الوقت. فهي الدولة الوحيدة من بين الدول الموقعة على معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي تزيد ترسانتها النووية بصورة ملحوظة.

العقد الماضي

على رغم أنها زادت من نشاطها النووي بصورة ملحوظة وملموسة خلال العقد الماضي، فإن جميع التقارير الاستخباراتية الصادرة من جهات حكومية أميركية ومواقع علمية ووسائل إعلام مطلعة أشارت وبكل وضوح إلى أن الصين لم تغير من عقيدتها النووية الحربية منذ بداية نشاطها النووي وحتى الآن. فخلال العقد الماضي، وسعت بكين بصورة ملحوظة برنامجها المستمر لتحديث ترسانتها النووية، وذلك بنشرها أنواعاً وأعداداً أكبر من الأسلحة النووية مقارنة بأي وقت مضى.

منذ إصدار تقرير نشرة علماء الذرة الأخير عن الصين في مارس 2025، تواصل بكين إنشاء ثلاثة حقول صواريخ جديدة للصواريخ الباليستية العابرة للقارات التي تعمل بالوقود الصلب، كما تواصل بناء صوامع جديدة لصواريخ DF-5 التي تعمل بالوقود السائل. وبحسب تقرير المفكرة النووية لاتحاد العلماء الأميركيين 2026، طورت الصين نسخاً محدثة من هذه الصواريخ وأنظمة إطلاق استراتيجية متطورة، ويُرجح أنها أنتجت رؤوساً حربية فائضة لاستخدامها في هذه المنظومات بعد نشرها.

مصادر "البنتاغون"

في عام 2025 أفاد "البنتاغون" بأن المخزون النووي الصيني "ظل في حدود 600 رأس حربي حتى عام 2024، مما يعكس تباطؤاً في معدل الإنتاج مقارنة بالسنوات السابقة". أما أهم معوقات عمل هذه الرؤوس الحربية الصينية فهو كونها ليست "جاهزة للعمليات"، مثل الرؤوس الحربية النووية الأميركية والروسية المنتشرة على صواريخ عاملة وفي قواعد القاذفات حول العالم، إذ يعتقد أن جميع الرؤوس الحربية الصينية مخزنة بصورة منفصلة عن منصات الإطلاق.

على رغم ذلك لا يستبعد "البنتاغون" تجهيز عدد قليل من الصواريخ الأرضية برؤوس حربية أثناء التدريبات. ويقدر "البنتاغون" أن ترسانة الصين ستتجاوز 1000 رأس نووي بحلول عام 2030، ومن المرجح نشر عدد منها "بمستويات جاهزية أعلى". ويذكر أن تقرير "البنتاغون" المقدم إلى الكونغرس لعام 2025، كما في عامي 2024 و2023، لم يتضمن التوقعات الواردة في تقارير سابقة لوزارة الحرب الأميركية والتي أفادت بأن الصين قد تمتلك مخزوناً من نحو 1500 رأس نووي بحلول عام 2035. وهي توقعات أصدرتها الوزارة عام 2022.

صواريخ باليستية في البحر والجو

من الواضح أن الصين تركز على امتلاك قوة باليستية ضاربة، لذلك "وسعت أيضاً نطاق أسطولها من صواريخ DF-26 الباليستية متوسطة المدى ذات القدرة المزدوجة، والتي يبدو أنها حلت محل صواريخ DF-21 متوسطة المدى في الدور النووي بصورة كاملة".

في البحر، تجري الصين تحديثات على غواصاتها النووية من طراز 094 المزودة بصواريخ باليستية، حيث تزودها بصواريخ JL-3 الباليستية بعيدة المدى التي تطلق من الغواصات، وتشيد غواصات إضافية من طراز 094، إضافة إلى فئة جديدة تعرف باسم طراز 096.

وعلاوة على ذلك، أعادت الصين حديثاً تكليف بعض قاذفاتها من طراز H-6 بمهمة نووية عملياتية، وهي قاذفات مزودة بصواريخ باليستية تطلق من الجو، وقد تحمل رؤوساً نووية. ويؤكد خبراء الأسلحة النووية في هذا السياق أنه من المهم "أن نرى إلى أي مدى سيؤثر هذا التوسع على سياسة الصين النووية واستراتيجيتها في استخدام الأسلحة النووية".

