"); googletag.cmd.push(function() { onDvtagReady(function () { googletag.display('div-gpt-ad-3341368-3'); }); }); }

ملخص

في ظل دخول فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة دفع النازحين نحو الشاطئ يغوصون بين الأمواج بحثاً عن تبريد أجساد أطفالهم وحمايتهم من ضربات الشمس. لكن هذا الاستجمام في مياه الأبيض المتوسط يصطدم بكارثة بيئية غير مسبوقة؛ فالبحر يستقبل يومياً مئات آلاف الأمتار المكعبة من النفايات السائلة والمجاري الثقيلة.

تحت سماء يوليو (تموز) اللاهبة على ساحل جنوب قطاع غزة، تخرج رندة الدحدوح من خيمتها في منطقة "المواصي"، تجر خلفها أطفالها الأربعة وقد تبللت قمصانهم بالكامل بعرقٍ غزير.

داخل الخيمة، قفزت درجات الحرارة إلى قرابة 45 درجة مئوية، ما جعل البقاء في الداخل خطراً مباشراً على سلامة الصغار، بفعل غياب الكهرباء وانسداد منافذ الهواء.

لم يحتمل طفلها يوسف هذه القيظ، وفر غريزياً نحو الشاطئ الممتد أمام المخيم، والمزدحم بآلاف الأجساد الهاربة من المصير ذاته.

برودة وخطر

ألقى الصغير بنفسه في مياه البحر المتوسط، مطلقاً زفيراً طويلاً مع أول موجة باردة تلامس جلده المحترق، ليتنفس أخيراً بعد ساعات من الاختناق.

لكن هذه البرودة الموقتة تحمل في طياتها خطراً بيولوجياً غير مرئي، فالمياه التي يلوذ بها يوسف لغسل عرق النزوح، باتت مصباً مفتوحاً لآلاف الأمتار المكعبة من مياه الصرف الصحي غير المعالجة يومياً.

بعد تدمير شبكات البنية التحتية وتوقف محطات المعالجة عن العمل، اضطرت بلديات غزة لضخ مياه الصرف الصحي غير المعالجة في البحر.

هذا الواقع، يضع الغزيين أمام مفاضلة قاسية بين جحيم الإعياء الحراري داخل الخيام، وفخ الأمراض الجلدية والمعوية التي تتربص بأجسادهم في الملاذ الوحيد المتبقي لهم.

لا وسائل تبريد في الخيام

لم يعد شاطئ بحر القطاع، الذي يمتد على مسافة نحو 40 كيلومتراً، تلك المساحة المخصصة للترويح والرفاهية التي اعتاد عليها الغزيون. تحول بفعل ظروف الحرب والنزوح إلى مأوى نصب النازحون على شاطئه خيامهم، ومع دخول فصل الصيف وبلوغ موجات الحرارة ذروتها، يواجهون واقعاً جغرافياً معقداً.

تحاصر النازحين الخيام المصنوعة من الأقمشة المهترئة والنايلون المقوى التي تضاعف شدة الحرارة، في ظل انعدام تام لشبكات الكهرباء وتوقف محطات تحلية المياه وغياب أبسط وسائل التهوية أو أدوات التبريد البدائية.

هذا الواقع، في ظل دخول فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة دفع النازحين نحو الشاطئ يغوصون بين الأمواج بحثاً عن تبريد أجساد أطفالهم وحمايتهم من ضربات الشمس.

لكن هذا الاستجمام في مياه الأبيض المتوسط يصطدم بكارثة بيئية غير مسبوقة؛ فالبحر يستقبل يومياً مئات آلاف الأمتار المكعبة من النفايات السائلة والمجاري الثقيلة.

جحيم الخيام

مع اشتداد الصيف تحولت خيام النازحين إلى "صوبات حرارية" تحبس القيظ بداخلها، يقول إياد المغربي "النوم داخل الخيمة في الظهيرة يشبه تماماً الجلوس داخل فرن يشتعل".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويضيف "نحن لا نتحدث عن شعور بالحر الشديد فحسب، بل عن اختناق حقيقي، القماش والنايلون يمتصان أشعة الشمس طوال النهار ويعيدان إشعاعها لأسفل، لا نملك مروحة واحدة فلا وجود لتيار كهربائي يشغلها".

داخل مجتمع الخيام هناك قصص مؤلمة عن حر الصيف، تروي هدى عصفور وهي أم لرضيعين "المياه التي من المفترض أن نغسل بها وجوه الصغار لتبريد أجسادهم تخرج من الغالونات ساخنة جداً بفعل الشمس".

