اللون الوردي للذكور والأزرق للإناث... ما القصة؟
ملخص
استعرضت مجلة "فوربس" في مقالة لكيم إلسيسر كيف تحول اللون الوردي من لون مفضل للأولاد إلى لون خاص بالفتيات. وتشير نصوص من أعوام 1890 و1918 و1927 إلى أن الوردي كان يُخصص للصبيان والأزرق للفتيات. وتقول فاليري ستيل في تصريح لـ"سي أن أن" إن المليونير هنري هنتنغتون لعب دوراً في قلب المعادلة باقتنائه لوحتي "الفتى الأزرق" و"بينكي".
لطالما ارتبطت الألوان بدلالات اجتماعية متغيرة، إلا أن الربط بين الوردي والأنوثة والأزرق والذكورة هو نتاج تطور تاريخي حديث.
إذا كنت تشتري ملابس لمولودك الجديد، فما اللون الذي ستختاره؟ القاعدة العامة هذه الأيام تقول إن الفتيات يرتدين اللون الوردي، بينما يرتدي الفتيان اللون الأزرق. لكن تمهل وشكك، فغالباً نحن نعيش في عصر القواعد المقلوبة والمعكوسة، إذ لم يكن هذا هو الحال دائماً، ففي عام 1918 نصحت مقالة في مجلة "ليديز هوم جورنال" قائلة إن "القاعدة المتعارف عليها هي أن اللون الوردي للأولاد والأزرق للفتيات، والسبب هو أن اللون الوردي يعتبر لون أكثر وضوحاً وقوة فهو أنسب للفتيان، بينما يعتبر اللون الأزرق أكثر رقة ونعومة، فهو أجمل وأنسب للفتيات".
وعليه كيف أصبح اللون الوردي رمزاً للأنوثة؟ وهل يعتبر اللون الأزرق هو لون الذكورة أم "سرق" من الأنثى؟
![]()
يُعتقد أن المليونير الأميركي هنري هنتنغتون بدأ في تغيير التوجه لصالح اللون الوردي كلون خاص بالفتيات عندما اقتنى لوحتَي "الفتى الأزرق" التي تصور صبياً يرتدي ملابس زرقاء، و"بينكي" التي تصور فتاة ترتدي ملابس وردية (بيكسلز)
اللون الوردي... ذكوري
عندما نفكر في اللون الوردي، فمن المحتمل أننا نستحضر صوراً لفتيات صغيرات يرتدين فساتين وردية، مع ألعاب وردية مثل باربي أو أميرة ديزني ترتدي فستاناً جميلاً، إذ يرتبط هذا اللون بصورة كبيرة اليوم بالرقة والأنوثة، لكن هذا الانحياز المعرفي حديث جداً ومقلوب.
"إذا عدنا القرن الـ18، كان الصبيان والفتيات الصغار من الطبقات العليا يرتدون اللون الوردي والأزرق وألواناً أخرى بصورة موحدة"، هذا ما قالته فاليري ستيل، مديرة المتحف في معهد الأزياء والتكنولوجيا (FIT) في نيويورك. ففي الواقع، كان اللون الوردي يعتبر لوناً ذكورياً. وفي الكتالوغات والكتب القديمة كان اللون الوردي هو اللون المخصص للأولاد الصغار، كما قالت ليتريس إيزمان، خبيرة الألوان والمديرة التنفيذية لمعهد بانتون للألوان. وتابعت "كان الأمر مرتبطاً باللون الأحمر الأم، الذي كان لوناً حاراً وعاطفياً وأكثر نشاط وعدوانية، وعلى رغم تقليل درجة اللون، إلا أنه كان لون مرتبط بالفتيان". وفي مقالة بعنوان "الوردي أم الأزرق"، نشرت في مجلة "قسم الأطفال" التجارية عام 1918، ذكرت أن القاعدة المتعارف عليها هي اختيار اللون الوردي للأولاد والأزرق للبنات، وأوضحت المقالة أن "السبب هو أن اللون الوردي، لكونه لوناً قوياً وواضحاً، أنسب للأولاد".
