ملخص

لم تعد المستوطنات والبؤر المعزولة مجرد ثكنات سكنية تقتصر على استيعاب غلاة المستوطنين، بل تحولت تدريجاً إلى قطاع استثماري ترفيهي جاذب يعج بالفنادق الريفية، وخانات الضيافة الفاخرة، ومزارع إنتاج النبيذ والأجبان العضوية. ويكشف المخطط الحكومي الأحدث الممتد حتى عام 2030، عن تقاطع في ميزانيات الفنادق مع خطط الإجهاز العسكري على ما تبقى من الجغرافيا الفلسطينية.

في المشهد التقليدي للضفة الغربية، غالباً ما تتجه الأنظار نحو الأدوات الخشنة للجيش الإسرائيلي، والمتمثلة في التمدد العمراني للمستوطنات، وشق الطرق الالتفافية العسكرية، وعمليات المصادرة المباشرة للأراضي. بيد أن هناك ذراعاً استراتيجياً آخر ينمو بشكل متسارع وذكي تحت غطاء الاستثمار والرفاه، وهو ما يُجمع مراقبون على تسميته بـ "الاستيطان السياحي والترفيهي".

فهذا النمط الحديث من الاستيطان الناعم، الذي يتجسد في إقامة الفنادق والمنتجعات وخانات الضيافة الريفية في الضفة، لا يمثل مجرد نشاط اقتصادي هامشي أو استثمار عابر للقطاع الخاص، بل هو أداة جيوسياسية ممنهجة ومحكومة برؤية رسمية إسرائيلية تسعى إلى إحداث تغيير جذري في الهوية البصرية والتاريخية للمنطقة.

ولا تكمن خطورة هذا المسار في قدرته على تبييض المنظومة الاستيطانية وعزل السائحين والوفود الأجنبية عن الواقع السياسي والعسكري المحيط بهم وحسب، بل بتحويل الضفة الغربية في الوعي الجمعي من أراضٍ خاضعة للنزاع إلى امتداد ريفي وطبيعي آمن لدولة اسرائيل، مؤهل لاستيعاب إقامة سياحية طويلة الأمد وليس مجرد زيارات خاطفة، فلم تعد المستوطنات والبؤر المعزولة مجرد ثكنات سكنية تقتصر على استيعاب غلاة المستوطنين، بل تحولت تدريجاً إلى قطاع استثماري ترفيهي جاذب يعج بالفنادق الريفية، وخانات الضيافة الفاخرة، ومزارع إنتاج النبيذ والأجبان العضوية. ويكشف المخطط الحكومي الأحدث الممتد حتى عام 2030، عن تقاطع في ميزانيات الفنادق مع خطط الإجهاز العسكري على ما تبقى من الجغرافيا الفلسطينية.

الضفة 2.PNG

6.6  مليون دولار من ميزانية التنمية للسياحة الاسرائيلية سُتصرف كمنح مباشرة ومحفزات لبناء الفنادق الجديدة (اندبندنت عربية)

ووفقاً لتقرير صادر قبل أيام عن حركتي "السلام الآن" و"كرم نابوت" الإسرائيليتين، فإن  حكومة بنيامين نتنياهو تسرع بتنفيذ مخطط ضم الضفة الغربية بشكل فعلي، من خلال تغيير بنيوية جهاز السيطرة وتوسيع الاستيطان وطرد تجمعات سكانية فلسطينية وتعميق النفوذ الإسرائيلي في المناطق "أ"، التي تخضع لسيطرة أمنية وإدارية فلسطينية، والمناطق "ب" التي تخضع لسيطرة إدارية فلسطينية، وفقاً لاتفاقيات أوسلو.

وبينت التقارير أنه خلال السنوات الثلاث الممتدة بين 2023 و2025 أقامت الحكومة الإسرائيلية 185 بؤرة استيطانية عشوائية، وطردت سكان 118 تجمعاً فلسطينياً، وأقامت أو شرعنت 102 مستوطنة جديدة، بينها 50 بؤرة استيطانية عشوائية، وصادقت على بناء 40,064 وحدة سكنية، ووضعت تحت سيطرة البؤر الاستيطانية مليوناً و70 مليون متر مربع، تشكل حوالي 18 في المئة من مساحة الضفة، وشقت شوارع جديدة طولها 223 كيلومتراً، واستولت على 11,520 مليون متر مربع زراعي، وصادرت 59,959 مليون متر مربع وأعلنت أنها "أراضي دولة".

