من قلب التاريخ: هل حققت اغتيالات الزعماء مآربها؟
ملخص
يشير برايان أونيل، الأستاذ المتخصص في الشؤون الدولية بمعهد جورجيا للتكنولوجيا، إلى أن الأبحاث المعاصرة تخلص إلى أن تصفية القادة أو احتجازهم قد يؤدي إلى إضعاف الخصم ميدانياً، لكنه لا يقدم مؤشراً حاسماً بشأن رد الفعل السياسي اللاحق، سواء كان ذلك بزيادة الرغبة في الحوار، أو تقليص القدرة عليه، أو تصعيد الالتزام بخيار المواجهة.
لطالما أثارت استراتيجيات استهداف القيادات السياسية جدلاً واسعاً في العلوم الاستراتيجية حول جدواها العملية وقدرتها على تحقيق الأهداف السياسية الكبرى للدول المنفذة.
في ظل تهديد الرئيس دونالد ترمب لإيران من عواقب اغتياله بعد الدعوات المفتوحة التي أطلقت خلال جنازة المرشد الراحل علي خامنئي، والذي قتل في غارة أميركية - إسرائيلية خلال اليوم الأول من الحرب ضد طهران، تزايدت المخاوف من تصاعد التوترات التي قد تتخذ شكلاً كارثياً تماماً إذا تعرض سيد البيت الأبيض لمحاولة اغتيال.
هذا الوضع يثير تساؤلات ليس فقط عن العواقب المحتملة، بل يمتد إلى أسباب فشل اغتيال قادة الدول غالباً في دعم قضية منفذيها استناداً للتحليلات التاريخية والاستراتيجية، فما أسباب الفشل، وما أبرز النماذج التاريخية لذلك بدءاً من يوليوس قيصر وأبراهام لينكولن وجون كينيدي إلى أنديرا غاندي وأنور السادات وإسحق رابين ومعمر القذافي وإدريس ديبي وعلي خامنئي؟
تهديدات متبادلة
يبدو أن المعلومات التي نقلتها إسرائيل إلى البيت الأبيض بأن إيران تخطط حالياً لاغتيال دونالد ترمب، التي توافقت زمنياً مع دعوات إيرانية صريحة لاغتياله خلال جنازة خامنئي الأب، تركت أثراً كبيراً في الرئيس الأميركي، الذي هدد بتدمير جميع مناطق إيران تدميراً كاملاً إذا حاولت اغتياله، قائلاً على منصة "تروث سوشيال" إن 1000 صاروخ جاهزة للإطلاق وسيتبعها آلاف الصواريخ الأخرى وإنه أصدر الأوامر للجيش ليكون على أهبة الاستعداد للقيام بالمهمة، كما أكد لصحيفة "نيويورك بوست" أنه كان الهدف الأول على قائمة اغتيالاتهم لفترة طويلة.
غير أن هذه التهديدات لم توقف طهران عن تهديدها بالثأر، إذ لم تمض ساعات قليلة على تهديد ترمب، حتى تعهد المرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي في بيان نشرته وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية، بالثأر لمقتل سلفه ووالده، وعلى رغم من أن مجتبى لم يذكر اسم أي دولة أو زعيم بصورة مباشرة، أشار إلى حربين يرجح أنه يقصد بهما الصراعين المفتوحين مع الولايات المتحدة وإسرائيل في عامي 2025 و2026.
نتائج كارثية
لكن بصرف النظر عما إذا كانت التحذيرات الإسرائيلية بشأن خطط إيران لاغتيال ترمب حقيقية أم لا، وما إذا كانت الدعوات الإيرانية الصريحة للثأر باغتيال ترمب واقعية أم أفرزها مناخ جنازة المرشد الراحل من دون استعداد عملي للتنفيذ، تظل النتائج المتوقعة لاغتيال الرئيس الأميركي كارثية بكل المعايير استناداً إلى التحليل التاريخي والاستراتيجي لاستهداف القيادات، فمن المستبعد جداً أن يسهم اغتيال دونالد ترمب في دعم القضية الإيرانية، بل على العكس تماماً، إذ من المؤكد أن يؤدي إلى نتائج عكسية، ملحقاً ضرراً بالغاً بالمواقف الاستراتيجية والسياسية الإيرانية لعدة أسباب رئيسة.
