إسطنبول / الأناضول

وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، في مقابلة مع قناة "سي إن إن تورك":

- الملف السلبي الوحيد ذو الصبغة المؤسسية والمزعج في الوقت الحالي هو عقوبات كاتسا

- رفع الحظر عن بيع طائرات إف 35 لتركيا أسهل من إعادة إشراكها في برنامج الإنتاج

- نظرة الرأي العام العالمي تجاه إسرائيل تغيرت، والتسامح تجاهها بسبب المحرقة قد زال

- رؤية "الملكية الإقليمية" التي تدافع عنها تركيا منذ فترة طويلة بدأت تجد صدى أكبر

- تركيا والسعودية ومصر وباكستان تهدف لتطوير علاقاتها وتعزيز استقرار الإقليم وإنتاج حلول للمشكلات

- اجتماع أحد أنجح التحالفات الأمنية بتاريخ البشرية بهذه المرحلة المفصلية سيجعل قمة أنقرة هي الأكبر بتاريخ الناتو

- ترامب يشارك بقمة الناتو المرتقبة في أنقرة لأنه تلقى الدعوة من الرئيس أردوغان، ولولا ذلك لما شارك فيها

- أوروبا التي خاضت حروبا فيما بينها تواجه اليوم تحديات ببناء منظومة دفاع مشتركة بحال تراجع الدور الأمريكي

- هناك مقولة تتردد في أوروبا والغرب مؤخرا، وهي أن تركيا أصبحت الشخص الراشد الوحيد في الغرفة

- أنقرة تتبع سياسة تقوم على القدرة على الحوار مع جميع الأطراف، وتعتبر الحوار أداة أساسية بسياستها الخارجية

- إدارة العلاقات بين أطراف متناقضة تُعد فنًا دبلوماسيًا، والقيادة التركية تمكنت من ذلك خلال العقدين الأخيرين

قال وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لديه إرادة قوية لرفع عقوبات "كاتسا" المفروضة على تركيا.

جاء ذلك في مقابلة على قناة "سي إن إن تورك" المحلية، مساء الخميس، أوضح فيها أن أنقرة تتخذ الخطوات اللازمة من أجل رفع العقوبات الأمريكية المفروضة بموجب قانون "كاتسا".

وفرضت الولايات المتحدة عقوبات على تركيا أواخر الولاية الرئاسية الأولى لدونالد ترامب، في إطار قانون مكافحة أعداء أمريكا "كاتسا"، الذي تم إقراره بالعام 2017، وذلك على خلفية حصول تركيا على أنظمة دفاع جوي من روسيا، بعد رفض إدارة الرئيس باراك أوباما بيع أنظمة مماثلة لأنقرة.

العلاقات التركية الأمريكية

وأشار فيدان إلى أن علاقات بلاده مع الولايات المتحدة شهدت على مر السنين تذبذبًا بين الصعود والهبوط، مؤكدًا في الوقت ذاته أن مجالات التجارة والاقتصاد والعلاقات الإنسانية والتعليم والتكنولوجيا تسير بشكل جيد للغاية.

وأضاف: "فيما يتعلق بالقضايا الجيوسياسية، ولا سيما التحول في السياسة الأمريكية تجاه سوريا الذي بدأ خلال عهد الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما، حيث تحولت المواجهة من مكافحة نظام بشار الأسد إلى مكافحة تنظيم داعش، وما رافق ذلك من دعم لتنظيم واي بي جي الإرهابي، ما شكّل تهديدًا للأمن القومي التركي".

وأوضح أن واشنطن تخلت رسميًا عن هذه السياسة مع الولاية الثانية للرئيس دونالد ترامب، مؤكدًا أن هذا التحول أزال أكبر نقطة خلاف بين تركيا والولايات المتحدة.

ولفت فيدان إلى تقاطع الأهداف الاستراتيجية لتركيا مع سياسات ترامب في ملفات مثل إنهاء الحرب في أوكرانيا، واستعادة الاستقرار في سوريا والعراق.

وأضاف أن "مسألة تحقيق السلام في لبنان تحظى بأهمية بالغة، وفي خطة غزة للسلام حظينا بفرصة العمل معًا إلى نقطة معينة لوقف الحرب. وحين تكون العلاقات التركية الأمريكية جيدة في قضايا محددة، فإن ذلك ينعكس إيجابًا على الاستقرار الإقليمي".

عقوبات "كاتسا"

وأكد فيدان أن تركيا تتخذ خيارات واعية وتخوض مفاوضات مدروسة بما يتماشى مع أهدافها، لافتًا إلى وجود قضايا لم تُحل بعد عبر الكونغرس الأمريكي، مثل عقوبات "كاتسا".

وتابع قائلًا: "يمكن اتخاذ قرارات محددة بشأن تركيا من وقت لآخر، لكن الملف السلبي الوحيد ذو الصبغة المؤسسية والمزعج في الوقت الحالي هو عقوبات كاتسا".