هندسة التمويل

في تحول هو الأحدث والأكثر مأسسة، كشفت وسائل الإعلام الاسرائيلية، وعلى رأسها إذاعة الجيش وصحيفة "يديعوت أحرونوت"، عن مصادقة الحكومة الاسرائيلية على خطة استراتيجية جديدة تهدف إلى ضخ 27 مليون شيكل (تسعة ملايين دولار) لدعم وتسريع قطاع الفنادق الاستيطانية في الضفة الغربية، ولا تكمن الخطورة الحقيقية في هذه الخطة بالجانب المالي المحض، بل في فلسفتها البيروقراطية التي تفكك العقد التخطيطية، إذ اعترفت المذكرة التفسيرية للقرار بأن أبرز عائق أمام توسع الاستثمار السياحي هناك هو النقص الحاد في المخزون التخطيطي الجاهز والمرخص لإقامة منشآت إيواء فندقي، وبناءً على ذلك، تم تقسيم هذه الميزانية الحكومية عبر مسارين استراتيجيين ممتدين من عام 2026 وحتى 2030، لتبدأ بتحويل سبعة ملايين شيكل (2.3 مليون دولار) للتخطيط المسبق والتفتيش، حيث تُخصص كجزء من الميزانية الجارية لوزارة السياحة الإسرائيلية لتمويل عمليات مسح شامل للأراضي، وإعداد المخططات الهيكلية والتنظيمية الجاهزة،

اقرأ المزيد

ويعفي هذا الإجراء المستثمر المستوطن من خوض المعارك القانونية الطويلة لاستصدار تراخيص البناء، إذ توفر له الوزارة الأرض مرخصة وجاهزة للتنفيذ فوراً، في حين سُتصرف 20 مليون شيكل (6.6 مليون دولار) من ميزانية التنمية المخصصة لوزارة السياحة الاسرائيلية كمنح مالية مباشرة ومحفزات مادية لدعم عمليات بناء الفنادق الجديدة، أو تحويل المباني القائمة وتوسعة مرافق الإيواء السياحي وخزانات الضيافة في المستوطنات. وهذه الميزانية الجديدة لا تعمل منفردة، بل جاءت لتشكل حلقة مكملة لقرار حكومي سابق صدر في مايو (أيار) الماضي، وأُقرت بموجبه خطة موازية لتطوير البنية التحتية السياحية العامة في الضفة الغربية من شوارع وإنارة، وشبكات مياه مخصصة للمواقع السياحية بميزانية بلغت 50 مليون شيكل (16.6 مليون دولار).

فجوة الاستثمار

تعكس تصريحات وزير السياحة في الحكومة الاسرائيلية حاييم كاتس، البعد السياسي العميق وراء اندفاع الحكومة نحو هذه الخطة، إذ صرح علناً بأنها "ستتيح استغلال الإمكانات السياحية الاستيطانية الهائلة الكامنة في الضفة الغربية". ولأول مرة، تتبنى الحكومة مساراً متكاملاً يربط التخطيط بالبنية التحتية بالدعم المالي المباشر لزيادة عدد الغرف الفندقية، بهدف تعزيز الاقتصاد المحلي وجذب السياحة الوافدة.

وجاء هذا التحرك الحكومي غير المسبوق ليرد على بيانات وأرقام رسمية قُدمت لمجلس الوزراء الإسرائيلي، والتي أظهرت تفوقاً شاسعاً للاستثمارات السياحية داخل إسرائيل مقارنة بالضفة الغربية، إذ كشفت الأرقام أنه خلال العقد الأخير تم استثمار نحو 115 مليون شيكل (38.3 مليون دولار) فقط في قطاع الفنادق والاستجمام داخل مستوطنات الضفة الغربية. وفي المقابل، تم استثمار ما يقارب ملياري شيكل (666.6 مليون دولار) في القطاع الفندقي الداخلي خلف الخط الأخضر. 

هذه المقارنة دفعت وزراء في الحكومة الاسرائيلية ومجالس المستوطنات إلى اعتبار ذلك التفاوت "فجوة استثمارية كبيرة وعائقاً جغرافياً" يجب ردمه فوراً عبر تسييل أموال دافعي الضرائب وتحويل الضفة إلى ريف سياحي ممتد تابعٍ اقتصادياً وإدارياً لعمق إسرائيل.