يُمثل استهداف رئيس أميركي، حالياً كان أو سابقاً، خرقاً فادحاً للثوابت الجيوسياسية، إذ لن يؤدي ذلك إلى إضعاف الموقف الأميركي، بل سيسهم في توحيد الصفوف داخلياً، مما يمنح واشنطن غطاءً شعبياً واسعاً لشن رد عسكري واسع النطاق قد يطال البنية التحتية الإيرانية بمختلف قطاعاتها كما لوح ترمب سابقاً.
![]()
لا تتوقف التقارير الإيرانية الخاصة بالتهديد باغتيال ترمب (أ ف ب)
على خلاف الاعتقاد الخاطئ بأن سياسة التخلص من القادة قادرة على تغيير مسارات الأنظمة السياسية، فإن اغتيال شخصية بحجم ترمب قد يمنحه رمزية "الشهيد السياسي"، مما يجعل العداء تجاه إيران ثابتاً جوهرياً ومحورياً في عقيدة السياسة الخارجية الأميركية لسنوات طويلة قادمة.
وبينما تدير إيران حالياً شؤونها السياسية العالمية عبر تحالفات مع دول مثل روسيا والصين، فإن تنفيذ عملية اغتيال رفيعة المستوى على الأراضي الأميركية، سيقضي على ما تبقى لها من نفوذ دبلوماسي، حتى القوى العالمية المتعاطفة معها أو المحايدة، ستجد صعوبة بالغة في الدفاع علناً عن إيران، أو التعاون اقتصادياً معها كدولة تستخدم الاغتيال العلني لرؤساء الدول الأجنبية، مما يؤدي إلى عزلة دولية تامة وفرض عقوبات قاسية.
افتراضات خطأ
تفترض بعض الأنظمة السياسية سواء كانت بيروقراطية ثورية أو ديمقراطية ذات هياكل مؤسسية راسخة، أن الدول التي تستهدف اغتيال قادتها ستنهار أو تفقد إرادتها السياسية إذا أزيح زعيمها، إلا أن الأمر يتوقف على كيفية توزيع السلطة، ففي الأنظمة الديمقراطية توجد مؤسسات مبنية على القوانين، مما يجعلها قادرة على الصمود أمام قطع رأس القيادة، أما الأنظمة الثورية أو الاستبدادية فغالباً ما تعتمد بصورة كبيرة على السلطة الشخصية أو شخصية كاريزمية واحدة، مما يجعلها أكثر عرضة لصراعات الخلافة الفوضوية، ولكن ليس بالضرورة للانهيار التام، وكما حدث في إيران بعد عملية قطع رأس المرشد الأعلى علي خامنئي، شهدت البلاد اضطراباً تكتيكياً، لكنها لم تتسبب في انهيار النظام الإيراني كما أراد منفذوها.
اقرأ المزيد- تقارير: تحذير إسرائيلي يتعلق بمخطط إيراني "محدد" لاغتيال ترمب
- ترمب: أنا رقم 1 على قائمة الاغتيالات لإيران
- لغز جديد في "وثائق كينيدي"... "سائق بولندي" حذر من اغتيال الرئيس
- عدالة مؤجلة ما بين سوريا الأسد ولبنان... اغتيالات بلا حساب (1- 3)
صوّر الرئيس ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو حربهما لا على أنها مجرد رد فعل أو إكراه، بل كفرصة للانهيار السياسي، فقد كان المنطق السائد لديهما أنه بإزاحة المرشد الأعلى، وعدد كاف من القيادات الإيرانية، سينهار الهيكل الذي يقوم عليه أو يصبح هشاً بما يكفي لاندلاع انتفاضة شعبية تنهي المهمة، لكن الاغتيال العلني لرئيس دولة نادراً ما يؤدي إلى انهيار سياسي.
