طرح الفيلسوف الأميركي وليم جيمس في محاضرة له سؤالاً وجيهاً، حيث قال: "الحرب تشحذ الطاقات وتنتزع من الإنسان في ميدان المعركة أفضل ما يمكن أن يعطيه، الصحبة والمؤازرة، والحميّة، وبذل النفس. أفلا يجدر بنا أن ننمي هذه الصفات دون المحاربة على جبهات القتال، وإشعال الحروب المدمرة؟ فنحارب الخمول والتسيب. وكان جوابه: يجب أن نخترع مكافئاً للحرب داخل مجتمعاتنا، أي معارك سلمية تستعين بالفضائل نفسها، وتحشد الطاقات بالقدر نفسه، دون أن نعيش الحرب وويلاتها.

الجندي في المعركة مثال يحتذى في التضحية، يتضح ذلك في نشاطه وحرصه على أداء الواجب، والسعي الجاد لتحقيق النصر، وفي اندفاعه لمساعد زميله وإنقاذه من الموت أو الوقوع في أسر العدو، ونرى ذلك جلياً في تضافر الجهود لحماية الطيار الذي يضطر للقفز من الطائرة في أرض العدو، جهد جماعي تتجلى فيه روح التضحية، تشترك فيه الطائرات المقاتلة، والطائرات العمودية، والقوات الخاصة في خطة محكمة وسريعة لإنقاذه قبل وصول العدو إليه وأسره. لكن هل نستطيع خلق تلك الروح في زمن السلم؟ هذا هو المطلوب، والسبيل إلى ذلك خلق معارك للبناء، والدخول في سباق مع الدول الأخرى لتحقيق المزيد من التقدم وامتلاك القوة، مدفوعين برؤية واضحة تصدر من القيادة العليا، وتحولها إلى خطط وبرامج وأهداف، تشارك كل القطاعات في إنجازها. رأينا بعد الحرب العالمية الثانية، كيف تخلت اليابان بعد هزيمتها عن العقيدة العسكرية التي تنشد التوسع وشن الحروب، وتحولت إلى دولة مدنية، وجهت طاقات الشعب الياباني الجاد للبناء. وفرضت عليها أميركا، الدولة المنتصرة في الحرب إصلاح النظام، وتحديد الصلاحيات، وتوزيعها بين السلطات الثلاث. والبدء بالتصنيع، مع التركيز على التصدير، وتطبيق الجودة الشاملة التي قادها الأميركي الدكتور ديمنغ والدكتور جوران، لتصبح المعركة مع الغرب اقتصادية تتمثل في غزو أسواقهم بالسلع الجيدة. ومثلها النمور الآسيوية، ومن أهمها سنغافورة وقائدها "لي كوان يو" الذي أثبت للعالم أن التقدم لا يعتمد على المصادر الطبيعية، أو المساحة، أو عدد السكان، بل بمدى تأثير القيادة، وعزمها وحزمها في توجيه شعبها نحو معارك البناء. وكان سلاحه لتحقيق التقدم الذي تعيشه سنغافورة حتى اليوم هو بناء الإنسان بالتعليم المتميز، وزرع قيم العمل وحب الوطن، ومكافحة الفساد، والاهتمام بالبيئة، والبحث عن قادة المستقبل وتدريبهم ورسم مسارات خاصة بهم، وتمكينهم. وجعل الشعب شريكاً، مع التركيز على رفع نسبة تملك السكن حتى يشعر المواطن بالمزيد من الانتماء، ومن أهم الأمثلة الناجحة في معارك البناء التحول الصيني بعد العام 1978 حين تخلت القيادة الصينية بقيادة الزعيم الصيني دنغ شياو بينغ، عن العقيدة الشيوعية، والانفتاح على العالم، وأطلق عباراته الملهمة، وبرامجه والتي أصبحت خارطة طريق للحكومات الصينية من بعده، ومنها محاربة الفقر، والتركيز على التنمية، القاعدة الصلبة التي حلت محل الأيديولوجيا الحزبية. وأطلق عبارة "الإصلاح هو الثورة الثابتة في الصين"، وأعلن أن العلم والتكنولوجيا هما أهم قوة إنتاجية، وركيزة أساسية للتنمية الاقتصادية، وعبارته الشهيرة: "لا يهم أكانت القطة سوداء أم بيضاء، المهم أن تصطاد الفئران"، وهذه العبارات تجسد الخطة التي تسير عليها الصين في التنمية حتى اليوم، كما كان العمل بصمت من أهم توصياته، مع كسب الحرب بالاستعداد لها دون خوضها، وهو ما نادى به المنظر الاستراتيجي والفيلسوف الصيني سن تزو قبل 2500 عام.

واليوم تعيش منطقة الشرق الأوسط تحولات جذرية تقودها السعودية بقيادتها التي تجمع بين الخبرة والقيادة الشابة الطموحة، متمثلة بوجود الرؤية 2030 التي غيرت ببرامجها ومستهدفاتها معظم الأنشطة الاقتصادية والسياسة والعسكرية، وحولت المجتمع إلى مجتمع بناء ومشاركة، حتى أصبحت المملكة مثالاً يحتذى للتقدم والرخاء. وها هي بعض الدول توجه بوصلتها نحو التنمية والاقتصاد، منها دول مجلس التعاون، والأردن وسوريا، وستتبع هذه المسيرة دول أخرى في القريب العاجل بإذن الله، لتتحول معارك الشرق الأوسط وحروبه إلى معارك للبناء والتعاون والإصلاح، مع التركيز على الاقتصاد والتنمية، وجعل كل مواطن عاملاً منتجاً، يتمتع بجودة الحياة، يخوض مع الحكومة معاركها ضد المخدرات ومسبباتها، وضد الفساد بأنواعه، ويسهم في محاربة الأمراض في مهدها. معارك البناء والاصلاح لا تنتهي طالما وجدت القيادة الواعية التي تخطط وتنفذ، والشعب المتعلم بمعنوياته العالية، ولنتذكر المثل الإنجليزي: "إذا وجدت الإرادة وجدت الطريقة".