باكستان تتحسس خطاها بين ملفي الإرهاب وحرب إيران
ملخص
الأجواء في أروقة السياسة الباكستانية قلقة من تصاعد الصراع مرة أخرى بين واشنطن وطهران، خصوصاً أن الأشهر الأخيرة دربت الوسطاء على التذبذبات المستمرة، ولا يزال الاعتقاد السائد هناك أن الوسطاء سينجحون مرة أخرى في إعادة الفريقين لطاولة الحوار واستئناف المفاوضات.
أعادت إسلام آباد فتح قنوات الاتصال الخاص بها مع واشنطن وطهران بعد عودة التصعيد بين الجانبين مرة أخرى خلال الأيام الماضية في سبيل إنقاذ مذكرة التفاهم التي تحمل اسمها وعودة الطرفين إلى طاولة المفاوضات.
وخلال الأيام الأخيرة وبينما كانت الأنظار متجهة نحو مسار تشييع المرشد الإيراني السابق علي خامنئي وتتفقد من حضر من عائلته ورفاقه وأتباعه في الحكومات المتتالية كمحاولة لفهم طبيعة وشكل النظام الجديد والأدوار التي ستلعبها الوجوه القديمة، اشتعل مضيق هرمز مجدداً حيث استهدفت ناقلات بحرية حاولت عبور المضيق إحداها تابعة لدولة قطر الوسيطة، مما أرسل رسالة إلى واشنطن بأن إيران لا تريد الالتزام بالهدنة ولا تكترث كثيراً لجهود الوساطة، ليأتي الرد الأميركي سريعاً بقصف مواقع عسكرية إيرانية لترد طهران بدورها من خلال استهداف الدول الخليجية.
الخروقات وتبادل الاتهامات بين طهران وواشنطن ليست جديدة، لكن التصعيد الأخير بدا وكأنه سينسف جهود التهدئة وينهي مذكرة التفاهم بين البلدين، لا سيما وأن الرئيس الأميركي دونالد ترمب عبر عن استيائه من عملية المفاوضات ومن الإيرانيين واصفاً إياهم بـ"المرضى".
هذه التطورات بطبيعة الحال أزعجت باكستان التي تتولى الوساطة بين الجانبين منذ أبريل (نيسان) الماضي، واستضافت أول لقاء معلن ومباشر رفيع المستوى بين الولايات المتحدة وإيران منذ عام 1979. الخارجية الباكستانية دعت الجانبين إلى ضبط النفس وتسوية الخلافات بالحوار عقب التصعيد الأخير، لكن هذا البيان لم يكن سوى عنوان لجهود تحدث خلف الستار، إذ تؤكد المصادر المقربة من القنوات الدبلوماسية والعسكرية أن قائد الجيش الباكستاني عاصم منير أجرى اتصالاً بوزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي وبحث معه التطورات الأخيرة.
واستمراراً للنهج الباكستاني في التكتم خلال عملية المفاوضات، لم تكشف المصادر كثيراً عن فحوى الاتصال بين منير وعراقجي إلا أنه يأتي في سياق الجهود الباكستانية لنزع فتيل الأزمة. ومن المرجح أن قائد الجيش الباكستاني، الذي يتولى عملية المفاوضات، قد أجرى اتصالات بالمسؤولين الأميركيين أيضاً، لكن مثل هذه الاتصالات لم يجر الإفصاح عنها لوسائل الإعلام، إذ لم تتحدث أي وسيلة إعلامية خلال الأشهر الأخيرة عن أي اتصالات بين عاصم منير ونائب الرئيس الأميركي جي دي فانس لكن الأخير كشف خلال لقائهما الأخير أن منير ربما كان شخصية تحدثت معها في الفترة الأخيرة.
وعلى أية حال، فالأجواء في أروقة السياسة الباكستانية قلقة من تصاعد الصراع مرة أخرى بين واشنطن وطهران، خصوصاً أن الأشهر الأخيرة دربت الوسطاء على التذبذبات المستمرة، ولا يزال الاعتقاد السائد هناك أن الوسطاء سينجحون مرة أخرى في إعادة الفريقين لطاولة الحوار واستئناف المفاوضات.
