بيرنهام يصل إلى قيادة بريطانيا في سابقة عمالية
ملخص
يستعد أندي بيرنهام لدخول المنزل رقم 10 وسط لندن بعدما حصد تأييد الغالبية الساحقة من نواب حزب العمال بمجرد فتح باب الترشيحات لخلافة رئيس الوزراء كير ستارمر، في مشهد غير مسبوق بتاريخ "العمال" الذي لم يسبق له أن أقصى زعيماً على رأس عمله، فما الذي تغير هذه المرة بعد فشل محاولات التمرد على هيو غيتسكل ونيل كينوك وجيريمي كوربن وغوردون براون، وما الذي اجتمع في "ملك الشمال" حتى التف حوله النواب بهذا الإجماع؟
لم يعرف حزب العمال البريطاني في تاريخه الممتد منذ مطلع القرن الـ20 مشهداً كالذي تعيشه بريطانيا هذه الأيام، إذ بات أندي بيرنهام يقف أمام المنزل رقم 10 وسط لندن بعدما حصل على تأييد 322 نائباً من أصل 403، بمجرد ما فتح باب الترشح لخلافة كير ستارمر، هذه النتيجة تجعل منافسة بيرنهام أمراً مستحيلاً، وخلال أيام سيستدعيه الملك ويكلفه بتشكيل حكومة جديدة، ليبدأ مهامه كسابع رئيس للوزراء تعرفه البلاد خلال عقد واحد.
وأندي بيرنهام سياسي عمالي من مواليد عام 1970 قرب ليفربول، شغل حقائب وزارية في حكومتي توني بلير وغوردون براون، وتولى منصب عمدة مانشستر الكبرى منذ 2017 وحتى عودته إلى البرلمان الشهر الماضي، عبر انتخابات نيابية صممت على مقاسه، ومن أجل توليه السلطة وزعامة الحزب الحاكم.
جوهر السابقة هنا أن ستارمر لم يرحل بمحض إرادته ولا في توقيت اختاره بنفسه، كما فعل بلير عام 2007 حين حدد موعد خروجه بنفسه على رغم الضغوط، فقد أعلن ستارمر استقالته في الـ22 من يونيو (حزيران) الماضي بعد فوز بيرنهام في الانتخابات الفرعية بدائرة "مايكرفيلد" ودعوات من نواب الحزب إلى تحد فوري لزعامته.
جاء إعلان ستارمر إثر أداء كارثي في الانتخابات المحلية في مايو (أيار) الماضي، أطلق دعوات متصاعدة من النواب لتغيير القيادة والاتجاه. وكانت النتائج بالفعل صادمة، إذ خسر الحزب السيطرة على 35 مجلساً محلياً ونحو 1500 مقعد، أي قرابة 60 في المئة من المقاعد التي كانت معرضة للتجديد، فيما أشارت تقديرات هيئة الإذاعة البريطانية إلى أن حصة العمال الوطنية من الأصوات لم تتجاوز 17 في المئة.
وستارمر، المحامي الذي ترأس هيئة الادعاء الملكية قبل دخوله البرلمان عام 2015، قاد حزب العمال منذ 2020 محققاً فوزاً ساحقاً في انتخابات 2024 العامة قبل أن تنهار شعبيته في الحكم، نتيجة لأخطاء وتعثرات كثيرة خلال أقل من عامين.
معضلة المقعد
المعضلة التي واجهت الطامحين لخلافة ستارمر أن أبرزهم لم يكن نائباً أصلاً، فقواعد الحزب تشترط في أي متحد للزعامة أن يكون عضواً في مجلس العموم، وهو ما كان يستبعد عمدة مانشستر الكبرى أندي بيرنهام وعمدة لندن صادق خان، بل إن قيادة الحزب حاولت قطع الطريق على بيرنهام مبكراً، حين تقدم في يناير (كانون الثاني) الماضي بطلب الترشح باسم العمال في الانتخابات الفرعية بدائرة غورتون ودنتون، لكن اللجنة التنفيذية الوطنية للحزب رفضت طلبه بغالبية ثمانية أصوات مقابل صوت واحد، وكان ستارمر نفسه بين المصوتين ضد ما وصف بأنه طريق محتمل لتحدي زعامته.
غير أن انهيار الحزب في انتخابات مايو قلب المعادلة، ففتح الطريق أمام عودة بيرنهام إلى وستمنستر عبر بوابة استثنائية، إذ استقال نائب دائرة "مايكرفيلد" جوش سايمونز، من مقعده لإفساح المجال أمام بيرنهام للترشح، في أول مرة منذ انتخابات "ليتون" الفرعية عام 1965 يفتعل فيها استحقاق خصيصاً لتوفير مقعد لشخص من خارج البرلمان.
