من يجر الآخر إلى حرب طويلة المدى.. إيران أم أميركا؟

المنطقة سوف تظل هي المؤثر الأكبر في مسيرة هذه الحرب، وسوف تكتشف أميركا أنها وإيران تجران بنفس القوة والقدر بعضهما الى إطالة مدى هذه الحرب ومضاعفة تأثيرها، والسؤال هنا: كيف ستخرج أميركا من هذا المنعطف؟ ومن سيروض الآخر في نهاية المطاف؟

سؤال جوهري في هذه الحرب يدور حول فوهة المطالبات الإضافية التي أصبحت تفرض من طرفي الحرب، فمن يجر الآخر نحو حرب طويلة المدى؟ وهل هو قتال من أجل السلام أم قتال من أجل السيطرة؟ قبل الحرب الثانية التي شنتها أميركا وإسرائيل ضد إيران لم يكن مضيق هرمز ضمن دائرة الصراع، ولكن فوهة الحرب اتسعت لتبتلع أهم الممرات المائية عالمياً، حيث تحول مضيق هرمز إلى أحد المتغيرات المهمة في هذه الحرب، وقد يتجاوز خلال المرحلة المقبلة في أهميته فكرة منع إيران من امتلاك سلاح نووي، بالنسبة لأميركا فإن توسع الصراع بهذه الطريقة الجيوسياسية يضاعف تحدياتها وفرص خروجها من هذه الحرب، التي تتحول إلى قضية دولية بدلاً من أن تكون صراعاً ثنائي الأطراف.

وبالعودة إلى مذكرة التفاهم التي تتعرض اليوم للانتهاك، نلحظ أن حالة الانهيار الحالية في هذه المذكرة يمكن توقعها، فقد تمت الإشارة إلى مستوى الهشاشة في مذكرة التفاهم عبر هذا النص الذي يذكر "بأن إيران ستبذل أقصى الجهود لضمان المرور الآمن للسفن التجارية عبر المضيق دون أي رسوم لمدة ستين يوماً"، وهو الزمن المتوقع للمذكرة التي وسّعت فوهة المطالبات، واكتشاف العالم أن هناك هرمزاً عُمانياً وهرمزاً إيرانياً، أنتج فكرة حديثة تتمثل في سؤال جوهري: من يسيطر على المضيق؟ وبدا للعالم أن إيران مستعدة لاستخدام القوة من أجل دفع السفن لاستخدام هرمز الإيراني وليس هرمز العماني.

هذه الحرب تتمتع بقدرتها على التوسع واستخدام المعطيات سواء الجغرافية أو الاقتصادية أو الجيوسياسية، والحقيقة أنه أصبح من الصعب إدارة هذه المعركة عبر تفاهمات جانبية، فقد أثبتت الأيام أنه أصبح من الصعب أو المستحيل في أحيان كثيرة وقف الحرب، التحول الجذري في هذه المعركة تجاوز فكرة قوة وضعف الآخر، فالجغرافيا المحيطة بإيران منحتها أيضاً القدرة على توسيع المعركة وجعلها أكثر تأثيراً على الإقليم من حولها، صحيح أنه لا يمكن بناء مقارنة في القوة بين أميركا وإيران، ولكن المعادلة التي يمكن أن تكسر هذه المقارنة هو موقع المعركة ومحيطها الجغرافي وتأثيرها المباشر، هذه المعركة كما تشير التوقعات لن تحسمها القوة؛ ليس لأن إيران قوية ولكن السبب مرتبط بشبكة الروابط المعقدة بين هذه المعركة ومحيطها الجغرافي.

العزيمة السياسية الأميركية تواجه ضعفاً حقيقاً، وخاصة أن أميركا هي الطرف الأقوى في هذه الحرب، الذي كان يتوقع منه حسم هذه المعركة خلال فترة قصيرة، التحديات أمام القوة الأكبر في العالم تحديات استراتيجية من أجل البقاء في هذه المعركة مدة أطول، ومن هذا المنطلق لن تكون واشنطن مستعدة أن تنشر قواتها أو تتدخل برياً، كما أن تركيز أميركا لجهودها العسكرية عبر العالم في حرب مع إيران سوف ينتج ضعفاً حتمياً في السيطرة الأميركية على مراكز قواها العالمية.

الحقيقة المهمة التي أثبتتها هذه الحرب هي أن إيران طرحت فكرة بقاء النظام فيها كخيار غير قابل للمساومة وتحركت وفق هذا المنطق منذ بداية الحرب، ولذلك فإنه من الطبيعي أن يتحول النظام الإيراني إلى مسار أكثر تشدداً وأكثر تمسكاً بالأيديولوجياً التي أسست هذا النظام، وأكثر قيمة وسيطرة على الداخل الإيراني، ومع أن النظام يعاني اقتصادياً إلا أن جغرافيا هذه الحرب ومعطياتها الجيوسياسية تشجع إيران بشكل كبير نحو جر أميركا إلى حرب طويلة المدى متداخلة مع الإقليم المحيط بإيران وهذا ما يجب أن تحذر منه المنطقة.

سياسياً، أصبح من السهل الاكتشاف أن التشدد الإيراني في مقابل التشدد الأميركي مازال يفرض نفسه، مما يشير إلى أن فرص التنازلات من الطرفين في سبيل إنهاء هذه الحرب تقل تدريجياً سواء في الخطاب السياسي أو حتى الإعلامي، على الجانب الآخر، تقف أميركا في تحدٍّ كبير مع نفسها؛ فبدلاً من أن كانت قضية إيران نووية فقط أصبح هناك قضية مضيق هرمز، ولا يمكن لأحد أن يتنبأ بما هي المعطيات الجديدة التي يمكن أن تنضم إلى هذه القائمة، فحالة عدم اليقين الأمني في المنطقة سوف تظل هي المؤثر الأكبر في مسيرة هذه الحرب، وسوف تكتشف أميركا أنها وإيران تجران بنفس القوة والقدر بعضهما إلى إطالة مدى هذه الحرب ومضاعفة تأثيرها، ولعل السؤال النهائي: كيف ستخرج أميركا من هذا المنعطف؟ ومن سيروض الآخر في نهاية المطاف؟ وقد تكون الإجابة في فتح فرص اأكبر للقوى الإقليمية والدولية لإدارة هذا الصراع وجلب السلام.