شبكة واسعة

وعلى رغم لجوء المستوطنين لبناء نماذج ضيافة ريفية مبعثرة تُعرف بالـ "Zimmers" أو الأكواخ الخشبية بدلاً من الفنادق الكلاسيكية الضخمة تجنباً للملاحقات الحقوقية الدولية، فإن الأرقام المتوفرة لدى مراكز الرصد ومؤسسات حقوق الإنسان (منظمة "هيومن رايتس ووتش" ومنظمة "بتسيلم") تكشف عن شبكة أخطبوطية مرعبة، إذ يُقدر إجمالي المنشآت السياحية الاستيطانية، ومناطق التخييم الفاخر (Glamping)، وخانات الضيافة (Guesthouses) المتناثرة في أراضي الضفة الغربية والأغوار بما بين 200 و300 منشأة ووحدة إيواء سياحي.

الضفة 3.PNG

خلال العقد الأخير تم استثمار 38.3 مليون دولار فقط في قطاع الفنادق والاستجمام داخل المستوطنات (اندبندنت عربية)

وفي منطقة وسط الضفة والأغوار تأخذ السياحة شكلاً ضخماً، إذ يبرز "منتجع وفندق بيانكيني" القائم شمال البحر الميت على أراضٍ فلسطينية، والذي يحتوي على شاليهات وفنادق ومطاعم مصممة على الطراز المغربي، بجانب "فندق كاليا كيبوتس" الاستيطاني الذي يضم مسابح ومرافق ترفيهية كاملة مستولية على الموارد المائية للمنطقة. أما في شمال الضفة (نابلس ورام الله وسلفيت) فتبرز خانات الضيافة في موقع "شيلو القديمة" شمال رام الله، والتي تستهدف جذب مجموعات دينية مسيحية صهيونية، بالإضافة إلى وحدات ضيافة مستوطنة "هار بركا" المطلة على نابلس، وبؤرة "جفعات عولام" التي تحولت إلى منتجع بيئي لإنتاج الأجبان العضوية. في حين ينشط مستوطنو جنوب الضفة (بيت لحم والخليل) في الاستثمار بالـ "Zimmers" الجبلية والصحراوية، مثل أكواخ مستوطنة "تكواع" شرق بيت لحم، وخانات الضيافة التابعة للمدرسة الحقلية في مستوطنة "كفار عتصيون"، فضلاً عن المرافق السياحية المستحدثة في موقع "سوسيا" الأثري بمسافر يطا جنوب الخليل.

تهويد البيئة

والبنية التحتية الفندقية لا تنمو بمعزل عن السيطرة الميدانية على الثروات الطبيعية، فالخطة السياحية تسير يداً بيد مع مصادرة عيون الماء والكهوف التاريخية لإخراج الفلسطينيين من مشهدهم الحضاري. وتتجلى هذه السياسة حالياً في مشروعين رئيسين: أولهما يبدأ بتهويد منطقة "عين فصايل" الطبيعية في الأغوار، حيث خصصت الحكومة الإسرائيلية أخيراً ثلاثة ملايين شيكل (مليون دولار) بشكل رسمي ومباشر لتهويد المنطقة وتحويلها إلى محمية وموقع سياحي مخصص للمستوطنين، مع منع المزارعين ورعاة الأغنام الفلسطينيين من الاقتراب منها أو سقاية مواشيهم. فيما يتمحور الثاني حول التخطيط لإقامة مشروع استيطاني ترفيهي ضخم تحت اسم منتزه "كهف اليوبيل" في محيط مستوطنة "عوفرا" المقامة على أراضي قرى شمال شرق رام الله. ويهدف المشروع للسيطرة على الكهوف والأحواض الطبيعية في تلك الجبال وتحويلها إلى حدائق عامة تضمن عدم التمدد العمراني الفلسطيني.

وتأتي هذه التطورات بالتزامن مع مخطط أوسع كشفت عنه الطواقم الحقوقية، يقضي بنقل صلاحيات إدارة وتنظيم 142 موقعاً أثرياً وتاريخياً في محافظة الخليل وحدها إلى هيئات استيطانية عامة وخاصة لشرعنة الاستثمار الفندقي حولها. وأكد مدير مديرية السياحة والآثار في محافظة الخليل جبر الرجوب، أن مجموعات استيطانية تضغط منذ سنوات لإقرار مشروع نقل الصلاحيات، بهدف تسريع تنفيذ مخططات التهويد والاستيلاء على المواقع الأثرية، وتكريس السيطرة الاستعمارية عليها من خلال المؤسسات والهيئات الاستيطانية."