وكما يشير برايان أونيل، أستاذ الشؤون الدولية في معهد جورجيا للتكنولوجيا، فقد وجدت الدراسات الحديثة أن قتل أو أسر القادة قد يضعف الخصم في ساحة المعركة، لكنه لا ينبئ بالضرورة بكيفية رد فعله السياسي، سواء أصبح أكثر استعداداً للتفاوض، أو أقل قدرة على التفاوض، أو أكثر تصميماً على مواصلة القتال.
ربما يؤدي إزاحة قادة دولة أخرى إلى إضعافها على المدى القصير، عبر تغيير سلوك الجهة المتبقية للتفاوض أو التوصل إلى حلول وسط معها أو من خلال التصعيد، وبالتالي قد تنجح الضربة عملياً في تضييق الخيارات السياسية اللاحقة، كما حدث بعد اعتقال مادورو في فنزويلا. ومع ذلك تشير الدراسات الأكثر تفاؤلاً إلى مكاسب مشروطة فقط في حالات الاغتيال، فهي لا تعتبر إزاحة القيادات عبر الاغتيال سبيلاً للنجاح السياسي التلقائي أو بديلاً عن استراتيجية أوسع.
وحتى في جهود مكافحة الإرهاب، فإن اغتيال القيادة قد يكون ذا قيمة لإحداث اضطراب كاف من أجل تأخير هجمات المنظمات الإرهابية أو إضعاف الفعالية العملياتية لها، وهو ما مارسه صانعو السياسة الأميركيون في حملتهم ضد تنظيم "القاعدة"، ومع ذلك فإن مقتل أسامة بن لادن والضربات المتكررة على كبار مساعديه اعتبرت ضربات قوية، لكنها لم تكن دليلاً على نهاية أو تفكك التنظيم أو زوال خطورته كتهديد عملياتي.
حظر قانوني لاغتيال القادة
منذ فترة طويلة، اعتُبر اغتيال الزعماء السياديين سبباً محتملاً للغاية لتآكل المجتمع الدولي، لدرجة أن حظره أصبح ركيزة أساسية للنظام العالمي منذ معاهدة وستفاليا (عام 1648)، كما تجرم اتفاقية نيويورك (عام 1973) اغتيال أو إيذاء الأشخاص المحميين دولياً على اعتبار أنهم جزء من الاستقلال السيادي لكل دولة، وبالتالي لا تسمح باستهداف القادة السياديين من قبل الدول الأعضاء الأخرى.
ولهذا كان الحظر على استهداف القادة السياديين قوياً للغاية لدرجة أنه جرى اغتيال 10 قادة فقط على يد دولة أجنبية بين عامي 1875 و2004، ومع ذلك، تحدت الولايات المتحدة هذا المعيار في ضرباتها على الرئيس العراقي صدام حسين (عام 2003) والزعيم الليبي معمر القذافي (عام 2011) مما اعتبر حينها تآكلاً للمعايير الليبرالية ومبادئ النظام الدولي الليبرالي من قبل الهيمنة الغربية وبخاصة الأميركية.
ورغم أن الولايات المتحدة التزمت الحظر الدولي على الاغتيال بدءاً بقانون ليبر (عام 1863)، والأمر العام رقم 100 الذي أعلن أن الاغتيال "انتكاسة إلى البربرية"، ظل استخدام الاغتيال في العمليات السرية الأميركية مرتفعاً للغاية في العقود الأخيرة، وسط جدل بأن الولايات المتحدة يجب أن تكون معفاة من مثل هذا الحظر في أوقات الحرب، وفي مواجهة صور الاستبداد الأجنبية، وهو ما أكدته لجنة تشيرش (عام 1975) حين ذكرت أن الاغتيال يتعارض مع القيم الأميركية، لكن لا ينبغي أن نستبعد دعم الجماعات المنشقة التي تسعى إلى الإطاحة بالطغاة.
وفي حين حظر الرئيس جيرالد فورد استخدام الاغتيال خلال سبعينيات القرن الماضي في أول سلسلة من الأوامر التنفيذية التي اعتمدها وعدلها جميع الرؤساء المتعاقبين، فإن الحرب على الإرهاب، وقرارات صلاحيات الحرب، وقانون مراقبة الاستخبارات، تكشف احتفاظ الولايات المتحدة بقدرة كبيرة على ارتكاب أعمال الاغتيال السرية بما في ذلك قادة الدول، كما تشير دراسة لمركز ديوك الأميركي للقانون.
