أزمة السكن في العراق... هل تكفي 2.3 مليون وحدة لسد الطلب المتزايد؟
ملخص
بينما تؤكد الحكومة أن المدن الجديدة ومبادرة المليون قطعة أرض والاستراتيجية الوطنية للإسكان تمثل بداية مرحلة مختلفة في إدارة هذا الملف، يرى خبراء أن النجاح الحقيقي سيقاس بمدى قدرة هذه الخطط على توفير مساكن ملائمة بأسعار مناسبة وتقليص العجز السكني والحد من العشوائيات وتحويل السكن من أزمة مزمنة إلى ركيزة أساسية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية في العراق.
عاد ملف السكن في العراق لواجهة الاهتمام مجدداً بعد إعلان وزارة الإعمار والإسكان والبلديات العامة أن البلاد تحتاج إلى أكثر من 2.3 مليون وحدة سكنية لسد العجز الحالي، في وقت تتحدث الحكومة عن رؤية جديدة لمعالجة واحدة من أكثر الأزمات تعقيداً وتأثيراً في الواقع الاقتصادي والاجتماعي، من خلال إطلاق مدن سكنية جديدة واعتماد نظام المطورين العقاريين وإقرار مبادرة المليون قطعة أرض سكنية، فضلاً عن تنفيذ الاستراتيجية الوطنية للإسكان للأعوام 2025 – 2030.
ويأتي هذا الإعلان مع ارتفاع متواصل في أسعار العقارات والإيجارات وتزايد أعداد السكان واستمرار الهجرة من المناطق الريفية إلى المدن، مما جعل أزمة السكن تتجاوز كونها أزمة بناء مساكن لتصبح تحدياً تنموياً يمس الاقتصاد وسوق العمل والاستقرار الاجتماعي وجودة الحياة.
وتشير وزارة الإعمار والإسكان إلى أن نتائج التعداد العام للسكان أظهرت حاجة العراق إلى ما بين 2.3 و2.4 مليون وحدة سكنية، مؤكدةً أن الحكومة تستهدف تقليص نحو نصف هذا العجز خلال الأعوام المقبلة عبر تنفيذ مشاريع سكنية جديدة وإشراك القطاع الخاص في عمليات التطوير العمراني.
ويقول المتحدث باسم الوزارة نبيل الصفار إن السياسة الوطنية للإسكان التي أُعدت بالتعاون مع منظمات دولية تمثل خريطة طريق لمعالجة الأزمة، موضحاً أن الحكومة تخلت عن تجربة توزيع الأراضي غير المخدومة بعد أن أثبتت عدم نجاحها وأسهمت في توسع العشوائيات، لتنتقل إلى نموذج يعتمد على تجهيز الأراضي بالبنى التحتية والخدمات قبل توزيعها على المواطنين.
ويؤكد الصفار أن "المشاريع الجديدة لن تقتصر على العاصمة بغداد، وإنما ستشمل جميع المحافظات، مع التركيز على إنشاء مجتمعات سكنية متكاملة خارج مراكز المدن المزدحمة، بما يخفف الضغط عن المناطق الحضرية ويوفر بيئة أفضل للسكان".
![]()
يقول مراقبون إن العراق لا يواجه أزمة بناء فقط، بل أزمة إدارة حضرية واقتصادية (اندبندنت عربية)
خطط حكومية
في موازاة ذلك، أعلنت وزارة التخطيط إعداد استراتيجية وطنية للإسكان تستهدف الفئات المتوسطة والفقيرة، بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية ومنظمة العمل الدولية والاتحاد الأوروبي، وتركز على تحقيق تنمية متوازنة في المدن والريف، مع توفير الخدمات الأساسية وفرص العمل لضمان استقرار السكان في المناطق الجديدة.
وتشير الوزارة إلى أن الاستراتيجية تتضمن مراجعة شاملة للمجمعات السكنية التي نُفذت خلال الأعوام الماضية وتقييم مستوى الخدمات المقدمة فيها ومدى قدرة المواطنين على شراء الوحدات السكنية، بهدف بناء سياسة إسكانية أكثر واقعية تستجيب للحاجات الفعلية للسوق العراقية.
وتؤكد الحكومة أن مبادرة المليون قطعة أرض سكنية تمثل أحد أهم محاور معالجة الأزمة، إذ تقوم على تخصيص أراضٍ مخدومة بالبنى التحتية بدلاً من توزيع أراضٍ خالية من الخدمات كما كان يحدث في السابق.
وأقر مجلس الوزراء المبادرة بوصفها مشروعاً وطنياً، مع تشكيل لجنة عليا تتولى وضع السياسة العامة للمشروع وتحديد ضوابط الاستحقاق وإنشاء قاعدة بيانات للمستفيدين وحصر الأراضي الصالحة للتخصيص وإعداد نموذج تمويلي يضمن استدامة التنفيذ.