ولفت إلى أن العقوبات المفروضة على تركيا من قبل العديد من الدول رُفعت خلال السنوات الثلاث أو الأربع الماضية، واصفًا إياها بأنها "لم تكن قانونية بل إدارية".

وقال إن ملف "كاتسا" لا يزال قائمًا، وإن تركيا تتخذ الخطوات اللازمة في هذا الصدد، نظرًا لوجود إرادة قوية لدى كل من الرئيس رجب طيب أردوغان وترامب لرفعه.

وأوضح أنه "عندما التقى الزعيمان في واشنطن في سبتمبر/أيلول 2025، أعربا عن إرادتهما المشتركة بهذا الشأن، وصدرت التوجيهات للوزراء للعمل على حل هذه المشكلة، وأنا ووزير الدفاع نواصل عملًا مكثفًا في هذا الصدد".

ورداً على سؤال حول موعد رفع عقوبات "كاتسا"، قال فيدان: "هناك خطوات وسياقات عمل جارية، وبمجرد دخولها حيز التنفيذ سيلمس الرأي العام ذلك بالتأكيد".

وأشار إلى أن الوفاء بالإجراءات الإدارية وتوقيت استكمال العملية التشريعية في الكونغرس الأمريكي قد لا يتطابقان دائمًا، مضيفًا أنه لا توجد مشكلة في الإرادة السياسية على المستوى الإداري لدى الحكومتين.

وقال: "نعمل بجدية من أجل رفع العقوبات المفروضة على تركيا بشكل عام، وملف كاتسا له شق قانوني تشريعي، وقد حققنا تقدمًا في ملفات أخرى مثل قضية مصرف خلق بنك وغيرها".

وانتقد فيدان امتناع واشنطن عن بيع الأسلحة لتركيا، قائلًا إنه "لا يوجد أي مبرر يمكن لإدارة ترامب تقديمه لتفسير عدم بيع الأسلحة والذخيرة لتركيا، في وقت تبيع فيه كميات كبيرة لدول ليست أعضاء في الناتو".

وأفاد بأن "بعض الأفكار السياسية التي تشكلت عبر سنوات ضد تركيا لا تزال تؤثر في هذه القضايا، ونعمل على حلها".

وأكد أن هناك نقاط اختلاف مع الولايات المتحدة في بعض القضايا الإقليمية، إلا أنه يمكن مناقشتها.

برنامج مقاتلات إف 35

وفي ما يتعلق بعودة تركيا إلى برنامج طائرات "إف-35"، قال فيدان إن هناك فرقًا بين رفع حظر البيع وبين العودة إلى برنامج الشراكة التصنيعية، مشيرًا إلى أن القرار الأول أسهل نسبيًا لأنه إداري، بينما الثاني يرتبط بقرار الكونسورتيوم الشركاء.

وأوضح أن العودة إلى البرنامج تتطلب قرارًا جديدًا من الشركاء، مذكّرًا بأنه تم سابقًا استبعاد تركيا منه.

إسرائيل مشكلة العالم بأسره

وقال وزير الخارجية التركي إن نظرة الرأي العام العالمي تجاه إسرائيل تغيرت، وأنها باتت مشكلة العالم بأسره.

وأضاف: "كانت إسرائيل بمثابة عبء على ضمير أوروبا بسبب المحرقة اليهودية، واستغلت ذلك إلى أبعد حد، ولهذا كان هناك تسامح غير محدود تجاه إسرائيل، أما الآن فنرى أن هذا التسامح قد زال".

وردًا على سؤال بشأن دور تركيا في الوساطة خلال الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، وصف فيدان تلك المرحلة بأنها "مكثفة وحرجة ومفتوحة على المخاطر"، نظرًا إلى احتمال اتساع نطاق الحرب.

وأكد أنهم كانوا في سباق مع الزمن خلال تلك الفترة من أجل وقف الحرب، مشيرًا إلى أن سماع صوت الفاعلين الموثوقين لدى الطرفين في مثل هذه الحالات يمثل حاجة لا غنى عنها.

وشدد على أن تركيا واصلت جهودها الدبلوماسية دون انقطاع طوال فترة التوتر بين الأطراف، مضيفًا: "شخصية الأمين والشريك الموثوق والصادق التي شكّلها رئيسنا رجب طيب أردوغان على مدى سنوات عبر خط ثابت وذو رؤية، أدت هنا دورًا جادًا للغاية".

ولفت وزير الخارجية إلى أن أنشطة الوساطة التي قامت بها باكستان وقطر وتركيا في هذا الإطار كانت مهنية ومنسقة جدًا، وقال: "في الحرب الروسية الأوكرانية، لا تسير الأمور نحو نتيجة، لكن في الحرب الأمريكية الإيرانية كان من الممكن في فترة قصيرة جدًا وفي حرب شديدة الكثافة إلى هذا الحد أن يتم التوصل على الأقل إلى وقف لإطلاق النار، والمفاوضات الأساسية مستمرة حاليًا للوصول إلى حل دائم، ونأمل أن يتم التوصل إلى شيء هناك أيضًا".

