بريطانيا.. عندما ينقلب المهاجر على أقرانه
ملخص
من شبانة محمود ابنة المهاجرين الباكستانيين التي جعلت اللجوء وضعاً موقتاً، إلى سويلا برافرمان المنحدرة من كينيا وموريشيوس، التي طالبت المستعمرات السابقة بالدفع لبريطانيا بدل تعويضها، مروراً ببريتي باتيل وساجد جاويد وكيمي بادينوك وريشي سوناك، تستخلص حقيقة مفادها بأن صعود أبناء المهاجرين إلى قمة السلطة في بريطانيا لم يترجم أحياناً إلى سياسات متعاطفة مع من يسلكون دروب الآباء.
تشهد الساحة السياسية البريطانية ظاهرة لافتة تثير جدلاً واسعاً: سياسيون ولدوا لآباء وأمهات مهاجرين، أو ينحدرون من عائلات وصلت إلى بريطانيا هرباً من الاضطهاد أو بحثاً عن حياة أفضل، يتصدرون اليوم المشهد بوصفهم ألد خصوم أقرانهم. لم تعد هذه الظاهرة حكراً على حزب بعينه، ولا على تيارات اليمين المتشدد.
تعد وزيرة الداخلية العمالية شبانة محمود، المولودة في برمنغهام لأبوين مهاجرين من كشمير الباكستانية، والمسلمة المحجبة الأولى التي تتولى هذا المنصب الرفيع، المثال الأحدث والأكثر إثارة للجدل. فمنذ توليها الوزارة، أطلقت محمود ما وصفته هي نفسها بأنها "أوسع إصلاحات للجوء في العصر الحديث"، وهي حزمة تهدف صراحة إلى جعل بريطانيا وجهة أقل جاذبية لطالبي اللجوء، وحتى القادمين إليها بغرض العمل أو الدراسة.
تشمل إجراءاتها التي بدأ تطبيقها في آذار (مارس) 2026 تحويل صفة اللجوء لوضع موقت تخفض مدته الأولية من خمس سنوات إلى 30 شهراً فقط قابلة للمراجعة، وفرض "مكابح طوارئ" تحظر على مواطني أفغانستان والكاميرون وميانمار والسودان التقدم لتأشيرات الدراسة، وإطالة الطريق نحو الإقامة الدائمة ليصل إلى 20 عاماً في بعض الحالات، وتضييق تعريف "الحياة الأسرية" في المادة الثامنة من الاتفاق الأوروبي لحقوق الإنسان بحيث يصعب على المهددين بالترحيل الاحتماء بروابطهم العائلية الأوسع، كما نص مشروع قانون الهجرة واللجوء الذي قدمته حكومتها أخيراً، على النظر في ترحيل كل مجرم أجنبي بصرف النظر عن جسامة جريمته، بعدما كان الإبعاد مقصوراً على المحكومين بالسجن سنة فأكثر.
أثارت إجراءات محمود تمرداً داخل حزبها نفسه، إذ وقع نحو 100 نائب عمالي رسالة احتجاج اعتبرت أن الخطط تقوض الاندماج والتماسك الاجتماعي، فيما وصفتها نائبة رئيس الوزراء السابقة أنجيلا راينر بأنها "غير بريطانية"، فيما تبرر محمود نهجها بالقول إن عدم معالجة هذه المشكلات سيفتح الباب أمام "آخرين لا يحملون قيمنا" لمعالجتها بدلاً من حكومتها، في إشارة إلى صعود اليمين المتطرف.