كذلك، تؤكد الحكومة العراقية أن توزيع الأراضي بين المحافظات سيعتمد على معايير عدد السكان ونسب الفقر، بهدف تحقيق العدالة في توزيع الفرص، فضلاً عن إشراك القطاع الخاص والمطورين العقاريين في تنفيذ شبكات الطرق والماء والكهرباء والمجاري والخدمات الأخرى قبل تسليم الأراضي إلى المواطنين.
وعلى رغم أهمية هذه الخطوات، يرى متخصصون أن أزمة السكن في العراق لا ترتبط فقط بعدد الوحدات المطلوبة، وإنما بمجموعة واسعة من العوامل الاقتصادية والديموغرافية والخدمية التي تراكمت على مدى عقود.
فالزيادة السكانية المستمرة ترفع حجم الطلب على المساكن بصورة سنوية، كما أن ارتفاع معدلات الزواج والنمو الحضري والهجرة الداخلية نحو بغداد والمحافظات الكبرى، كلها عوامل تضيف آلاف الأسر الجديدة إلى قائمة الباحثين عن السكن كل عام، فضلاً عن الزيادة الكبيرة في أسعار الأراضي والعقارات التي جعلت امتلاك منزل حلماً بعيد المنال بالنسبة إلى شريحة واسعة من الشباب وذوي الدخل المحدود وأيضاً ارتفاع أسعار مواد البناء وكلف التنفيذ، مما انعكس مباشرة على أسعار الوحدات السكنية والإيجارات.
وتعد بغداد أكثر المحافظات تأثراً بالأزمة نتيجة الكثافة السكانية وتركز المؤسسات الحكومية والقطاع الخاص والخدمات فيها، مما أدى إلى زيادة غير مسبوقة في أسعار الأراضي والإيجارات، بينما بدأت المحافظات الأخرى تشهد هي الأخرى ارتفاعات متسارعة مع توسع النشاط العمراني.
وتشير تقديرات رسمية إلى أن مئات آلاف الأسر العراقية تقطن في مناطق عشوائية تفتقر إلى الخدمات الأساسية، في حين تضطر أعداد كبيرة من الأسر إلى استئجار مساكن تستنزف نسبة كبيرة من دخولها الشهرية، مما يزيد الضغوط الاقتصادية ويؤثر في مستوى المعيشة.
ويؤكد أعضاء في مجلس النواب أن نجاح المبادرات الحكومية يعتمد على التنفيذ الفعلي وليس على الإعلان عنها فقط.
ويقول عضو لجنة الخدمات النيابية محمد خليل إن العراق شهد خلال الأعوام الماضية كثيراً من المشاريع والوعود الخاصة بمعالجة أزمة السكن، إلا أن معظمها لم يحقق النتائج المرجوة، مؤكداً أن نجاح المبادرة الجديدة يتطلب توفير المدارس والمراكز الصحية والطرق وشبكات الماء والكهرباء قبل توزيع الأراضي.
![]()
تخلت الحكومة العراقية عن تجربة توزيع الأراضي غير المخدومة بعد أن أثبتت عدم نجاحها وأسهمت في توسع العشوائيات (اندبندنت عربية)
أزمة إدارة حضرية واقتصادية
ويرى الخبير الاقتصادي مجيد اللامي أن إعلان الحاجة إلى 2.3 مليون وحدة سكنية يعكس حجم العجز الحالي، لكنه لا يمثل الرقم النهائي لأن الطلب على السكن يتجدد بصورة سنوية نتيجة النمو السكاني المتسارع.
ويقول إن "العراق لا يواجه أزمة بناء فقط، بل أزمة إدارة حضرية واقتصادية"، موضحاً أن "اختلال سوق العقارات وارتفاع أسعار الأراضي والمضاربات العقارية وضعف التخطيط العمراني أسهمت جميعها في تعميق الأزمة".
ويضيف أن "بناء ملايين الوحدات السكنية لن يكون كافياً إذا بقيت أسعارها خارج قدرة المواطنين"، مشدداً على أن "الدولة مطالبة بإصلاح سوق التمويل العقاري، وتقديم قروض طويلة الأجل بفوائد منخفضة، وتشجيع القطاع الخاص على تنفيذ مشاريع تستهدف أصحاب الدخول المتوسطة والمحدودة بدلاً من التركيز على المجمعات السكنية الفاخرة".
