صيف العطش والغضب يلفح التونسيين
ملخص
في أحدث بلاغاتها، وسعت الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه نطاق الأزمة المائية لتشمل معظم أنحاء البلاد، حيث سجلت اضطرابات وانقطاعات في عدة ولايات بينها أريانة وبن عروس، إضافة إلى معتمديات بير مشارقة وجبل الوسط في زغوان، وامتدت الاضطرابات إلى سوسة والمنستير والمهدية ونابل والقيروان ومناطق جنوبية أخرى.
وتأتي هذه الانقطاعات في خضم موجة حر قياسية ترفع الطلب على المياه وتضغط على شبكة التوزيع.
في ظل موجة الحر الشديد التي تشهدها تونس، مع تسجيل درجات حرارة تلامس 47 درجة مئوية، تعيش مناطق عدة في البلاد على وقع أزمة خانقة في التزود بالمياه، مما دفع المواطنين إلى الاحتجاج في عدد من الجهات إلى حد غلق الطرقات تعبيراً عن غضبهم.
وتؤكد بلاغات الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه اتساع رقعة الأزمة في غالب مناطق الجمهورية، إذ أعلنت الشركة اضطرابات وانقطاعات في المياه بمحافظات أريانة وبن عروس ومعتمديات بير مشارقة وجبل الوسط التابعة لمحافظة زغوان، إضافة إلى اضطرابات موازية في التوزيع تشمل محافظات سوسة والمنستير والمهدية ونابل والقيروان وأيضاً جهات أخرى في الجنوب لتشمل الانقطاعات غالب مناطق الجمهورية.
مسلسل التهميش
وسجل المرصد التونسي للمياه ارتفاعاً ملحوظاً في البلاغات المتعلقة بخدمات مياه الشرب خلال يونيو 2026، حيث بلغت 423 بلاغاً، تزامناً مع بداية الصيف وارتفاع الطلب. وشملت أغلب البلاغات انقطاعات غير معلنة واضطرابات في التوزيع، إضافة إلى احتجاجات وتسربات وشكاوى حول جودة المياه.
وتصدرت محافظة سوسة قائمة الولايات الأكثر تسجيلاً للتبليغات، تلتها جندوبة ثم بن عروس. وأرجع المرصد هذا الارتفاع إلى موجة الحرارة والضغط المتزايد على منظومة التزويد، مؤكداً استمرار التحديات المرتبطة باهتراء شبكات توزيع المياه وصيانتها.
اقرأ المزيد- مخاوف في تونس من عودة سيناريو 2013 العنيف
- رسالة تطالب بتنحي عبير موسى المسجونة تهز حزبها في تونس
- العزوف الانتخابي يتربص بالاستحقاقات السياسية في تونس
- اللعب تحت راية أخرى... تونس وهروب الأبطال
واعتبر المرصد التونسي للمياه إن "هذا الانقطاع المطول لا يمكن اعتباره حادثة عرضية أو ظرفية، بل حلقة جديدة من مسلسل التهميش وسوء إدارة المرفق العمومي للمياه، بخاصة في مدن الحوض المنجمي التي تعيش منذ سنوات على وقع اضطرابات متكررة في التزود بالماء الصالح للشرب".
ويشدد المرصد على أن ضمان استمرارية توفير المياه الصالحة للشرب هي مسؤولية مباشرة للحكومة، ولا ينبغي أن يظل المواطنون ضحايا الأعطال المتكررة أو غياب الحلول الجذرية، خاصة خلال موجات الحر الشديد.
ودعا إلى التدخل العاجل لإعادة التزود المنتظم بالمياه في بعض المناطق من دون تأخير، مطالباً بالكشف عن الأسباب الحقيقية للأزمة للرأي العام، ونشر خطة واضحة وآجال محددة لمعالجة الإشكال بصورة نهائية.
وجدد المرصد دعوته إلى اعتماد سياسات مائية عادلة تضمن أولوية الحق في الماء للسكان، بخاصة في المناطق التي تتحمل أعباء الاستغلال المنجمي منذ عقود على غرار مدينة المتلوي التي تعيش انقطاع للمياه منذ أيام.
سياسة وطنية عادلة
في السياق، دان قسم العدالة البيئية والمناخية بالمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية ما اعتبره صمتاً وتقاعساً في التعامل مع أزمة العطش التي تتكرر سنوياً من دون حلول جذرية، مطالباً بالتدخل الفوري والعاجل لضمان التزويد المنتظم بالماء الصالح للشرب، ومؤكداً أن "استمرار هذا الوضع هو تهديد حقيقي للسلم الاجتماعي".