جرت انتخابات "ليتون" بعدما عين النائب ريجنالد سورنسن في مجلس اللوردات، مما أدى إلى شغور مقعده في مجلس العموم، فأمل حزب العمال في إعادة وزير الخارجية باتريك غوردون ووكر إلى البرلمان بعد خسارته مقعده في دائرة سميثويك خلال الانتخابات العامة لعام 1964، إلا أن النتيجة جاءت عكس التوقعات، وفاز مرشح حزب المحافظين رونالد بوكستون بفارق 205 أصوات فقط.
مثلت انتخابات "ليتون" انتكاسة مبكرة لحكومة رئيس الوزراء هارولد ويلسون بعد نحو 100 يوم فقط من وصولها إلى السلطة، أما "مايكرفيلد" فسجلت انتصاراً مميزاً لحزب العمال حيث فاز بيرنهام بنحو 25 ألف صوت، وبفارق مع خصومه تجاوز استطلاعات الرأي، وبعد ذلك تسارعت الأحداث، وتسابق النواب العمال إلى إعلان دعمهم لعضو مجلس العموم الجديد، زعيماً للحزب وقائداً للحكومة.
اقرأ المزيد- آندي بيرنهام... "ملك الشمال" الذي يخشاه ستارمر وفاراج
- تمرد أقطاب حزب العمال على ستارمر يطوي صفحة ولايته
- "العمال" البريطاني.. انقسامات متجددة منذ التأسيس
سابقة تاريخية
تكمن السابقة التاريخية في أن "العمال"، خلافاً لحزب المحافظين الذي أطاح مارغريت تاتشر وبوريس جونسون وليز تراس وهم في داونينغ ستريت، لم ينجح قط في إسقاط زعيم متمسك بمنصبه، فالمحاولة الأولى جاءت عام 1960 حين تحدى هارولد ويلسون الزعيم هيو غيتسكل على خلفية الانقسام حول نزع السلاح النووي، ولم يحصد سوى تأييد 81 نائباً، ثم تكررت المحاولة في 1961 عبر أنتوني غرينوود، وأعيد انتخاب غيتسكل.
عام 1988 جاءت أشهر محاولات التمرد، حين تحدى توني بين، رمز الجناح اليساري، الزعيم نيل كينوك المحسوب على التيار الاجتماعي الديمقراطي الأكثر اعتدالاً، فسحقه كينوك بنسبة 89 في المئة من الأصوات وبقي زعيماً حتى 1992.
في سبتمبر (أيلول) 2006، وقع مجموعة من النواب العماليين (من بينهم وزراء ومسؤولون صغار في الحكومة استقالوا لاحقاً) خطاباً يطالبون فيه بلير بالاستقالة الفورية لتفادي هزيمة الحزب في الانتخابات المقبلة، ربط التمرد مباشرة بأنصار غوردون براون (وزير الخزانة آنذاك)، وتحت وطأة هذا الضغط والتمرد الداخلي الواسع، اضطر بلير إلى إعلان أنه سيتنحى خلال عام، وهو ما حدث بالفعل في يونيو 2007.
بدوره واجه براون سلسلة محاولات انقلابية داخلية بين 2008 و2010 وصمد أمامها جميعاً حتى خسارة انتخابات 2010 العامة، أما الواقعة الأحدث فكانت عام 2016 بعد استفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي فيما عرف بـ(انقلاب الدجاج)، حين تحدى أوين سميث الزعيم جيرمي كوربين، لكن الأخير نجا من التحدي وحصد نحو 62 في المئة من أصوات الأعضاء والنقابيين والمؤيدين مقابل 38 في المئة لسميث، وقاد الحزب إلى انتخابات 2017.
لماذا نجحوا الآن؟
اجتمعت هذه المرة عوامل لم تتوافر في أي من المحاولات السابقة، أولها أن التمرد لم يكن صراعاً أيديولوجياً بين جناحين كما في 1960 و1988 و2016، بل إجماعاً شبه كامل عابراً للتيارات على أن البقاء مع ستارمر يعني الفناء الانتخابي، وقد وفرت نتائج انتخابات مايو الكارثية دليلاً رقمياً لا يقبل الجدل.
العامل الثاني هو وجود بديل جاهز يحظى بشعبية تتجاوز حدود الحزب، على النقيض من محاولة 2016 التي انهارت لغياب مرشح مقنع. والعامل الثالث هو أن قواعد اللعبة الداخلية انقلبت، فبعدما كانت أنظمة التصويت الموسعة تحمي الزعماء المدعومين من القواعد الحزبية كما حمت كوربين، جاء الحسم هذه المرة من البرلمانيين أنفسهم، إذ جرى ترشيح بيرنهام من نحو 80 في المئة من مجموع نواب العمال ليصبح المرشح الوحيد المطروح لزعامة الحزب، أي إن النواب أغلقوا السباق قبل أن يبدأ.