وقدم الرئيسان الأميركيان جورج دبليو بوش وباراك أوباما حججاً أخلاقية في خطابيهما لتسليط الضوء حول الأسباب القوية وراء محاولة اغتيال الرئيس العراقي صدام حسين في عهد بوش، والزعيم الليبي معمر القذافي في عهد أوباما لتبرير انتهاك الولايات المتحدة عمداً للحظر الدولي لعمليات الاغتيال، إذ جمعا بين الحرب العادلة ضد الطغيان، وتعزيز حقوق الإنسان، وتوسيع نطاق الديمقراطية، وافتراض أن القيم الأميركية ذات سمعة عالمية.
وبعد ذلك، أشاد أوباما بقتل القذافي من الناحية الأخلاقية، باعتباره شيئاً أزال الظل المظلم للاستبداد، وفتح حقبة ديمقراطية لليبيا ومع ذلك، فقد أعرب في وقت لاحق عن أسفه لأن ما حدث في ليبيا بعد وفاة القذافي كان أكبر خطأ في رئاسته.
جاذبية قطع الرؤوس
ورغم ذلك، تظل هناك جاذبية لقطع رؤوس قادة الدول أو زعماء المنظمات، حيث يرى جيمس والش، الباحث في العنف السياسي والاستخبارات والنزاعات المسلحة بجامعة نورث كارولينا، أن الاغتيالات المستهدفة تمنح صانعي السياسات ومتخذي القرار، وسيلة لقياس التقدم في النزاعات التي يصعب فيها تحديد النجاح، فهي تسلط الأضواء على اسم ما (القائد المستهدف كشخص عالي القيمة) وتبرز نتيجة واضحة غالباً ما تظهر في شكل صورة، وفي بعض الحالات، لقطات مصورة للعملية يمكن عرضها في مؤتمر صحافي، وفي هذه الحال يمكن تقديم الضربة على أنها عمل ناجح أقل تعقيداً من الدبلوماسية حيث تتطلب المفاوضات الصبر والمقايضات ومخاطرة الظهور بمظهر المساومة مع العدو.
وعلى سبيل المثال، قد يكون هناك ديناميكية مماثلة في الحرب الأوكرانية - الروسية، حيث يقال إن الرئيس فلاديمير بوتين يخشى محاولة اغتيال، يرجح أن تكون من أوكرانيا، لكن موت بوتين لن ينهي الحرب أو يفكك الدولة الروسية.
![]()
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (رويترز)
ومع ذلك، فإن ضربة ناجحة ضد الرجل الذي ارتبط اسمه بالغزو سيكون لها أثر بالغ في حشد الأوكرانيين بعد أعوام من الحرب، وينطبق العكس أيضاً إذا أسفرت عملية روسية عن مقتل الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، إذ ستكون الصدمة السياسية والرمزية هائلة، لكن المجهود الحربي لأي من البلدين لن ينهار بالضرورة.
ولهذا، قد تكبد عمليات اغتيال القيادات العليا خسائر، وتضعف قدرة أي منظمة أو دولة، وتجبر الخصوم على العمل تحت ضغط مستمر، لكنها وفقاً للأدلة التاريخية، لا يمكنها تحويل الإنجاز التكتيكي إلى النتائج السياسية التي يستند إليها القادة لتبرير عمليات القتل المستهدفة، وبغض النظر عن الحجج المؤيدة أو المعارضة للاغتيال كسياسة دولة، فإن اغتيال القيادات يعد أداة لزعزعة الاستقرار وليس للتغيير، وهو الدرس الذي ترسخه الحرب في إيران والذي يجب على الإيرانيين أيضاً الاستفادة منه إذا كانوا يخططون حقاً لاغتيال ترمب.