![]()
بحلول منتصف القرن الـ20، كانت البنات يرتدين ملابس تشبه ملابس أمهاتهن، والأبناء يرتدون ملابس تشبه ملابس آبائهم (بيكسلز)
استراتيجية الألوان
بعد الحرب العالمية الثانية، كانت الشركات تبحث عن طريقة لإعادة تحريك عجلة الاستهلاك، فالرجال عادوا من ساحات القتال وأجبرت النساء على العودة من المصانع للبيوت، والمجتمع كان في حالة إعادة ترتيب أدواره. هنا دخلت استراتيجية الألوان إلى اللعبة، وبما أن الأزرق صار مشغولاً بصورة الجندي والبحار والمهندس، كان لا بد من إيجاد لون "أنثوي" جديد للفتيات، لون يوحي بالنعومة والبراءة والرومانسية، ويغري المستهلكين بشراء مزيد من الفساتين والألعاب والإكسسوارات. فوقع الاختيار على الوردي، ليس لأنه اللون المفضل عند الفتيات بالفطرة، بل لأنه لون يسهل ربطه بالدعاية العاطفية.
ووفقاً لبلومبيرغ "لم يرتبط اللون الوردي بالأنوثة إلا بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، عندما بدأ المعلنون الأذكياء بتوجيه الأجهزة المنزلية والمفروشات ذات اللون الوردي الفاتح نحو النساء كحل للأزياء المستوحاة من الزي العسكري وتقنين المنسوجات في زمن الحرب. كان هذا جزء من جهد ما بعد الحرب لإبعاد النساء من سوق العمل وإعادة ترسيخ أدوارهن التقليدية كربات بيوت، مما حدد نطاق الأنوثة في المجال المنزلي ورمز إليه ضمن عالم وردي مكتف ذاتياً للأنوثة، فقد دل ذلك على مستوى محدد من التجربة الأنثوية".
![]()
مع ازدياد وضوح التمييز اللوني بين الجنسين، ظهرت بعض السلبيات، إذ سارع المصنعون إلى تلبية الرغبة في منتجات خاصة بكل جنس (بيكسلز)
لم يكن هذا صحيحاً
وفي مقالة نشرت في مجلة "فوربس" بعنوان "كيف أصبح اللون الوردي لوناً خاصاً بالفتيات"، تتحدث كيم إلسيسر أن اللون الوردي كان يعتبر لفترة طويلة اللون المفضل للأولاد، وتؤكد مقالات تعود لأعوام 1890 و1918 و1927 أن اللون الوردي مخصص للفتيان، والأزرق للفتيات. وقد صرحت فاليري ستيل لشبكة "سي أن أن" (CNN) أنها تعتقد أن المليونير الأميركي هنري هنتنغتون بدأ في تغيير هذا التوجه لصالح اللون الوردي كلون خاص بالفتيات عندما اقتنى لوحتي "الفتى الأزرق" التي تصور صبياً يرتدي ملابس زرقاء، و"بينكي" التي تصور فتاة ترتدي ملابس وردية. وقد رسخت هاتان اللوحتان، اللتان حظيتا بتغطية إعلامية واسعة، اعتقاد الشعب الأميركي بأن "الأزرق كان مخصص للفتيان والوردي للفتيات لقرون عديدة، لكن هذا لم يكن صحيحاً".
