برلين تقبل الانخراط في قوة الردع النووية الفرنسية
برلين تقبل الانخراط في قوة الردع النووية الفرنسية، وألمانيا ستشارك في 2026 بتدريب نووي فرنسي، وماكرون ينفي تمويلاً ألمانياً لبرنامج الردع النووي لبلاده.
شكلت القضايا الدفاعية والاستراتيجية محوراً رئيسياً في الاجتماع الحكومي الألماني-الفرنسي المشترك الذي استضافته ألمانيا على مدى يومين، حيث تركزت أعمال مجلس الدفاع والأمن برئاسة المستشار فريدريش ميرتس والرئيس إيمانويل ماكرون، وبمشاركة وزيري الدفاع والخارجية وكبار المسؤولين العسكريين والأمنيين من البلدين.
ويأتي هذا التعاون في وقت تتزايد فيه المخاوف الأوروبية من التهديدات الروسية وغموض الموقف الأميركي إزاء التزاماته الأطلسية.
المستشار الألماني فريدريش ميرتس والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يوم الجمعة (أ.ف.ب)
وقد تجلى من تصريحات ميرتس وماكرون في المؤتمر الصحفي عقب الاجتماعات عزم برلين وباريس على تحقيق تقدم في هذا الملف المتعلق بأمن البلدين وأوروبا، فيما يرى خبراء من جانبي نهر الرين أن روسيا قد تقدم على اختبار الأمن الأوروبي قبل نهاية العقد الحالي.
أما العامل الآخر الذي يدفع الطرفين، فيتمثل في غياب اليقين لجهة مشاريع ونوايا الإدارة الأميركية بالنسبة لمستقبل الحلف الأطلسي، وانخراطها في الدفاع عن القارة القديمة رغم البيان المطمئن الذي صدر عن قمة الحلف الأطلسي الأخيرة في أنقرة، متضمناً التمسك بالبند الخامس من معاهدة النادي الأطلسي الذي يقول إن أي اعتداء خارجي على أي عضو في الحلف يعد اعتداء على أعضائه كافة.
الرئيس الأميركي دونالد ترمب برفقة رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال حضورهم اجتماع دول «مجموعة السبع» في إيفيان شرق فرنسا (أ.ف.ب)
ولأن الانحسار الأميركي يعني عملياً سحب المظلة النووية الأميركية - الأطلسية عن الحلف، فإن الأوروبيين، وعلى رأسهم ألمانيا، يبحثون عن البديل. وهذا البديل له عنوانان: فرنسا وبريطانيا الدولتان النوويتان الوحيدتان في أوروبا. وسبق للرئيس ماكرون أن عرض إطلاق حوار مع الدول الأوروبية الراغبة في العمل مع فرنسا. وبالفعل، عُقدت مجموعة من الاجتماعات الفرنسية - الألمانية حول هذه المسألة.
المظلة النووية الفرنسية
يتضح أن تقدماً قد تحقق بين برلين وباريس، وهو ما انعكس في تصريحات ميرتس وماكرون. فقد قال المستشار الألماني حرفياً: «نحن نأخذ بجدية بالغة العرض الفرنسي المتعلق بالردع النووي، وندرسه بعناية. وقد يقود هذا المسار في نهاية المطاف إلى صياغة عقيدة جديدة، لكن من السابق لأوانه جداً الحديث عن ذلك في الوقت الراهن».