ألوية_صواريخ_DF-26_متوسطة_المدى_المحتملة_الجديدة_الصور_لجوجل_إيرث_عبر_نشرة_علماء_الذرة.png

ألوية صواريخ DF-26 متوسطة المدى المحتملة (غوغل إيرث)

وفي مقالة بعنوان "الأسلحة النووية الصينية 2026" بقلم كل من هانز إم. كريستنسن، ومات كوردا، إليانا جونز، وماكنزي نايت-بويل، نشرت يوم 8 يوليو (تموز) 2026، تطرق العلماء أيضاً إلى تقديرات الولايات المتحدة وافتراضاتها في شأن القوات النووية الصينية مع تقديم شرح مستفيض حول إنتاج المواد الانشطارية والتجارب النووية الصينية إضافة إلى تقديم أرقام تقديرية حول الصواريخ الباليستية الأرضية وغيرها من الأسلحة النووية الصينية الحديثة.

لعل أهم ما يمكن فهمه من هذه التقارير المتنوعة حول البرنامج النووي الصيني هو كون العقيدة والسياسة النووية الصينية لم تتغير كثيراً منذ عقود، إذ أكد تقرير المفكرة النووية في هذا السياق على ثبات ورسوخ العقيدة النووية الصينية مقارنة بغيرها من الدول، على رغم ازدياد النشاط النووي الصيني. وبذلك "لا تعد كل هذه البيانات بالضرورة دليلاً على تحول رسمي نحو موقف نووي أكثر عدوانية. فمن المحتمل أيضاً أن يكون الهدف منها تمكين الصين من نشر قواتها، والشروع في إطلاقها بسرعة عند الحاجة".

الغواصات والصواريخ الباليستية البحرية

فيما يتعلق بالقوة البحرية الصينية، أكد التقرير أن الصين تمتلك حالياً أسطولاً من ست غواصات نووية من طراز جين (النوع 094) تعمل بالصواريخ الباليستية من الجيل الثاني، وتتمركز في قاعدة "يالونغ" البحرية قرب "لونغبو" في جزيرة هاينان. ويعتقد أن "أحدث غواصتين من هذا الطراز هما نسختان محسنتان من التصميم الأصلي للنوع 094"، فيما تشير بعض المجلات الصينية إليها باسم النوع 094A، لكن لم يؤكد أي من البنتاغون أو الحكومة الصينية ذلك.

اقرأ المزيد

ووفقاً لعلماء الذرة الأميركيين فإن هذه الغواصات تميزت ببروز أكبر في مقدمها، مما أثار في البداية بعض التكهنات حول قدرتها على حمل ما يصل إلى 16 صاروخاً باليستياً يطلق من الغواصات، بدلاً من 12 صاروخاً كما هو معتاد. وعلى رغم ذلك، أكدت صور الأقمار الاصطناعية لاحقاً أن الغواصات الجديدة مجهزة بـ12 أنبوب إطلاق لكل منها، فيما أظهرت التحديثاًت لاحقا على أن البروزات مرتبطة بأدوات كتم الصوت وليس بعدد الصواريخ.

القاذفات

وفق مقالة العلماء على موقع نشرة علماء الذرة الأميركيين، فقد طورت الصين أنواعاً عدة من القنابل النووية، واستخدمت الطائرات لإيصال ما لا يقل عن 12 قنبلة نووية من تلك التي فجرتها في برنامجها للتجارب النووية بين عامي 1965 و1979. "ولاحقاً، توقفت مهمة القوات الجوية لجيش التحرير الشعبي الصيني النووية مع تطور قوة الصواريخ، وتراجع جدوى وفاعلية القاذفات متوسطة المدى القديمة في حال نشوب نزاع نووي".

وبينما كان هؤلاء العلماء يعتقدون سابقاً أن الصين تحتفظ بمخزون صغير من القنابل الأرضية لاستخدامها المحتمل في حالات الطوارئ بواسطة الطائرات، فإنهم يؤكدون في هذا التقرير أن هذه المهمة لم تعد قائمة، وأن الصين لم تعد تحتفظ بالقنابل الأرضية ضمن ترسانتها النووية.

منهجية البحث ومستوى الثقة

قبل الغوص أكثر في التقرير السنوي لنشرة علماء الذرة الأميركيين الذي يصدر ضمن مطبوع ضخم يطلق عليه هؤلاء العلماء اسم "المفكرة النووية"، لا بد من الإشارة إلى أن التحليلات والتقديرات الواردة فيها تستند إلى مجموعة من المصادر المفتوحة، وهي: بيانات رسمية مثل التصريحات الحكومية، والوثائق التي رفعت عنها السرية، ومعلومات الموازنة، والاستعراضات العسكرية، وبيانات الإفصاح عن المعاهدات. كذلك بيانات غير رسمية مثل التقارير الإعلامية، وتحليلات مراكز الأبحاث، ومنشورات القطاع العام. فضلاً عن صور الأقمار الاصطناعية التجارية. لذلك لا بد من تأكيد أنه ونظراً إلى أن كل مصدر من هذه المصادر يقدم معلومات مختلفة ومحدودة، تخضع جميعها لدرجات متفاوتة من عدم اليقين، فإن المفكرة تتحقق من كل معلومة باستخدام مصادر متعددة، وتدعمها بمحادثات خاصة مع المسؤولين كلما أمكن ذلك.

