بيرنهام يتزعم "العمال" رسميا ويطلق 5 وعود للبريطانيين
ملخص
بعد فوزه بزعامة حزب العمال دون منافسة، يستعد آندي بيرنهام لتولي رئاسة الحكومة البريطانية، على أن يتسلم مهامه رسمياً من كير ستارمر الإثنين المقبل. الرجل القادم من مانشستر يواجه اقتصاداً راكداً، حزباً يعاني من الانقسام، وصعوداً ملحوظاً لليمين الشعبوي، إلى جانب ملفات خارجية شائكة، في وقت يترقب فيه الجميع تشكيلة حكومته الأولى.
يمثل تولي بيرنهام زعامة حزب العمال لحظة مفصلية في السياسة البريطانية، حيث يسعى إلى تجاوز الانقسامات الداخلية واستعادة ثقة الناخبين.
يستعد آندي بيرنهام لدخول "10 داونينغ ستريت" رئيساً للوزراء في بريطانيا، فاليوم عقد حزب العمال الحاكم مؤتمراً خاصاً لتثبيته زعيماً جديد له، والإثنين المقبل يزور قصر باكنغهام ليلتقي الملك تشارلز الثالث ويتسلم تكليفه تشكيل الحكومة الجديدة. وسط تصفيق حار، صعد بيرنهام إلى منصة مؤتمر تنصيبه زعيماً لـ"العمال" الحاكم، وتعهد بلكنته الشمالية القيام بخمسة أمور من شأنها أن تعيد الأمل للبريطانيين على حد تعبيره.
تعهد بيرنهام أولاً ببناء فريق واحد، منتقداً تاريخ الخلافات التي أضعفت حزب العمال، مشيراً إلى أن الحزب المنقسم لا يمكنه "التغلب على اليمين الجديد إذا كان منشغلاً بالصراعات الداخلية". ودعا إلى نوع جديد من السياسة، مؤكداً أن الناخبين فقدوا الثقة بالسياسيين، وأنه يسعى لتغيير هذا التوجه، معتبراً أن هذه "الفرصة الأخيرة للتغيير بالنسبة إلى حزب العمال".
يتطلع بيرنهام أيضاً إلى "صقل التوجه السياسي" للعمال، فلا مانع لديه من عمل الحزب مع الأحزاب الأخرى، ولكن "بجرأة وثقة بخططه وأهدافه، وليس من خلال تبني سياسات هذا الحزب أو ذلك"، وقد قال على سبيل الدعابة المقصودة إنه لن "ينافس حزب "الخضر" في خطط البيئة ولا "ريفورم" في ملف المهاجرين".
في رابع وعوده قال بيرنهام إن سيكون زعيماً للمملكة المتحدة بأسرها، وفي التزامه الأخير كرر تعهده بتطبيق اللامركزية، ونقل الصلاحيات من وستمنستر إلى المجالس المحلية، وقال إنه يريد إعادة السلطة إلى جميع المناطق على امتداد البلاد.
يُعرف بيرنهام بلقب "ملك الشمال" بفضل فوزه في ثلاث انتخابات متتالية لمنصب رئيس بلدية مانشستر الكبرى، وقد تمكن من قيادة حزب العمال في محاولته الثالثة بعد أن خسر في 2010 و2015 أمام إد ميليباند وجيرمي كوربن على التوالي.
بيرنهام سيكون سابع رئيس للوزراء في المملكة المتحدة خلال عقد واحد من الزمن، وقد جاء صعود الرجل البالغ من العمر 56 سنة، تتويجاً لأزمة داخلية عصفت بحزب العمال منذ ربيع هذا العام، إذ واجهت الحكومة انتقادات من مختلف الأطياف السياسية، فاليمين هاجم مقاربتها في ملفي الهجرة والضرائب، بينما ندد اليسار بموقفها من حرب غزة وإصلاحات الرعاية الاجتماعية، وهي خلافات انعكست نتائج هزيلة للحزب في الانتخابات المحلية في 2026 مقابل مكاسب كبيرة لحزبي "ريفورم" و"الخضر".