اقرأ المزيد- صافي الهجرة إلى بريطانيا يهبط إلى النصف في 2024
- اللاجئون إلى بريطانيا سينتظرون 20 عاما قبل الإقامة الدائمة
- "الورقة البيضاء" سلاح ملقم لضبط الحدود البريطانية.. 10 أسئلة
تعويض بريطانيا
تمثل سويلا برافرمان، وزيرة الداخلية السابقة المنحدرة من أصول هندية لأبوين هاجرا من كينيا وموريشيوس، الحالة الأكثر تطرفاً في هذا المسار. ففي تموز (يوليو) 2026، وبعد انشقاقها عن حزب المحافظين والتحاقها بـ"ريفورم"، قلبت برافرمان نقاش التعويضات الاستعمارية رأساً على عقب: فرداً على مطالبة جامايكا برفع عريضة تعويضات إلى الملك تشارلز، كتبت أن "الإمبراطورية البريطانية قدمت الكثير من الخير للعالم"، وأنه إذا كانت الحكومة تفكر جدياً في التعويضات، فعلى المستعمرات السابقة أن ترد للندن ثمن "الاستثمار والجهد والإسهام" الذي وضع، بحسب زعمها، أسس ديمقراطيات مزدهرة اليوم.
فند منتقدوها هذا الطرح بالإشارة إلى أن دافعي الضرائب البريطانيين ظلوا حتى عام 2015 يسددون أموالاً تعادل مليارات الجنيهات الاسترلينية اليوم، اقترضتها حكومة لندن عام 1835 لتعويض مالكي العبيد لا العبيد أنفسهم، كما تقدر أبحاث اقتصادية ما حصدته المملكة المتحدة من الهند وحدها خلال الحقبة الاستعمارية بنحو 45 تريليون دولار.
ولم تكن هذه الواقعة الأولى، فخلال توليها وزارة الداخلية وصفت برافرمان عبور المهاجرين للقنال الإنجليزي بأنه "غزو لسواحلنا الجنوبية"، وأعلنت أمام مؤتمر حزب المحافظين أن رؤية طائرات الترحيل تقلع نحو رواندا هي "حلمها"، كما وصفت نوم بعض المهاجرين في العراء بأنه "خيار نمط حياة"، وروجت لمقولة فشل التعددية الثقافية.
![]()
سويلا برافرمان تطالب المستعمرات بدفع تعويضات لبريطانيا (غيتي)
الإبعاد والمواطنة
قبل برافرمان، كانت بريتي باتيل، وزيرة الداخلية بين 2019 و2022، قد أرست الأساس لهذا النهج، تنحدر باتيل من عائلة هندية استقرت في أوغندا ثم غادرتها إلى بريطانيا قبيل حملة الطرد التي شنها عيدي أمين ضد الآسيويين، أي أن عائلتها نفسها عرفت معنى التهجير القسري. ومع ذلك، كانت باتيل هي من وقعت في نيسان (أبريل) 2022 في كيغالي اتفاق ترحيل طالبي اللجوء إلى رواندا الأفريقية على بعد أكثر من 6 آلاف كيلومتر، وهي الخطة التي دانتها المفوضية السامية لشؤون اللاجئين واعتبرتها غير قانونية وتمييزية، ووصفها الأمير تشارلز آنذاك في مجالس خاصة بأنها "مروعة"، وعندما أوقفت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان أول رحلة ترحيل في اللحظات الأخيرة، أعلنت باتيل "خيبة أملها"، وأمرت بالتحضير فوراً للرحلة التالية.
يقدم ساجد جاويد، ابن سائق حافلة هاجر من باكستان بجنيه واحد في جيبه كما يروي هو نفسه، نموذجاً آخر. ففي عام 2019، وبصفته وزيراً للداخلية، جرد جاويد شميمة بيغوم، المولودة في لندن التي غادرت إلى سوريا في سن الـ15 للالتحاق بتنظيم داعش، من جنسيتها البريطانية بذريعة أهليتها النظرية للجنسية البنغلاديشية، على رغم أن بنغلاديش أعلنت أنها لا تحمل جنسيتها ولن يسمح لها بدخول أراضيها. ورأى حقوقيون أن القرار كرس نظام "مواطنة من درجتين"، إذ لا يمكن تطبيق سلاح التجريد من الجنسية عملياً إلا على أبناء المهاجرين الذين يفترض أن لديهم جنسية بديلة محتملة، مما يجعل مواطنتهم أقل أماناً من مواطنة أقرانهم البيض، وقد توفي رضيع بيغوم في مخيم سوري بعد أسابيع من القرار.