المستشار الألماني فريدريش ميرتس والرئيس الأميركي ترمب بالبيت الأبيض في مارس الماضي (أ.ب)
وغرّد ميرتس يوم الجمعة على منصة «إكس» بشأن الملف النووي، قائلاً: «تعزز ألمانيا وفرنسا تعاونهما في مجال الدفاع. ونحن نرسخ الردع الأوروبي. واعتباراً من هذا العام، ستشارك ألمانيا في مناورة نووية تجريها القوات المسلحة الفرنسية». بيد أن هذه المشاركة ليست سوى خطوة صغيرة «رمزية» في مسيرة الألف ميل نحو التوصل إلى ردع أوروبي نووي. والمحظور في فرنسا التشارك في اتخاذ قرار اللجوء إلى السلاح النووي الفرنسي. ويتشكل هذا السلاح من مكونين: الأول بحري، ويتمثل في الصواريخ المزودة برؤوس نووية، والتي تحملها الغواصات الفرنسية العاملة بالدفع النووي، ما يمكنها من البقاء لفترات طويلة في أعماق البحار والمحيطات. والمكون الثاني جوي؛ إذ تمتلك فرنسا طائرات «رافال» الاستراتيجية القادرة بدورها على حمل وإيصال رؤوس نووية إلى الأهداف المنوي ضربها. ويعتبر البلدان أن هذا التعاون «سيسهم في تعزيز الردع في أوروبا وزيادة أمن القارة»، مع التقيد الكامل بالالتزامات القانونية الدولية المترتبة على البلدين.
المستشار الألماني فريدريش ميرتس والرئيس الأوكراني في ديسمبر الماضي (إ.ب.أ)
ورغم ما سبق، ورغبة من برلين وباريس في عدم إغاظة الإدارة الأميركية، فقد حرصت العاصمتان على تأكيد أن تعاونهما «يكمل الردع النووي للحلف الأطلسي، ولا يحل محله». وتبدو برلين الأكثر حرصاً على التذكير بهذه القاعدة مقارنة بفرنسا التي توفر لها قوتها النووية السلاح الرادع الذي تعرف عنه سلطاتها بأنه «الضربة الثانية»؛ بمعنى أن فرنسا لن تكون البادئة باستخدام قوتها النووية التي لن يتم اللجوء إليها إلا في حال تعرض «المصالح الفرنسية الحيوية» للخطر. لكن باريس أخذت تعتبر أن هناك «بعداً أوروبياً» لسلاحها النووي، إلا أنها لم تعرفه مطلقاً للإبقاء بيدها على ورقة «انعدام اليقين الاستراتيجي» لدى الخصوم والأعداء، أو المحافظة على «الغموض الاستراتيجي».
الرئيس الفرنسي ورئيس الوزراء البريطاني خلال قمة «تحالف الراغبين» لدعم أوكرانيا في باريس الاثنين (أ.ف.ب)
وفي الأشهر الأخيرة، يدور جدل في ألمانيا حول الثمن الذي يتعين على البلاد دفعه للاستفادة من المظلة النووية الفرنسية. وخلال المؤتمر الصحافي، حرص ماكرون على تناول هذا الجانب ليؤكد أن فرنسا هي من موّلت منذ البداية وستواصل بنفسها تمويل برنامجها النووي، واضعاً بذلك حداً للتساؤلات والنظريات الرائجة من الجانب الشرقي لحوض نهر الرين. ورغم أن الرئيس الفرنسي، دستورياً، هو القائد الأعلى للقوات الفرنسية، فإنه أيضاً المؤهل لأن يطلب الضغط على الزر النووي. وينبه اليمين الفرنسي بشكل خاص على أن «التعاون» النووي مع سبع دول أوروبية تتحاور معها باريس، يجب ألا يفضي إلى الانتقاص من السيادة الفرنسية على قوة الردع النووية.
مرشحة اليمين المتطرف
ثمة جانب رئيسي يتعين أخذه بعين الاعتبار، وهو يمس الوضع السياسي الداخلي في فرنسا؛ ذلك أن الاجتماع الحكومي المشترك هو الأخير الذي يشارك ماكرون في رئاسته. وليس سراً أنه أولى المسائل الدفاعية، وأخصها «الاستقلالية الاستراتيجية»، لأوروبا أهمية مركزية في سياسته الخارجية. من هنا، فإنه حريص على ما يبدو على إعطاء مضمون حقيقي لخطة إفادة الأوروبيين من المظلة النووية الفرنسية انطلاقاً من ألمانيا التي تعد مع فرنسا «قاطرة» الاتحاد الأوروبي.