أسباب الفشل
عندما تستهدف الدول اغتيال قادة أجانب، فإنها عادة ما تهدف إلى تغيير النظام، أو شل الجيش أو إحداث تحولات في السياسات، لكن عديداً من الدراسات الجيوسياسية تقر بأن هذه العمليات نادراً ما تحقق الأهداف الاستراتيجية طويلة المدى للجناة، وبدلاً من فرض الامتثال والخضوع، غالباً ما تؤدي إلى ردود فعل انتقامية غير متوقعة، أو تغرق المنطقة المستهدفة في فوضى عارمة، لأن سياسة قطع رأس القيادة تتعامل مع مشكلة جيوسياسية معقدة باعتبارها مشكلة شخصية.
ولأن الدول التي تمتلك طابعاً مؤسسياً، يكون لديها خطوطاً واضحة للخلافة، نادراً ما تؤدي إقالة القائد الأعلى إلى حل القيادة العسكرية للدولة أو الجهاز البيروقراطي، كما أن قتل الزعيم غالباً ما يجلب خليفة أكثر تطرفاً وعدوانية أو عناداً إلى السلطة يشعر بضرورة سياسية للانتقام من سلفه، ومن المرجح أن يوحد اغتيال رئيس الدولة شعباً متخاصماً، ويمحو الانقسامات السياسية الداخلية بصورة كاملة ويخلق تفويضاً شعبياً ساحقاً لشن حرب انتقامية.
ومنذ فجر التاريخ، برزت نماذج صارخة لاغتيالات قادة الدول سواء بتدبير خارجي أو داخلي لكن غالبيتها لم تنجح في حقيق أهداف منفذيها، وفي ما يلي بعض من أشهر عمليات الاغتيال الناجحة والفاشلة عبر التاريخ.
يوليوس قيصر (44 ق.م.)
في منتصف مارس (آذار) عام 44 قبل الميلاد، تعرض يوليوس قيصر لمؤامرة واسعة، فبينما حضر اجتماعاً لمجلس الشيوخ في مسرح بومبي، حاصره نحو 60 عضواً من المجلس، بقيادة ماركوس بروتوس وجايوس لونجينوس، بحجة تقديم عريضة، لكنهم طعنوه 23 طعنة بخناجرهم فقتلوه.
اعتقد المتآمرون أنهم بقتل الطاغية، سيستعيدون الجمهورية الرومانية التقليدية تلقائياً، لكن نتائج ذلك جاءت عكسية تماماً، فقد أخطأوا في تقدير التدهور المؤسسي للجمهورية، وبدلاً من الحرية، أثار موت قيصر سلسلة من الحروب الأهلية الكارثية، حيث ثار غضب الشعب الروماني جراء اغتيال بطلهم الشعبي، وأدى الاغتيال إلى فراغ هائل في السلطة، مما أسفر عن عقد من الحروب الأهلية الوحشية والمتتالية بين الموالين لقيصر (مارك أنطوني وأوكتافيان) والمتآمرين، وفي نهاية المطاف، انهارت المؤسسات الجمهورية الهشة تماماً، وفي عام 27 قبل الميلاد، رسخ أوكتافيان سلطته المطلقة باسم أغسطس، كأول إمبراطور للإمبراطورية الرومانية.
أبراهام لنكولن (1865)
خلال 14 أبريل (نيسان) 1865، بعد أيام قليلة من استسلام جيش الكونفدرالية الجنوبي، كان الرئيس لينكولن يحضر مسرحية في مسرح فورد بواشنطن العاصمة، لكن جون ويلكس بوث، الممثل المعروف المتعاطف مع الكونفدرالية، تسلل إلى المقصورة الرئاسية وأطلق النار على لينكولن في مؤخرة رأسه بمسدس ثم هرب على ظهر حصان، لكن جنود الاتحاد تعقبوه وقتلوه بعد أسابيع.
![]()
لوحة مرسومة لعملية اغتيال لنكولن (رويترز)
غيّر اغتيال لينكولن مسار أميركا بعد الحرب الأهلية بصورة جذرية، حيث تولى نائبه أندرو جونسون منصبه، لكنه افتقر إلى عبقرية لينكولن السياسية وسلطته الأخلاقية، ودخل جونسون في مأزق حاد مع الجمهوريين الراديكاليين في الكونغرس حول كيفية إعادة دمج الجنوب.