تضاف إلى القائمة زعيمة حزب المحافظين كيمي بادينوك، المولودة في لندن لأبوين نيجيريين التي أمضت طفولتها في لاغوس، التي أثارت عاصفة بتصريحها أن "الثقافات ليست جميعها متساوية في الصلاحية"، محذرة من "السذاجة" في الاعتقاد بأن المهاجرين سيتخلون عن "عداواتهم الإثنية" لدى وصولهم إلى بريطانيا، ومؤكدة أن "الأعداد مهمة لكن الثقافة أهم". أما ريشي سوناك، أول رئيس وزراء بريطاني من أصول هندية وحفيد مهاجرين قدموا من شرق أفريقيا، فقد جعل شعار "أوقفوا القوارب" أحد تعهداته الخمسة الكبرى، ومرر قانون "خطة رواندا" لتجاوز حكم المحكمة العليا الذي اعتبر خطة الترحيل غير قانونية.
![]()
شبانة محمود تتبنى سياسات متشددة ضد الهجرة واللجوء (غيتي)
تفسيرات متصارعة
ثمة دراسة نشرت في مجلة جامعة أكسفورد" تطرح تفسيراً لسلوك أشخاص مثل برافرمان وباتيل وجافيد، تسمى النظرية ’سحب السلم‘، وتقول إن من صعدوا بفضل أبواب الهجرة المفتوحة يغلقونها خلفهم، وأن التشدد ضد المهاجرين الجدد يصبح وسيلة لإثبات "البريطانية الخالصة" أمام قاعدة انتخابية متشككة، ودرعاً استباقياً ضد أي تشكيك في ولائهم. فيما تضيف وجهة نظر أخرى بعداً هيكلياً للأمر، وتشير إلى أن الأحزاب السياسية تجد في تصدير وجوه من أصول مهاجرة لتنفيذ سياسات قاسية غطاء يصعب اتهامها بالعنصرية، إذ كيف تكون خطة رواندا عنصرية وموقعتها ابنة لاجئين من أوغندا؟
في المقابل، يرفض هؤلاء السياسيون أنفسهم هذا التأطير باعتباره اختزالاً عنصرياً بحد ذاته، إذ يفترض أن أصولهم يجب أن تملي عليهم مواقفهم السياسية، فباتيل ومحمود تميزان بين هجرة "قانونية منضبطة" كهجرة عائلتيهما وبين "الهجرة غير الشرعية"، وترى محمود أن استعادة السيطرة على الحدود شرط لحماية التماسك الاجتماعي الذي يستفيد منه المهاجرون المستقرون أنفسهم، وأن ترك الملف لليمين المتطرف أخطر على الأقليات من أي إصلاح صارم، كما تشير استطلاعات إلى أن سياساتها تحظى بتأييد شعبي واسع يشمل شرائح من ذوي الأصول المهاجرة أنفسهم.
سواء فسرت الظاهرة بمنطق الطموح السياسي الفردي، أم بحاجة الأحزاب إلى واجهات تمنح سياساتها حصانة أخلاقية، أم بقناعات أيديولوجية صادقة لدى أصحابها، فإنها تكشف عن حقيقة أعمق في السياسة البريطانية: أن صعود أبناء المهاجرين إلى قمة هرم السلطة لم يترجم بالضرورة إلى سياسات أكثر تعاطفاً مع من يسلكون اليوم الدروب نفسها التي سلكها آباؤهم بالأمس، بل إن أقسى صفحات ملف الهجرة البريطاني في العقد الأخير، من خطة رواندا، إلى تجريد المواطنين من جنسياتهم، إلى جعل اللجوء وضعاً موقتاً هشاً، كتبت بأقلام وزراء يحمل تاريخ عائلاتهم قصص هجرة ولجوء ونزوح.
المصدر الأصلي: اندبندنت عربية
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.