مهمة بالغة الصعوبة

ولذلك يعد تحليل وتقدير القدرات النووية الصينية مهمة بالغة الصعوبة، لا سيما في ظل النقص النسبي في البيانات الرسمية، والرقابة المشددة على الرسائل المتعلقة بالترسانة النووية الصينية وعقيدتها. وكما هو الحال مع معظم الدول النووية الأخرى، لم تفصح الصين علناً عن حجم ترسانتها النووية، أو عن جزء كبير من البنية التحتية التي تدعمها. لذلك يصعب هذا الغموض النسبي من مهمة تحديد حجم الترسانة النووية الصينية، لا سيما أنها الأسرع نمواً في العالم.

قاعدة_صواريخ_DF-41_العابرة_للقارات_التابعة_لسلاح_الجو_الصيني_في_تشيفنغ_الصورة_لنشرة_علماء_الذرة.png

قاعدة صواريخ DF-41 العابرة للقارات التابعة لسلاح الجو الصيني (نشرة علماء الذرة)

تشير المفكرة النووية الأميركية إلى أن الصين "قد تصبح أكثر شفافية في شأن قواتها النووية خلال العقد القادم إذا عززت مشاركتها في مشاورات الحد من التسلح التي عقدت أولى جولاتها في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023". مع العلم أن بناء ثقافة الشفافية النووية من الصفر سيستغرق وقتاً طويلاً. ووفقاً لإعلان لوزارة الدفاع الأميركية صدر عام 2025 فإنه في سبتمبر (أيلول) 2024 أبلغت الصين على نحو مفاجئ الولايات المتحدة وفرنسا ودولاً أخرى قبل إطلاقها التجريبي لصاروخ باليستي عابر للقارات من طراز DF-31B من جزيرة هاينان، بينما لم تبلغ جيراناً آخرين لها، ومنهم اليابان والفيليبين.

مقاطع فيديو

أظهر هذا التقرير أيضاً أنه وعلى رغم وجود بعض الثغرات، فإنه يمكن تكوين صورة أشمل بكثير عن الترسانة النووية الصينية اليوم مقارنة بما كان عليه الوضع قبل بضعة عقود. وذلك من خلال دراسة مقاطع فيديو للعروض العسكرية لجيش التحرير الشعبي الصيني، وترجمات الوثائق الاستراتيجية، وصور الأقمار الاصطناعية التجارية. ويتيح مستوى التنظيم والتوحيد النسبي داخل مختلف فروع جيش التحرير الشعبي للباحثين فهماً أفضل لهيكل ومهام ألوية الصواريخ والوحدات الفردية.

في المقابل تشير المفكرة النووية لعلماء الذرة إلى أن دولاً أخرى، ولا سيما الولايات المتحدة، تصدر بانتظام تقييمات أو بيانات عامة حول القوات النووية الصينية. إلا أن هذه البيانات نادراً ما ترفق بالأدلة، خشية الكشف عن مصادر وأساليب حساسة أثناء تجميعها.

ويمكن أن تكون التحليلات التي تجريها مراكز الأبحاث والخبراء غير الحكوميين مفيدة للغاية في إثراء هذه التقديرات، لكن من المهم النظر إلى هذه التحليلات الخارجية بعين ناقدة، لأنه وفي ظل غياب بيانات موثوقة أو رسمية، أصبحت صور الأقمار الاصطناعية التجارية مصدراً بالغ الأهمية لرصد التطورات الجديدة وتحليل القوات النووية الصينية.

وبالنظر إلى كل هذه العوامل معاً، فإن المفكرة النووية الأميركية تزعم أنها تحافظ على درجة ثقة أعلى نسبياً في تقديراتها للقوة النووية الصينية مقارنة ببعض الدول الأخرى المسلحة نووياً. مع الإشارة إلى أن التقديرات في شأن القوات النووية الصينية "تأتي مع قدر أكبر من عدم اليقين" مقارنة بتقديرات الدول ذات الشفافية النووية، والتي ذكر منها التقرير الولايات المتحدة الأميركية والمملكة المتحدة وفرنسا وروسيا.

ويرى محللون أن هذا التوسع قد يعيد تشكيل الردع النووي الإقليمي، خاصة في ظل غياب شفافية بكين بشأن عقيدتها النووية. كما أن التقارير الأميركية تشير إلى احتمالية رفع مستوى الجاهزية لبعض الرؤوس الحربية الصينية، مما قد يغير طبيعة الردع القائمة منذ عقود.