في نهاية المطاف، تجاوز الكونغرس جونسون، وفرض حكماً عسكرياً قاسياً على الولايات الكونفدرالية السابقة، وأقر تعديلات دستورية شاملة لحماية حقوق العبيد المحررين وهو مسار عقابي تجاه الجنوب يفوق بكثير سياسة المصالحة التي تصورها لينكولن.
جون كينيدي (1963)
ثم 22 نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1963، وخلال رحلة سياسية إلى دالاس بولاية تكساس، كان الرئيس كينيدي يستقل سيارة ليموزين مكشوفة في ساحة ديلي عندما اتهم لي هارفي أوزوالد، وهو جندي سابق في مشاة البحرية الأميركية أقام لفترة وجيزة في الاتحاد السوفياتي، بإطلاق ثلاث رصاصات من بندقيته، فأصاب كينيدي في رقبته ورأسه، وبعدما اعتقل أوزوالد بعد ساعات وقبل التحقيق معه رسمياً، قتل بالرصاص أثناء احتجازه لدى الشرطة بعد يومين على يد جاك روبي، وهو صاحب ملهى ليلي محلي اعترف بأنه انتقم لقتل كينيدي، مما أثار شكوكاً واسعة عن القاتل الحقيقي ومن يقف وراءه.
أحدث الاغتيال صدمة عالمية فورية، لكنه أظهر الاستقرار المؤسسي العميق للنظام الأميركي، حيث أدى نائب الرئيس ليندون جونسون اليمين الدستورية على متن طائرة الرئاسة بعد ساعتين فقط، واستغل جونسون ببراعة الحزن العميق الذي عم البلاد لتمرير أجندة كينيدي التشريعية المتعثرة، مستحضراً ذكرى كينيدي لكسر المماطلة البرلمانية التاريخية للجنوب، ومرر قانون الحقوق المدنية لعام 1964 وقانون حقوق التصويت لعام 1965، معيداً تشكيل المجتمع الأميركي وتاريخه القانوني بصورة جذرية.
أنديرا غاندي (1984)
في 31 أكتوبر (تشرين الأول) عام 1984، كانت رئيسة الوزراء الهندية أنديرا غاندي تسير في حديقتها في نيودلهي لإجراء مقابلة مع طاقم تصوير وثائقي بريطاني، حينما أطلق عليها اثنان من حراسها الشخصيين الموثوق بهما، وهما من الأقلية السيخية، 30 رصاصة.
كان الاغتيال رداً مباشراً على أمرها بتنفيذ عملية "النجم الأزرق" قبل أربعة أشهر، وهي هجوم عسكري دموي على المعبد الذهبي في أمريتسار لإخراج الانفصاليين السيخ المسلحين، وأدى الاغتيال إلى كارثة داخلية فورية ومروعة، حيث شنت حشود غاضبة أعمال شغب ممنهجة ضد السيخ، برعاية الدولة، في جميع أنحاء الهند، مما أسفر عن مذبحة وحشية لآلاف السيخ الأبرياء.
من الناحية السياسية، صمد النظام، حيث جرى تعيين ابنها، راجيف غاندي، رئيساً للوزراء على الفور، وحقق فوزاً ساحقاً في الانتخابات مدفوعاً بموجة من التعاطف الشعبي، وبدلاً من منح الانفصاليين نفوذاً، كثفت الدولة عملياتها الأمنية في البنجاب بصورة كبيرة، مواصلة حملة قمعية لمكافحة التمرد استمرت قرابة عقد آخر حتى جرى سحق الحركة الانفصالية إلى حد كبير.
أنور السادات (1981)
يوم السادس من أكتوبر (تشرين الأول) عام 1981، كان الرئيس المصري أنور السادات يشاهد عرضاً عسكرياً سنوياً في القاهرة حين اندفعت فرقة من الجنود المنتمين لحركة "الجهاد الإسلامي" المصرية، بقيادة الملازم خالد الإسلامبولي، نحو منصة العرض، وأطلقت النار من بنادق آلية وقنابل يدوية، أدت إلى إصابة السادات بعدة رصاصات وتوفي في المستشفى بعد ساعات.