اقرأ المزيد- عالم مونوري المهووس بالسينما والروايات البوليسية واللون الأزرق
- لماذا صار اللون الوردي رمزاً للأنوثة؟
- اللون الزهري علامة نسائية تغزو ملابس الرجال
وتشير مقالات أخرى إلى أنه مع مطلع القرن الـ20، أدركت المتاجر أنها تستطيع تحقيق أرباح أكبر من خلال ربط لون محدد بالجنس، فإذا لم نلبس الجميع ملابس متشابهة، سيحتاج الآباء إلى شراء مزيد من الملابس. فقبل ذلك، لم يكن أحد يشعر بالحاجة إلى إلباس الفتيات اللون الوردي أو الأولاد اللون الأزرق، بل كانوا يشعرون أن ذلك خطأ، إذ "قلما كان الآباء في عام 1880 يشعرون بالراحة في إلباس ابنهم البالغ من العمر عاماً واحداً ملابس تعبر عن رجولته أو اختيار ملابس تبرز أنوثة ابنتهم الرضيعة. كان ينظر إلى الملابس المصنفة، بحسب الجنس على أنها غير مناسبة للأطفال الصغار الذين كانت براءتهم غير الجنسية تذكر غالباً كواحدة من أعظم سماتهم."
![]()
عندما نفكر في اللون الوردي، فمن المحتمل أننا نستحضر صوراً لفتيات صغيرات يرتدين فساتين وردية (بيكسلز)
بناء اجتماعي
وبحلول منتصف القرن الـ20، كانت البنات يرتدين ملابس تشبه ملابس أمهاتهن، والأبناء يرتدون ملابس تشبه ملابس آبائهم. لكن في سبعينيات القرن نفسه، بدأ الأطفال يرتدون ملابس أكثر حيادية بين الجنسين. أما في منتصف ثمانينيات القرن الماضي، بدأ التمييز بين الجنسين باستخدام اللونين الوردي والأزرق يترسخ. ولعل الفحوص التي تجرى قبل الولادة كانت عاملاً محفزاً لهذا التوجه، فبفضل ظهور تقنية الموجات فوق الصوتية، كان الوالدان يعرفان قبل ولادة الطفل، ما إذا كان ذكراً أم أنثى، وقد أتاحت هذه المعرفة للأم والأب وقتاً كافياً لتزيين غرفة الطفل بألوان تعكس جنس مولودهما الجديد. وفي الآونة الأخيرة، بات الآباء والأمهات المنتظرون يشاركون فرحتهم بالكشف عن جنس مولودهم في حفلات تتضمن بالونات وكعكة وقصاصات ورقية باللون الوردي أو الأزرق.
ومع ازدياد وضوح التمييز اللوني بين الجنسين، ظهرت بعض السلبيات، إذ سارع المصنعون إلى تلبية الرغبة في منتجات خاصة بكل جنس، فسوقت الدراجات ثلاثية العجلات الوردية، والدراجات البخارية الوردية، وشفرات الحلاقة الوردية، وحتى أقلام بيك الوردية للنساء والفتيات، وغالباً بأسعار أعلى من نظيراتها المخصصة للأولاد.
وفي النهاية، يعد اختيار اللون الوردي للفتيات والأزرق للأولاد ما يطلق عليه علماء الاجتماع اسم "بناء اجتماعي"، إذ لا يوجد أي عامل بيولوجي يجذب الفتيات إلى اللون الوردي، بل هو مجرد شيء ابتكره المجتمع. فمثلاً، مع ظهور "باربي" على الشاشة الكبيرة بلون الوردي، كانت الأمور ستسير بصورة مختلفة لولا حدوث هذا التحول أو الانقلاب على ما كان متعارف عليه قديماً، وكنا لنشاهد هذه الدمية تنبض بالحياة في منزل أزرق، بسيارة زرقاء وملابس زرقاء.
لم يكن هذا التمييز اللوني سائدا قبل القرن العشرين، بل جاء نتاج حملات تسويقية بعد الحرب العالمية الثانية لتوجيه الاستهلاك وتعزيز الأدوار الجندرية. وقد ساهم المعلنون في ترسيخ فكرة أن الوردي لون أنثوي لتحفيز الشراء، وهو ما يفسر استمرار هذه التصورات حتى اليوم.
المصدر الأصلي: اندبندنت عربية
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.