وتضيف "حتى الرضاعة الطبيعية أصبحت عبئاً، لأن الأطفال يرفضون الالتصاق بأجساد أمهاتهم من شدة التعرق والحرارة، الخيمة تدفعنا إلى الخارج دفعاً، والبحر أمامنا هو المكان الوحيد الذي لا يسألنا عن ثمن نسمة الهواء".

أمراض الصيف

بسبب حرارة الخيام تستقبل النقاط الطبية مئات الحالات التي تعاني من الإعياء الحراري، يؤكد المتحدث باسم وزارة الصحة خليل الدقران أن العيادات الميدانية المتاخمة للمخيمات باتت تسجل طفرة يومية في حالات الإعياء الحراري والجفاف الحاد، لا سيما بين الفئات الأكثر هشاشة".

ويقول الدقران "نستقبل يومياً عشرات الأطفال الرضع وكبار السن المصابين بأعراض ضربات الشمس، مثل القيء المستمر والارتفاع الحاد في درجات حرارة الجسم والهذيان وهبوط ضغط الدم".

ويوضح أن الرطوبة العالية مع الاحتباس الحراري داخل النايلون يمنعان أجساد الأطفال من تبريد نفسها عبر التعرق، ما يجعل البقاء داخل الخيمة نهاراً خطراً مباشراً على حياتهم، ويدفع عائلاتهم قسراً نحو مياه البحر لإنقاذهم من الموت اختناقاً".

شاطئ غزة مصب للمجاري

ما يمر به بحر غزة واحدة من أكبر الكوارث البيئية التي شهدها الحوض الشرقي للبحر الأبيض المتوسط، إذ بعدما بات خارج الرقابة الصارمة والفحوصات الدورية بسبب الحرب تحول أيضاً إلى مصب مفتوح لأخطر أنواع الملوثات البيولوجية والكيماوية.

يقول متحدث بلدية غزة حسني مهنا "جذور هذه الأزمة تعود مباشرة إلى التدمير الشامل والمنهجي للبنية التحتية، إذ تسبب انقطاع التيار الكهربائي الكامل ومنع إمدادات الوقود وتدمير خطوط الضخ الرئيسة في شلل تام أصاب محطات معالجة مياه الصرف الصحي الخمس الرئيسة في القطاع".

ويضيف "نتيجة لذلك، وجدت البلديات والمجالس المحلية نفسها أمام خيار وحيد لمنع غرق مراكز النزوح والشوارع بالمياه العادمة، وهو تحويل مسار الخطوط الناقلة لتصب مباشرة في مياه البحر من دون أي معالجة صالحة".

بحسب بيانات سلطة جودة البيئة الفلسطينية، يقدر حجم مياه الصرف الصحي غير المعالجة والمواد الكيماوية التي تضخ يومياً في بحر غزة بأكثر من 130 ألف متر مكعب.

يقول المدير العام لمصلحة مياه بلديات الساحل منذر شبلاق "هذه الكميات الهائلة حولت مناطق واسعة من الشاطئ بخاصة المتاخمة لمخيمات النزوح إلى بؤر ملوثة سوداء تفوح منها الروائح الكريهة وتطفو على سطحها المخلفات الثقيلة".

ويضيف "مياه البحر الحالية في قطاع غزة غير مطابقة لأي من المواصفات الصحية الفلسطينية أو العالمية الخاصة بالسباحة، ونسبة التلوث الميكروبيولوجي فيها تجاوزت الخطوط الحمراء بأضعاف مضاعفة نتيجة التدفق اليومي والمستمر للمجاري غير المعالجة".

ويوضح شبلاق أن توقف محطات المعالجة المركزية يعني أن البكتيريا الطفيلية والميكروبات المعوية والمعادن الثقيلة تصب مباشرة في عمق المياه الساحلية التي يسبح فيها الأطفال".

ويتابع "النزول إلى هذا الماء ليس نشاطاً ترفيهياً، وإنما تماس مباشر مع قنبلة بيولوجية موقوتة، تتغذى عليها التيارات البحرية وتعيد توزيعها على طول الشاطئ، مما يجعل الساحل بأكمله منطقة خطر".

أجساد الأطفال تدفع الثمن

دقائق التبريد القليلة التي يحظى بها الأطفال في الماء سرعان ما تتحول بعد ساعات إلى كوابيس طبية بخاصة في ظل غياب المياه العذبة للاستحمام والتطهير بعد السباحة، وبهذا تظل الميكروبات الملتصقة بالأجساد نشطة، لتجد بيئة مثالية للتكاثر.

يقول مدير عام المستشفيات في غزة محمد زقوت "العيادات الخارجية تشهد تدفقاً هائلاً وحالات متزايدة لمرضى، معظمهم من الأطفال، تظهر عليهم أعراض مرضية مباشرة بعد نزولهم إلى البحر".