وجاء استهداف السادات من قبل القتلة لتوقيعه معاهدة السلام مع إسرائيل عام 1979، ولحملته الواسعة النطاق لاعتقال المعارضين المحليين، ومع ذلك لم ينهر جهاز الدولة، حيث أدى نائب الرئيس حسني مبارك اليمين الدستورية فوراً.
![]()
حظي السادات باستقبال خاص من قبل بيجين في القدس (أ ف ب)
فشلت عملية الاغتيال تماماً في خرق معاهدة السلام المصرية - الإسرائيلية، التي التزم بها مبارك التزاماً تاماً، أما على الصعيد الداخلي، فقد شنت الحكومة حملة أمنية واسعة النطاق استمرت لعقود، أعدمت خلالها المتآمرين وسجنت آلاف المتشددين، واستخدم اغتيال السادات لتبرير حالة الطوارئ التي منحت الدولة صلاحيات واسعة النطاق على مدى الـ30 عاماً التالية، مما أسهم في استقرار النظام على حساب تجميد التطور الديمقراطي.
إسحاق رابين (1995)
في الرابع من نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1995، حضر رئيس الوزراء إسحق رابين مسيرة سلمية في تل أبيب بهدف حشد الدعم الشعبي لاتفاقيات أوسلو، وبينما كان يغادر المسيرة، تقدم يغال عمير، وهو طالب قانون يهودي متطرف يعارض بشدة التنازل عما يصفه بالأراضي التوراتية للفلسطينيين، وأطلق ثلاث رصاصات على ظهر رابين بمسدس نصف آلي.
بخلاف غالبية عمليات الاغتيال التاريخية، حققت هذه العملية الهدف الاستراتيجي للجاني، فقد كان رابين الشخصية الوحيدة التي تمتلك المصداقية العسكرية والثقل السياسي الكافيين لإقناع الرأي العام الإسرائيلي المتشكك بالوثوق بإطار السلام مع منظمة التحرير الفلسطينية، لكن اغتياله أدى إلى انهيار زخم عملية السلام، ففي انتخابات عام 1996 اللاحقة، انهار ائتلاف يسار الوسط، وانتخب بنيامين نتنياهو رئيساً لوزراء إسرائيل على برنامج معارض لإطار أوسلو حيث رسخ التشكيك الشعبي العميق في حل الدولتين، وعرقل عملية السلام للعقود الثلاثة التالية.
معمر القذافي (2011)
في 20 أكتوبر 2011 خلال ذروة الحرب الأهلية الليبية، وفي خضم حملة قصف جوي شنها حلف شمال الأطلسي (الناتو)، استهدف موكب القذافي الفار بطائرات الناتو قرب مسقط رأسه سرت، فاختبأ القذافي في أنبوب تصريف مياه على جانب الطريق، لكن سرعان ما اعتقله حشد غاضب من مقاتلي الثوار الليبيين، وتعرض للضرب المبرح والتعذيب، ثم أُطلق عليه النار وأردي قتيلاً أمام الكاميرات.
لكن في حين كانت القوات الغربية وقوات المعارضة تأمل في أن يؤدي عزل القذافي إلى انتقال ديمقراطي، أدى التدمير الكامل لنظامه إلى انهيار شامل، ولأن القذافي تعمد قمع مؤسسات الدولة المستقلة لمدة 42 عاماً، لم يكن هناك إطار عمل لاستيعاب الصدمة، مما أدى إلى تفكك ليبيا إلى دولة ممزقة يحكمها قادة متنافسون وميليشيات إقليمية، وهو صراع لا يزال قائماً من دون حل حتى الآن.
عمليات أخرى فاشلة
استهدفت الولايات المتحدة (وكالة الاستخبارات المركزية) الزعيم الكوبي فيدل كاسترو عدة مرات منذ نجاح الثورة الكوبية في ستينيات القرن الماضي، فقد اعتبرت الحكومة الأميركية كاسترو معقلاً خطراً للشيوعيين في نصف الكرة الغربي، ولهذا دبرت ثماني مؤامرات اغتيال مؤكدة في الأقل، تراوحت بين استخدام السيجار المسموم وبدلات الغوص المسمومة إلى تفجير الأصداف البحرية وتجنيد قتلة مأجورين من المافيا.