الرئيسان الفرنسي والأوكراني قبل بدء اجتماع «تحالف الراغبين» في باريس الاثنين (رويترز)
إلا أن ثمة مخاوف من الجانبين مما قد تسفر عنه الانتخابات الرئاسية في فرنسا التي ستُجرى ربيع العام المقبل؛ إذ ترجح استطلاعات الرأي فوز مارين لوبن، مرشحة اليمين المتطرف. وقد طُرح السؤال على ميرتس الذي لم يتردد في الإجابة، وفحواها أنه «سيمد يد التعاون مع من يكون الفائز» في انتخابات 2027. ولم يكن بوسع ميرتس الإجابة بشكل مختلف، ما كان سيعد تدخلاً في الشؤون الفرنسية الداخلية.
أما ماكرون، فدعا إلى الحذر مما تنتجه استطلاعات الرأي، وذكر أنه في عام 2016 كانت تفيد بأن آخرين سيفوزون بالرئاسة، وكانت النتيجة أنه كان هو الفائز. وخلاصته أن نتائج الانتخابات لا تحسمها استطلاعات الرأي، وهو مصيب في ذلك؛ لأن هذه الاستطلاعات لا تعكس سوى صورة «آنية» لما يريده الرأي العام اليوم، وليس بعد نحو سنة.
يبقى عامل آخر حرص الطرفان على إبرازه، وهو يدور حول رغبتهما في طي صفحة الخلاف الذي نشب، دفاعياً، بين بلدَيهما، وعنوانه فشل مشروع بناء طائرة القتال المشتركة المستقبلية بسبب الخلافات المستحكمة بين الشركتين المصنعتين: «داسو» الفرنسية التي تصنع طائرات «رافال»، وشركة «إيرباص» الأوروبية في شقها العسكري، والتي تمثل المصالح الألمانية.
صورة جماعية لقادة ورؤساء حكومات الدول المشاركة في «تحالف الراغبين» لدعم أوكرانيا خلال اجتماعهم بباريس الاثنين (أ.ب)
من هنا، أهمية ما رسا عليه اجتماع مجلس الدفاع والأمن القاضي بالمحافظة على جزء من المشروع المجهض، والخاص بما يسمى «السحابة القتالية» (COMBAT CLOUD)، وهي جزء لا يتجزأ من المشروع المذكور. وما سعى إليه ميرتس وماكرون اللذان لم ينجحا يوماً في بناء علاقة شخصية وثيقة كالتي شهدتها العلاقات بين رأس البلدين كتلك التي جمعت الرئيس فاليري جيسكار ديستان والمستشار هلموت شميت، أو بين الرئيس فرنسوا ميتران والمستشار هلموت كول، وحتى بين ماكرون والمستشارة أنغيلا ميركل، رغم أن الأخيرة كانت «من جليد»؛ ما سعيا إليه هو ترك «إرث إيجابي» لبلدَيهما في قطاع استراتيجي يهم أمنهما المشترك.
ولم تكن محض صدفة أن برلين اختارت قصر أوغوسبوغ، في مدينة برول (قريباً من كولونيا)، مكاناً للاجتماع الحكومي السنوي؛ فهذا القصر شهد حدثاً تاريخياً في مطلع ستينيات القرن الماضي حين وقّع المستشار الألماني كونراد أديناور والرئيس الفرنسي شارل ديغول معاهدة الصداقة الفرنسية - الألمانية التي أرست أسس التعاون القائم بين البلدين حتى اليوم. ويبدو أن الطرفين يأملان أن يكون القصر مصدراً يستوحيان منه أمثولة الماضي.
"); googletag.cmd.push(function() { onDvtagReady(function () { googletag.display('div-gpt-ad-3341368-4'); }); }); }
وتمثل مشاركة ألمانيا في المناورة النووية الفرنسية خطوة رمزية أولى نحو بناء ردع أوروبي مستقل. غير أن التحدي الأكبر يظل في مسألة المشاركة في قرار استخدام السلاح النووي، وهو أمر لا تزال فرنسا تتحفظ عليه. ويبقى السؤال مطروحاً حول مدى قدرة الأوروبيين على سد الفراغ الذي قد تتركه واشنطن.
المصدر الأصلي: الشرق الأوسط
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.