ويفصل زقوت طبيعة هذه الإصابات "نستقبل يومياً مئات الحالات المصابة بطفح جلدي شديد وتقرحات بكتيرية حادة (دمامل)، فضلاً عن الانتشار الواسع لمرض الجرب والتهابات العيون والأذن الوسطى الناتجة من ملامسة المياه الملوثة بمخلفات الصرف الصحي، ولا تتوقف الكارثة عند الجلد؛ فالأطفال يبتلعون أجزاءً من هذه المياه أثناء السباحة، ما أدى إلى طفرة في النزلات المعوية الحادة والتسمم وحالات الإسهال الشديد التي تزيد من خطر الجفاف".

لكن المعضلة الأشد قسوة في العجز التام عن تقديم العلاج فالقطاع الصحي المنهك يعاني من نفاد شبه كامل للمستلزمات الحيوية لمواجهة هذه الأمراض.

ويضيف زقوت "نقف مكبلي الأيدي أمام هذه الأجساد المحترقة بالآفات الجلدية، هناك شح حاد، يقترب من الانعدام، في المضادات الحيوية الشرابية للأطفال والمراهم المهدئة للحكة ومضادات الفطريات وحتى مستحضرات علاج الجرب".

ويشير زقوت إلى أن الأطباء يضطرون إلى وصف كمادات الماء والملح والطلب من الأهل إبقاء أطفالهم بعيداً من الشمس والبحر وهو طلب يبدو مستحيلاً في ظل جحيم الخيام، ما يعني أن الإصابات تظل من دون علاج فعال، وتنتقل بالعدوى السريعة لتلتهم أجساد بقية أفراد العائلة داخل المساحة الضيقة ذاتها.

المفاضلة المستحيلة

تدرك العائلات في غزة أن مكان الاستجمام الوحيد لهم مصاب بأمراض لا حصر لها، لكنهم يتبعون أسلوب المفاضلة بناء على معادلة قاسية بين السيئ والأسوأ.

يقول رجب "ندرك حجم التلوث في مياه البحر، لكننا نختار النزول إليه بوعي كامل، نعرف أن البحر سيمرض أطفالنا، لكن ليس لدينا خيار آخر".

ويتابع حديثه "السؤال الذي يطاردني كل ظهيرة هو، هل أترك أطفالي يبكون ويختنقون من حرارة الخيمة التي تسبب لهم الهذيان والارتفاع الحاد في الحرارة، أم أخذهم للبحر ليبردوا أجسادهم ونعالج الأمراض الجلدية لاحقاً إذا توافر الدواء؟، نحن نشتري بضع ساعات من البرودة الموقتة مقابل فاتورة مرضية حتمية".

هذا النمط من التفكير يحلله الأخصائيون النفسيون بأنه دليل على "الإنهاك النفسي المفرط" ووصول القدرة الإنسانية على التحمل إلى حافتها القصوى.

تقول الأخصائية النفسية المتابعة للأزمات السلوكية في مخيمات النزوح هيا الزق "يقلص العيش الممتد داخل مساحات ضيقة تفتقر للمقومات الآدمية الخيارات الذهنية لرب الأسرة، ليصبح الهدف الوحيد هو تخفيف المعاناة الآنية واللحظية بأي ثمن".

وتضيف "البحر تحول من مجرد مساحة جغرافية إلى حاجة سيكولوجية ملحة، فهو المكان الوحيد المفتوح الذي يكسر حصار الخيام ويمنح الأطفال فرصة للتفريغ واللعب، حتى وإن كان هذا مغموساً بالأوبئة".

وتوضح الزق أن النازح تحت وطأة الضغط النفسي، يبدو إليه احتمال الإصابة بمرض جلدي خطراً مؤجلاً، مقارنة بخطر الانهيار العصبي الناجم عن ارتفاع درجات الحرارة، ما يجعل المفاضلة هنا مستحيلة وتنازلاً إجبارياً عن السلامة الجسدية لمصلحة الاستقرار النفسي الموقت".

مع اقتراب ساعات الغروب تبدأ الشمس بجر ذيولها الحارة من سماء غزة، تنادي السيدة رندة على الصغير يوسف الذي بدت أطرافه مجعدة ومبللة بماء البحر المالح الممزوج بالملوثات الخفية.

تغادر مسرعة إلى عمق المواصي حيث تنتظرها خيمتها القماشية التي لا تزال تحتفظ بحرارة النهار ويرهقها التفكير في ما قد يظهر على أجساد أطفالها من تقرحات أو آلام معوية.

"); googletag.cmd.push(function() { onDvtagReady(function () { googletag.display('div-gpt-ad-3341368-4'); }); }); }

المزيد عن:غزةإسرائيلصرف صحيالبحر المتوسطمياه ملوثةالمواصينازحو غزةأمراض جلدية