بحلول منتصف مايو (أيار) الماضي كان أكثر من 95 نائباً عمالياً يطالبون كير ستارمر بالاستقالة أو تحديد جدول زمني لرحيله، فيما استقال وزير الصحة ويس ستريتينغ وأربعة مسؤولين احتجاجاً على قيادته، وبعد فوز بيرنهام بمقعد "ماكرفيلد" البرلماني استقال ستارمر من زعامة الحزب وبقي رئيساً لحكومة تصريف أعمال.
اقرأ المزيد- آندي بيرنهام... "ملك الشمال" الذي يخشاه ستارمر وفاراج
- ستارمر يعد في جلسة برلمانية وداعية بدعم خلفه آندي بيرنهام
- بيرنهام يصل إلى قيادة بريطانيا في سابقة عمالية
وعود اقتصادية وإدارية
قطع بيرنهام حتى اليوم جملة من الوعود يتصدرها الاقتصاد، حيث قال في أول خطاب له زعيماً للحزب إن جعل الاقتصاد يعمل لمصلحة الناس في عموم المملكة المتحدة يتطلب مساراً جديداً مختلفاً عن الذي سارت عليه البلاد طوال الـ40 عاماً الماضية، واعداً ببرنامج اقتصادي عمالي بامتياز يقوم على توسيع الملكية العامة للمرافق مثل المياه وإعادة التصنيع، وحكومة تركز على دفع النمو في كل منطقة وإعادة السلطة إلى المجتمعات المحلية. وفي المقابل حرص بيرنهام على طمأنة الأسواق، إذ أكد التزامه القواعد المالية التي وضعتها راشيل ريفز وتعهدات البرنامج الانتخابي بعدم رفع ضريبة الدخل أو ضريبة القيمة المضافة أو التأمين الوطني، لكنه رفض استبعاد فرض ضريبة على الثروات.
وطرح بيرنهام قبل توليه الزعامة أفكاراً تشمل رفع الضريبة البلدية على المنازل الباهظة في لندن والجنوب الشرقي، واقتراض 40 مليار جنيه استرليني لبناء مساكن شعبية، وخفض ضريبة الدخل على أصحاب الدخول المتدنية مقابل فرض معدل 50 في المئة على الأعلى دخلاً، ولكن ما قيل قبل توليه السلطة يبقى عرضة للتأثر بمتغيرات عدة.
ويشكل نقل الصلاحيات خارج العاصمة عنواناً مركزياً في مشروع بيرنهام، فالرجل تعهد بمنح المناطق الواقعة خارج العاصمة لندن مزيداً من الاستقلالية والصلاحيات، رداً على اتهامات وجهت للحكومات المتعاقبة بإهمال المدن الواقعة خارج جنوب شرقي إنجلترا، كما تحدث عن رغبته في دفع الصلاحيات نحو القادة المحليين خارج وستمنستر ضمن أجندته للامركزية، وإنشاء مقراً آخر لرئاسة الحكومة في مانشستر شمال البلاد.
تحديات داخلية
ثمة ملفات داخلية عدة أدرجت على قائمة أولويات "ملك الشمال"، أولها أزمة كلفة المعيشة واختيار وزير الخزانة لبث الروح في اقتصاد راكد يئن تحت وطأة دين محلي كبير. ويضاف إلى ذلك ملف الهجرة الذي يبقى من أبرز أولويات الناخبين البريطانيين، سواء تعلق الأمر بالهجرة النظامية أو أزمة القوارب الصغيرة في القنال الإنجليزي، حيث عبر أكثر من 11 ألف مهاجر القناة هذا العام على رغم الإصلاحات التي أدخلتها وزيرة الداخلية شبانة محمود.