رابع العوامل هو انهيار جبهة الدفاع عن ستارمر من الداخل، فبعدما اصطف كبار الوزراء ومنهم نائب رئيس الوزراء ديفيد لامي ووزيرة الخزانة رايتشل ريفز خلف ستارمر في فبراير (شباط) الماضي، مؤكدين تفويضه وداعين وحدة الصف، تبخر هذا الدعم بعد مايو، حتى إن ستارمر الذي خاطب كتلته البرلمانية متحدياً بأنه انتصر في كل معركة خاضها ورافضاً الانسحاب، وجد نفسه وحيداً بعد "مايكرفيلد".
ثمة أيضاً عامل آخر يتعلق بانسحاب المنافسين المحتملين تباعاً، إذ أيد وزير الصحة ويس ستريتينغ ترشح بيرنهام فور إعلانه، وهي خطوة رأى محللون أنها تجعل التتويج أرجح من المنافسة الفعلية باعتبار ستريتينغ الخصم الأوفر حظاً، ثم حسم الطريق نهائياً حين أعلن وزير الدفاع المبتدئ السابق آل كارنز أنه لن يترشح ضد بيرنهام لأن "البلاد لا تحتاج إلى أشهر من السياسات الحزبية الداخلية".
![]()
انهيار دفاعات ستارمر الداخلية ساهمت في خروجه من السلطة (غيتي)
شخصية الرجل
لماذا بيرنهام تحديداً، والإجابة في مزيج من الخبرة والشعبية والموقع السياسي، فالرجل ليس طارئاً على المشهد، إذ شغل مناصب وزارية عدة في عهدي بلير وبراون بينها وزارة الثقافة التي أطلق خلالها لجنة التحقيق المستقلة في كارثة "هيلزبره"، وهي حادثة تدافع في ملعب بمدينة "شيفيلد" عام 1989 راح ضحيتها 97 من مشجعي نادي ليفربول، وقد شكل نضال بيرنهام الطويل لإنصاف عائلات الضحايا مصدراً أساساً لرصيده الأخلاقي والشعبي.
بعد الثقافة تولى بيرنهام وزارة الصحة، كذلك خاض السباق على زعامة الحزب مرتين عامي 2010 و2015، فحل رابعاً في الأولى ثم ثانياً في الثانية، وبعد خروجه من وستمنستر بنى في مانشستر قاعدة شعبية وسياسية موازية أكسبته لقب (ملك الشمال)، وبرز اسمه بعد إعادة انتخابه الساحقة عمدة عام 2021 بوصفه المرشح المفضل لدى وكالات المراهنات لخلافة زعيم العمال، وصنفته مجلة (نيو ستيتسمان) عام 2023 صوتاً معارضاً محورياً داخل الحزب وزعيماً مستقبلياً محتملاً.
الأهم أن بيرنهام قدم للنواب المذعورين من زحف حزب (ريفورم) ما عجز عنه ستارمر: إثباتاً عملياً بأنه قادر على هزيمة الشعبويين في الصناديق، فقد تراجع أداء (ريفورم) في "مايكرفيلد" كثيراً مقارنة بنتائجه في الانتخابات المحلية، وسارع ستارمر نفسه إلى تهنئته معتبراً أن النتيجة تظهر انحسار مد الحزب اليميني.
يضاف إلى ذلك موقع بيرنهام الأيديولوجي المريح لغالبية الكتلة البرلمانية، فهو يصنف على يسار ستارمر داخل الحزب، لكنه تعهد بإنعاش الاقتصاد المتباطئ من دون تجاوز خطط الإنفاق والاقتراض الحالية، وهو تعهد ساعد في طمأنة الأسواق التي ما زالت تحمل ندوب تجربة ليز تراس عام 2022.
ويحمل بيرنهام مشروعاً جاهزاً للحكم، إذ يروج لما بات يعرف بـ(المانشسترية)، وهي مقاربة اشتراكية "صديقة للأعمال" تقوم على تسخير الاستثمار الخاص للمشاريع الكبرى، وفي سبيل هذا يريد منح صلاحيات أكبر للمجالس المحلية في ملفات الإسكان والمرافق والنقل والتعليم، حتى إنه يريد نقل جزء من عمليات رئاسة الوزراء إلى الشمال بعيداً من داونينغ ستريت.
على أن التتويج السهل لا يعني حكماً سهلاً، فبيرنهام سيكون سابع رئيس وزراء لبريطانيا خلال عقد واحد، ويرث اقتصاداً متعثراً، وحزباً منهكاً، وخصماً شعبوياً لم يهزم بعد إلا في معركة واحدة هو نايجل فاراج. المتخصص في مجال السياسة في جامعة "شيفيلد" ماثيو فليندرز، وصف التحدي بقوله إن بيرنهام يحتفى به اليوم بوصفه بطلاً شعبياً سينقذ السياسة البريطانية، لكن السؤال الكبير يدور حول قدرته على الصمود حين تنقلب الرياح ضده، فالنواب الذين صنعوا السابقة الأولى في تاريخ حزبهم بإسقاط زعيم على رأس عمله، أثبتوا أنهم قادرون على تكرارها إن خذلهم الزعيم الجديد.
المصدر الأصلي: اندبندنت عربية
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.