اقرأ المزيد- احتجاجات في شرق العراق رفضا لانقطاع الكهرباء
- اعتقال مدير عام شركة توزيع المنتجات النفطية في العراق
- لا خطوط حمراء... حملة الاعتقالات تختبر جدية الإصلاح في العراق
ويشير اللامي إلى أن "نجاح السياسة الإسكانية لا يقاس بعدد الوحدات التي يجري إنشاؤها، وإنما بقدرتها على خفض أسعار السكن والإيجارات وتحقيق التوازن بين العرض والطلب، فضلاً عن توفير الخدمات وفرص العمل داخل المدن الجديدة"، محذراً من أن استمرار المضاربات العقارية واحتكار الأراضي سيؤدي إلى ارتفاع الأسعار حتى في حال زيادة المعروض، ما لم تتخذ الدولة إجراءات لتنظيم السوق ومنع الاحتكار وتشجيع الاستثمار المنتج.
![]()
عاد ملف السكن في العراق لواجهة الاهتمام مجدداً بعد إعلان وزارة الإعمار والإسكان والبلديات العامة أن البلاد تحتاج إلى أكثر من 2.3 مليون وحدة سكنية لسد العجز الحالي (اندبندنت عربية)
فرصة اقتصادية كبيرة
من جانبه يؤكد الباحث الاقتصادي حيدر الأسدي أن "أزمة السكن يمكن أن تتحول إلى فرصة اقتصادية كبيرة إذا جرى التعامل معها ضمن رؤية وطنية شاملة تربط بين التنمية العمرانية والنمو الاقتصادي".
ويقول إن "قطاع الإسكان يمتلك قدرة كبيرة على تحريك الاقتصاد الوطني لأنه يرتبط بعشرات الصناعات والأنشطة الاقتصادية مثل الأسمنت والحديد والطابوق والزجاج والأخشاب والنقل والخدمات الهندسية، مما يسهم في توفير آلاف فرص العمل وتحريك عجلة الاستثمار".
ويضيف أن "نجاح المبادرات الحكومية يعتمد على توفير التمويل المستدام وإشراك القطاع الخاص بصورة حقيقية، مع ضمان أن تنعكس التسهيلات الحكومية على أسعار الوحدات السكنية النهائية، فتكون في متناول المواطنين، لا أن تتحول إلى مشاريع موجهة فقط لذوي الدخول المرتفعة".
ويرى أن منح الأراضي وحده لا يحل الأزمة إذا لم يكُن المواطن قادراً على بناء منزله، داعياً إلى توسيع برامج القروض الإسكانية وزيادة رأسمال صناديق الإقراض وتقديم تسهيلات مصرفية طويلة الأجل، بما يسمح للأسر بالانتقال من دفع الإيجار إلى امتلاك منزل.
ويؤكد أن نجاح السياسة الوطنية للإسكان يتطلب مراجعة مستمرة للخطط الحكومية لأن النمو السكاني سيضيف مئات آلاف الأسر الجديدة خلال الأعوام المقبلة، مما يعني أن الطلب على السكن سيظل في ازدياد حتى مع تنفيذ المشاريع الحالية.
ويرى متخصصون أن معالجة أزمة السكن في العراق تتطلب توازناً بين زيادة المعروض من الوحدات السكنية وتحسين القدرة الشرائية للمواطنين وتطوير شبكات النقل والخدمات وتوزيع المشاريع على مختلف المحافظات لتقليل الضغط عن المدن الكبرى، مشددين على أهمية بناء مدن متكاملة تتوافر فيها المدارس والمستشفيات والأسواق ووسائل النقل وفرص العمل، بدلاً من الاكتفاء بإنشاء مجمعات سكنية معزولة تواجه ربما المشكلات نفسها التي عانتها مشاريع سابقة.
وفي ظل هذه المعطيات، تبدو الحاجة إلى أكثر من 2.3 مليون وحدة سكنية مؤشراً على حجم الأزمة وليس نهايتها، إذ إن استمرار النمو السكاني وارتفاع الطلب السنوي يعنيان أن العراق سيحتاج إلى برامج إسكانية طويلة الأمد تتجاوز الحلول الموقتة، وتعتمد على التخطيط الحضري المستدام والإصلاح الاقتصادي والشراكة بين الدولة والقطاع الخاص.
وبينما تؤكد الحكومة أن المدن الجديدة ومبادرة المليون قطعة أرض والاستراتيجية الوطنية للإسكان تمثل بداية مرحلة مختلفة في إدارة هذا الملف، يرى خبراء أن النجاح الحقيقي سيقاس بمدى قدرة هذه الخطط على توفير مساكن ملائمة بأسعار مناسبة وتقليص العجز السكني والحد من العشوائيات وتحويل السكن من أزمة مزمنة إلى ركيزة أساسية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية في العراق.
المصدر الأصلي: اندبندنت عربية
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.