وتمويل وزارة الدفاع والإنفاق العسكري سيكون أيضاً من أبرز التحديات التي تنتظر بيرنهام، علماً أنه أبدى استعداداً أكبر للاقتراض من أجل تمويل القوات المسلحة، أما التحدي السياسي الأكبر فيتمثل في صعود "ريفورم"، إذ سبق لرئيس الوزراء المنتظر أن دعا إلى خطة حقيقية للبلاد تشمل خطة لهزيمة الحزب الشعبوي، بينما يحذر أكاديميون من أن دعم حزب العمال الشعبي قد نزف كثيراً، وخسر الحزب مزيداً من التأييد لمصلحة "الخضر".
ولا تقل إدارة الكتلة النيابية العمالية في البرلمان تعقيداً عن إدارة الدولة، فالرجل الذي وصل بلا منافسة إلى زعامة الحزب الحاكم يواجه أسئلة عن شرعية هذا المسار، إذ قال النائب جون سلينغر إن "الجمهور سيظن أن الحزب فقد صوابه بعض الشيء إن لم يُخضع الطامحين إلى أعلى منصب لعملية تدقيق حقيقية"، كما أن سقف التوقعات مرتفع لدى يسار الحزب، إذ وضع نائب يساري قائمة مهام أمام بيرنهام تشمل معالجة بطالة الشباب وسياسات اقتصادية تحويلية وإصلاحاً سياسياً كبيراً، محذراً من أن الخط الأحمر لسحب الدعم منه هو إخفاقه في الوفاء بوعوده لأهالي "ماكرفيلد" الذين صوتوا له أملاً بالتغيير.
يعد بيرنهام بأسلوب قيادة مختلف، وتعهد في خطاب تنصيبه بأن يكون "العمال" تحت قيادته أكثر وحدة، مشيداً بإنجازات حكومة سلفه منذ 2024 في حقوق العمال، والخدمة الصحية الوطنية، وإقرار قانون "هيلزبره" الذي يفرض على المسؤولين العموميين واجب قول الحقيقة في التحقيقات الكبرى، وقد جاء القانون استجابة لكارثة ملعب "هيلزبره" عام 1989 التي قضى فيها 97 من مشجعي ليفربول، وناضل بيرنهام طويلاً لإنصاف ضحاياها.
![]()
بيرنهام يتسلم المنزل رقم 10 من سلفه ستارمر الاثنين المقبل (غيتي)
قضايا خارجية
في الشأن الخارجي، بدأ بيرنهام عهده بمراجعة نقدية لموقف حزبه من حرب غزة، إذ اعتذر عن موقف "العمال" قائلاً إنه لم يكن صائباً، ووعد بممارسة مزيد من الضغط على إسرائيل. وذهب أبعد من ذلك حين قال إن "المملكة المتحدة كانت بطيئة في الدعوة إلى وقف إطلاق النار في القطاع، وإن إسرائيل تواصل انتهاكه".
في الملف ذاته أشار بيرنهام، إلى تصاعد عنف المستوطنين في الضفة الغربية والقدس، معتبراً أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يحاول جعل حل الدولتين مستحيلاً، وقد تعهد النظر في فرض عقوبات إضافية على المستوطنين وحظر التجارة مع المستوطنات، وكل ذلك يؤكد أن بيرنهام يواجه في هذا الشأن ضغوطاً من داخل كتلته النيابية، إذ قال نائب عمالي إن أكثر من نصف زملائه يريدون من الحكومة الجديدة الذهاب أبعد في دعم غزة، بعدما اعترفت المملكة المتحدة رسمياً بدولة فلسطين العام الماضي.
في العلاقة مع الاتحاد الأوروبي، لم يشكك بيرنهام في المفاوضات التي أطلقها ستارمر ضمن مسار (إعادة الضبط) مع بروكسل، في مايو الماضي قال إنه "لا يقترح عودة بريطانيا مجدداً إلى الاتحاد، وإنما يدعم التعاون العملي مع الشركاء الأوروبيين"، في تصريحات بدت هادفة إلى تجنب إعادة فتح معارك الاستفتاء الانقسامية، بخاصة أن سلفه ستارمر كرر أن بريطانيا لن تعود إلى السوق الموحدة أو الاتحاد الجمركي.