خداع رقمي

لتمرير هذا التغول الاستعماري عالمياً، يعتمد قطاع السياحة الاستيطاني على أساليب تضليل تكنولوجي ذكي يعزل السائح تماماً عن البيئة السياسية المحيطة به بالخداع عبر منصات الحجز، ولسنوات طويلة يتم إدراج هذه الفنادق والغرف الريفية على منصات الحجز العالمية الشهيرة مثل Booking.com  وAirbnb مع تصنيف موقعها الجغرافي تحت وسم "دولة إسرائيل"، متجاهلين تماماً الخط الأخضر أو الهوية الفلسطينية للأرض، مما يوقع السياح الأجانب، وفق محللين، في فخ مضلل ويدفعهم لتمويل الاستيطان من دون وعي.

الضفة 4.PNG

يلجأ المستوطنون لبناء نماذج ضيافة ريفية مبعثرة بدلاً من الفنادق الكلاسيكية الضخمة تجنباً للملاحقات الدولية (اندبندنت عربية)​​​​​​​

وعلى أرض الواقع، بمجرد ترخيص فندق أو إقامة بؤرة رعوية سياحية، يتدخل الجيش الإسرائيلي مباشرة لفرض طوقٍ أمني مشدد حول المنشأة بحجة "تأمين حماية السياح والمستجمين". هذا الطوق الأمني يترجم عملياً إلى تسييج آلاف الدونمات الزراعية والرعوية المحيطة، وإعلان الينابيع مناطق مغلقة، مما يؤدي لحرمان المزارع الفلسطيني من مصدر رزقه ودفعه قسراً نحو الهجرة الصامتة.

خطة الـ100 بؤرة

المستوى الأكثر خطورة وفجاجة في هذه المخططات ما تم الكشف عنه من خلال اللقاء الذي جمع رئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتنياهو مع قادة منتدى المستوطنين المعروف باسم "هبايتا" (البيت)، وناقش الاجتماع خطة ميدانية وعسكرية بالغة الخطر وضعها المنتدى تحت مسمى "خطة يوم الحسم". وتتلخص معالمها في إنشاء 100 بؤرة استيطانية جديدة دفعة واحدة، عبر اختراق الخطوط الحمراء السياسية، وتركيز إقامة هذه البؤر داخل المناطق المصنفة (أ)، وهي المناطق التي يُفترض حسب الاتفاقيات الموقع عليها أنها تحت السيطرة المدنية والأمنية الفلسطينية الكاملة. وزعم ممثل المنتدى يهوشع شيرمان، خلال لقائه نتنياهو، أن الخطة لا تستدعي تهجير التجمعات السكانية الفلسطينية لأنها ستقام في "المناطق المفتوحة"، مطالباً الحكومة بتبنيها كسياسة رسمية.

ونقلت صحيفة "يسرائيل هيوم" في تقريرها حول هذه المبادرة، أن واضعي الخطة من جنرالات وقادة اليمين ينظرون إليها كـ"ضرورة أمنية استراتيجية" تفوق البعد الأيديولوجي، إذ إن زرع 100 بؤرة في عمق مناطق "أ" سيحكم السيطرة العسكرية الإسرائيلية على كامل الجبال وعقد المواصلات بالضفة الغربية. ويمثل هذا التوجه قفزة نوعية لتيار اليمين الانتقالي الذي لم يعد يكتفي بالحديث عن فرض السيادة على مناطق "ج" (التي تشكل 60 في المئة من الضفة)، بل بات يطرح علناً خططاً تهدف إلى الإلغاء التام والنهائي لاتفاقية أوسلو (1993) وإعادة رسم الواقع السياسي والجغرافي بما يضمن تفتيت وشرذمة أية جغرافيا ديمغرافية فلسطينية متصلة.

ويرى محللون أن تلاحم الميزانيات السياحية الحكومية مع الهجمة الميدانية لتهويد عيون الماء والآثار، وصولاً إلى الخطط السياسية الأكثر عنفاً مثل خطة "يوم الحسم" لبناء 100 بؤرة في مناطق "أ"، يثبت أن الفنادق الاستيطانية الإسرائيلية ليست مجرد منشآت للترفيه أو التنشيط الاقتصادي الريفي، بل هي أداة حسم جيوسياسية وديمغرافية بالغة الخطر، فهي سلاح ناعم ومدر للأرباح تسعى الحكومة الإسرائيلية من خلاله إلى تثبيت أقدام المستوطنين، وتبييض صورة الاستيطان أمام المجتمع الدولي، وتحويل الجريمة الدولية إلى "منتجع سياحي جاذب واستثماري" على حساب حقوق وأراضي الفلسطينيين.