شكوى مبطنة
وعلى الرغم من هذه الإيجابية في التعاطي مع التطورات الحساسة في إسلام آباد، هناك ما يثير امتعاض المسؤولين الباكستانيين وهو الشعور بأن الوسطاء أكثر رغبة في التهدئة من الأطراف المتحاربة نفسها، وكأنهم لا يدركون تكلفة استمرار الصراع.
تدرك إسلام آباد أن ثمن الحرب سيكون باهظاً على الشعب الإيراني أولاً ثم على شعوب المنطقة ثانياً وعلى الاقتصاد العالمي أيضاً، إلى جانب الأخطار المتعلقة بالأمن القومي في باكستان حيث يقطن أكبر تعداد للشيعة بعد إيران. لكن القراءة الإيرانية للمشهد وتبعات الحرب تبدو مختلفة تماماً، إذ يجازف الإيرانيون مرة بعد أخرى بعودة الحرب في سبيل إظهار قابلية الصمود أمام الهجمات وقابلية الرد المؤثر عليها لدى النظام في طهران.
اقرأ المزيد- كفة باكستان في ميزان الوساطة بين أميركا وإيران
- هل نضجت ظروف الوساطة بين إسرائيل وإيران؟
- إسلام آباد تراهن على الحياد في صراع الكبار
- الممر التجاري الباكستاني لإيران... هل يعرض إسلام آباد للعقوبات؟
ويعد تسييس مضيق هرمز تسلسلاً لهذا النهج الإيراني إذ لا تريد طهران بأي حال التخلي عن الورقة الأكثر تأثيراً في يدها والتي أظهرت كفاءتها خلال الحرب أكثر من مصادر القوة التقليدية لدى إيران مثل الأذرع الإيرانية ومخزون الصواريخ وغيرها، لذا تريد طهران استغلال هذه الورقة كاملة وإثبات أنها هي من تمتلك المضيق حتى لو جاء ذلك مقابل عودة القصف والحرب.
الإرهاب يشغل باكستان
وبعيداً من التحديات التي تواجهها باكستان في عملية المفاوضات، هناك عقبات تشغلها عن العملية أيضاً تتعلق بالحال الأمنية في باكستان، إذ كان الأسبوع الأخير من أكثر الأسابيع دموية خلال الفترة الأخيرة حيث تعرضت عدة مدن في إقليم بلوشستان لهجمات إرهابية.
وأعلن المتحدث الرسمي باسم الجيش الباكستاني اللواء أحمد شريف أن العمليات لا تزال مستمرة في أجزاء من الإقليم، فيما تشير التقارير إلى حجب الإنترنت في عدة مناطق، كما زار رئيس الوزراء شهباز شريف وقائد الجيش مدينة كويتا، مركز الحكم في بلوشستان، حيث بحث سبل التصدي للعمليات الإرهابية المستمرة في الإقليم.
وبحسب بيان الجيش الباكستاني، فإن ما لا يقل عن 42 مدنياً وفرداً من القوات الأمنية لقوا حتفهم خلال الأسبوع الأخير في حوادث منفصلة في بلوشستان. وفي إحدى هذه الهجمات، خطف المتمردون نحو 20 شخصاً من شرطة بلوشستان بعد الاستيلاء على مركزهم، وأخذهم إلى مناطق مجهولة قبل أن يجري تصفيتهم جميعاً.
ويمثل بلوشستان تحدياً أمنياً جاداً للسلطات الباكستانية التي فشلت في احتواء السكان رغم استخدام القوة المفرطة والتكتم الإعلامي الكامل والاستحواذ على العملية السياسية، لتتحول مطالبات الحقوق هناك إلى وحش انفصالي مسلح يصعب السيطرة عليها.
ومع انشغال المسؤولين العسكريين الباكستانيين في ملف بلوشستان، عاد ملف المفاوضات الأميركية - الإيرانية (الذي تتولاه أيضاً القيادة العسكرية) إلى الوراء في الوقت الحالي، فالوسطاء مشغولون في استعادة الأمن الداخلي عن محاولات استعادة الاستقرار العالمي.
المصدر الأصلي: اندبندنت عربية
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.