على ضفة واشنطن تبدو الأمور أكثر حساسية، فبيرنهام راكم سجلاً من الانتقادات للرئيس دونالد ترمب، إذ خرج عن خط ستارمر منذ فبراير (شباط) 2025 متهماً ترمب بجلب عدم الاستقرار إلى العالم، ووصف السياسة الأميركية بأنها مستقطبة ومسمومة، واعتبر ولاية ترمب الثانية جرس إنذار ينبغي أن يدفع بريطانيا إلى تقليص اعتمادها على الولايات المتحدة.
حكومة مرتقبة
تتجه الأنظار إلى التشكيلة الحكومية التي ستعلن مطلع الأسبوع، وتفيد صحيفة "ذا ناشيونال" بأنه بعيد دخوله داونينغ ستريت سيعلن بيرنهام اسم وزير الخزانة، وفيما كان وزير الطاقة اليساري إد ميليباند مرشحاً للمنصب، يبدو الآن، بعد ضغوط من النقابات وأوساط الأعمال، أن الخزانة قد تذهب إلى الأكثر وسطية شبانة محمود لتصبح أول امرأة مسلمة تتولى هذا المنصب في خطوة تطمئن النواب وقادة الأعمال الباحثين عن استقرار مالي.
قد يتولى ميليباند حقيبة الخارجية في سيناريو يترك إيفيت كوبر بلا منصب ما لم تمنح حقيبة أخرى، بينما قد يعود جون هيلي إلى وزارة الدفاع التي استقال منها الشهر الماضي في خطوة كانت من أبرز أسباب قرار ستارمر التنحي، ويتوقع أيضاً أن تمنح نائبة الزعيم السابقة أنجيلا راينر منصباً وزارياً وإن لم تكن من المقربين من بيرنهام.
وفقت تقارير صحافية، يريد بيرنهام فريقاً منضبطاً خلف خططه، وقد استغل الفترة الانتقالية للتفكير فيما يريده من كل حقيبة كي يعمل الوزراء وفق رؤيته لا رؤاهم، مردداً أن الاتجاه السياسي الذي يحدده ليس موضع تفاوض.
بين وعود إعادة التصنيع واللامركزية وضغوط الأسواق، وبين مطالب اليسار بمواقف أكثر حزماً من إسرائيل وزحف اليمين الشعبوي في الاستطلاعات، يبدأ بيرنهام عهده وقد ورث ما وصفه هو نفسه بالأشياء الكبيرة التي أهملتها السياسة، إذ قال أمام مندوبي حزبه إن قيادته تجمع بين الشجاعة لإصلاح الأشياء الكبيرة التي أهملتها السياسة والقناعة للدفاع عن خططه "العمال"، غير أن سرعة صعود "ملك الشمال" غير المسبوقة إلى السلطة ربما تكون سلاحاً ذا حدين، فالتوقعات التي رفعها لدى ناخبيه ونوابه ستتحول سريعاً إلى معيار يحاسب عليه في بلد استهلك سبعة رؤساء حكومات في 10 أعوام.
يواجه بيرنهام تحديات كبيرة، أبرزها إعادة بناء الحزب بعد الانتقادات التي طالت حكومة ستارمر، وتحقيق وعوده الاقتصادية دون الإخلال بالاستقرار المالي. كما ستكون نتائج السياسات التي أعلنها، مثل توسيع الملكية العامة للمرافق وفرض ضريبة على الثروات، محل مراقبة دقيقة من الأسواق والناخبين على حد سواء. ويبقى السؤال الأهم: هل سيتمكن "ملك الشمال" من توحيد المملكة المتحدة وتحقيق التغيير المنشود؟
المصدر الأصلي: اندبندنت عربية
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.