فشلت جميع المحاولات، ونجا كاسترو منها جميعاً، وحكم كوبا لما يقرب من خمسة عقود، لكن هذه المحاولات أتت بنتائج عكسية تماماً، فقد منحت كاسترو نصراً دعائياً داخلياً هائلاً، واستغل التهديد المستمر بالاغتيال لتبرير حملات القمع الداخلية ضد المعارضين السياسيين، وتشديد قبضته على السلطة، وتوطيد تحالف عسكري واستخباراتي دائم مع الاتحاد السوفياتي، وهو ما بلغ ذروته في أزمة الصواريخ الكوبية.
ولكن على الرغم من أن محاولات وكالة الاستخبارات المركزية أثبتت عدم جدواها في حالة كاسترو، فقد نجحت الوكالة منذ عام 1945 في عزل أو قتل سلسلة من الزعماء في أماكن أخرى من العالم، إما بصورة مباشرة، أو باستخدام قوات عسكرية محلية متعاطفة، أو مجرمين مستأجرين محلياً، أو منشقين.
وتشمل هذه المحاولات رئيس وزراء الكونغو، باتريس لومومبا، الذي اعتبرته الولايات المتحدة مقرباً للغاية من روسيا، ففي عام 1960، أرسلت وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية عالماً لقتله بفيروس قاتل.
وكان من بين القادة الآخرين الذين استهدفوا بالاغتيال خلال الستينيات ديكتاتور الدومينيكان رافائيل تروخيو، والرئيس سوكارنو من إندونيسيا، فضلاً عن مساعدة وكالة الاستخبارات المركزية عام 1973، في تنظيم الإطاحة بالرئيس التشيلي سلفادور الليندي، الذي كان ينظر إليه على أنه يساري للغاية، لكنه توفي في يوم الانقلاب.
في شرق آسيا، استهدفت كوريا الشمالية رئيس كوريا الجنوبية بارك تشونغ هي عام 1968 في عملية (غارة البيت الأزرق) أملاً في إشعال ثورة شيوعية في كوريا الجنوبية بينما كانت الولايات المتحدة منشغلة بحرب فيتنام، حيث أرسلت القيادة الكورية الشمالية "الوحدة 124"، وهي فريق مكون من 31 عنصراً من القوات الخاصة المدربين تدريباً عالياً، للتسلل إلى سيول وقطع رأس الرئيس الكوري الجنوبي بارك تشونغ داخل مقر إقامته (البيت الأزرق).
فشلت العملية بإيقاف الكوماندوز على بعد مئات الأمتار فقط من البيت الأزرق، مما أدى إلى مطاردة مكثفة استمرت لأيام أدت إلى قتل جميع العناصر الكورية الشمالية تقريباً، إلى جانب عشرات الجنود والمدنيين الكوريين الجنوبيين، وبدلاً من إشعال ثورة أو إضعاف كوريا الجنوبية، أثارت الغارة غضباً شديداً لدى الشعب الكوري الجنوبي، وأدت إلى موجة هائلة من القومية المناهضة للشيوعية، ودفعت إلى عسكرة البلاد بصورة كبيرة، وإنشاء ميليشيات دفاع محلية قوامها الملايين، وإنشاء وحدات سرية نخبوية خاصة بكوريا الجنوبية لتهديد بيونغ يانغ.
تاريخياً، نادراً ما أدت عمليات اغتيال الزعماء إلى النتائج السياسية المرجوة من قبل مدبريها، بل غالباً ما خلقت أزمات وجودية وتصعيداً غير منضبط. وتعد هذه اللحظة الراهنة اختباراً دقيقاً لمدى تأثير التهديدات الكلامية على مسار العلاقات الدولية، حيث يراقب العالم ما إذا كانت هذه التراشقات ستتحول إلى واقع مأساوي أم تظل في إطار الحرب النفسية.
المصدر الأصلي: اندبندنت عربية
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.