وعبر المنتدى عن تضامنه مع أهالي المناطق المتضررة في كل المحافظات، ومساندته لتحركاتهم "السلمية والمشروعة دفاعاً عن حقهم في الحياة والكرامة"، داعياً إلى وضع سياسة وطنية عادلة ومستدامة في إدارة الموارد المائية تقوم على الشفافية والمساءلة والعدالة بين الجهات، وتلزم الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه بالإعلان الفوري والشفاف للانقطاعات كافة، المبرمجة منها وغير المعلنة على السواء.
المفارقة أن هذا الضعف الفادح في التزويد يحدث على رغم أن نسبة امتلاء السدود على المستوى الوطني تبقى، بحسب مصالح وزارة الفلاحة، في حدود 60 في المئة، وهي نسبة وصفت رسمياً بـ"المطمئنة جداً". وفي هذا الصدد يرى المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية أن "هذا التناقض بين توفر الموارد من جهة وتواصل موجة العطش من جهة أخرى يفضح حقيقة الأزمة، فهي ليست شحاً في الموارد الطبيعية فحسب، بل أزمة تصرف وتسيير وشبكات متهالكة تعجز عن مجاراة ذروة الاستهلاك الصيفي وارتفاع معدلات التبخر، إلى جانب غياب استراتيجية استباقية عادلة توزع الموارد المتاحة بإنصاف بين الجهات".
وأضاف المنتدى أن "ما يحدث اليوم لم يعد مجرد أزمة ظرفية، بل مساس مباشر بالكرامة الإنسانية وانتهاك صارخ للحق في الماء والصحة، ودليل واضح على التهميش الممنهج وغياب العدالة الاجتماعية والبيئية. وهو كذلك نتيجة حتمية لسنوات من سوء التصرف، وغياب الإرادة السياسية، وفشل السياسات العمومية في ضمان أحد أبسط حقوق الإنسان".
الماء حقاً دستورياً
من جهة أخرى احتج عدد من النواب عن جهة الساحل التونسي على تواصل انقطاع مياه الشرب بعدد من المناطق تزامناً مع ذروة الموسم الصيفي والسياحي، معتبرين أن الواقع تجاوز ما أعلنته الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه في شأن برمجة الانقطاعات خلال الفترة الليلية فقط.
وقالت النائبة عن الإقليم الثالث سلوى لطيف، في تدوينة على صفحتها الرسمية، إن شركة المياه أعلنت برمجة انقطاع التزويد بالماء من منتصف الليل إلى الساعة الخامسة صباحاً، غير أن الواقع كان مختلفاً، مشيرة إلى تسجيل انقطاعات بداية من الساعة العاشرة ليلاً في بعض مناطق سوسة، ومنذ الخامسة مساء بمناطق أخرى.
من جهته، انتقد النائب معز يوسف توقيت الانقطاعات، مؤكداً أن المياه تنقطع في عدد من مناطق محافظة سوسة منذ الساعة الثانية بعد الظهر، خلافاً لما ورد في بلاغ الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه، معتبراً أن قطع المياه عن المواطنين "أمر غير مقبول"، ومشدداً على أن الماء "حق دستوري".
يذكر أن الرئيس قيس سعيد، أكد في تصريحات خلال يوليو (تموز) 2024، وأعاد تأكيد جانب منها في يونيو 2025، أن الانقطاعات المتكررة للمياه والكهرباء في عدد من المناطق "أمر غير طبيعي"، معتبراً أنها لا تفسر فقط بعوامل الجفاف أو اهتراء الشبكات.
واتهم سعيد، خلال زيارة ميدانية إلى عدد من السدود ولقاءات رسمية، جهات داخل الإدارة بالوقوف وراء انقطاعات المياه، متحدثاً عن وجود "غرفة عمليات" هدفها "تعطيش المواطن" وتأجيج الأوضاع الاجتماعية.
وفي اجتماع لمجلس الوزراء في يونيو 2025، جدد رئيس الجمهورية تأكيده أن بعض الانقطاعات تتم بصورة متعمدة، مشيراً إلى ضرورة تتبع المسؤولين عنها واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة في حقهم، لكن على رغم هذه التصريحات لم يتغير الواقع، وبقي انقطاع المياه سمة من سمات صيف تونس.
ويحذر المرصد من أن انقطاع المياه ليس مجرد حادث عابر، بل يعكس إهمالاً متواصلاً في إدارة المرفق العام. وتؤكد منظمات المجتمع المدني أن تكرار الأزمة كل صيف يهدد السلم الاجتماعي، داعية إلى وضع سياسات مائية عادلة تضمن الحق في الماء لجميع المناطق، خاصة تلك التي عانت لعقود من التلوث المنجمي.
المصدر الأصلي: اندبندنت عربية
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.