وردًا على سؤال حول تأثير إسرائيل في المحادثات بين إيران والولايات المتحدة، قال فيدان: "إسرائيل، وفق تعريف المجتمع الدولي هي للأسف دولة مخربة للنظام ويديرها عصابة فقدت صوابها وتجلب إلى كل مكان عدم الاستقرار والظلم والدم والمجازر".

وأوضح أن هناك إلى حد كبير توافقًا في المجتمع الدولي حول طبيعة السياسات التي تتبعها إسرائيل، وأن "صورة إسرائيل" التي بُنيت على مدى سنوات جعلت من الصعب على كثير من الدول رؤية المشهد الحقيقي لفترة طويلة.

وأشار فيدان إلى أن آليات اتخاذ القرار السياسي في الولايات المتحدة ذات بنية معقدة للغاية.

وأردف: "الجميع يعرف كيف تتشكل الآليات السياسية في الداخل الأمريكي. هناك آليات بنيوية معقدة جدًا، وهناك نظام تلاعبي شُكل عبر (الصهاينة)، والشخص الذي يخرج من داخل ذلك النظام، ولكي يستمر في البقاء فيه، يجب أن يظهر نشاطًا في خدمة بعض أهداف الصهيونية التي تعد من متطلبات النظام، وهذه مشكلة بنيوية عليهم أن يحلوها فيما بينهم".

وفي إشارته إلى العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل، ذكر فيدان أن السياسيين في الولايات المتحدة يدعمون إسرائيل ما دامت تخدم مصالحهم، لكن المصلحة مضت في هذا المسار لفترة طويلة إلى درجة أن تطابق المصلحة مع دعم إسرائيل تحول إلى قبول دائم لها.

وأعرب فيدان عن قناعته أن سياسة إسرائيل في المنطقة لن تتغير، مضيفًا: "ما دام بنيامين نتنياهو وعصابته هناك، لا أعتقد بأن هذا الموقف السياسي سيتغير، وهذا ما يؤمنون به، حيث هيأوا أنفسهم منذ سنوات لما يلي: ليست لدينا فرصة للنجاح في المنطقة ما لم نزعج دول المنطقة، ونقسّمها ونضعفها ونقتل الناس".

وأشار الوزير إلى أن العداء لإسرائيل يتزايد في كل مكان حول العالم من الجامعات إلى الصحف، وقال: "إنهم (الإسرائيليين) يرتكبون المجازر أمام أعين الجميع ويلعبون دورًا مزعزعًا للاستقرار في كل مكان أمام الجميع، وكانوا في السابق قادرين على إخفاء هذا الدور المزعزع للاستقرار عبر خطوة أو خطوتين إعلاميتين بسيطتين، أما الآن فلم يعودوا قادرين حتى على إخفائه".

وأوضح أن إدارة تل أبيب تبحث عن عدو جديد من أجل تغيير صورتها المتآكلة، مضيفًا: "ما دامت إسرائيل أو أي فاعل آخر يتعارض مع مصالحنا الوطنية والإقليمية، فليس لدينا ما يجعلنا نخاف من أحد أو نتردد أو نتراجع، لا توجد مشكلة بالنسبة إلينا. المواجهة من صلب عملنا، ولا مشكلة في ذلك، وما المشكلة؟ المشكلة أن إسرائيل ليست مشكلتي وحدي، بل مشكلة العالم".

وشدد فيدان على أن إسرائيل أصبحت مشكلة مشتركة للمجتمع الدولي بأسره وليس تركيا لوحدها، وتابع قائلًا: "هؤلاء أصبحوا عبئًا لم تعد الإنسانية قادرة على حمله، وبسياساتهم وعقليتهم هذه لم تعد الإنسانية قادرة على حملهم، فالضمير الإنساني لا يستطيع تحمل ذلك، والأنظمة السياسية والاقتصادية لا تستطيع تحمله".

وتابع: "أيًا كان النظام الذي تنظرون من خلاله، لا توجد معايير قادرة على حمل هؤلاء، لذلك نحن نقول دائمًا للمجتمع الدولي عندما يسألونني ’لماذا تجعلونها مشكلتي وحدي؟’ قد أكون الدولة الوحيدة القادرة على الاعتراض والتحدث بصوت مرتفع، لكن هذه المشكلة مشكلتكم جميعًا، وإذا كنتم تريدون أن أحل وحدي مشكلة الجميع بينكم، فعلى الجميع أن يأتي ويساهم ويتخذ موقفه الدبلوماسي ويفرض العقوبات اللازمة عليهم".

وفي هذا السياق، تطرق فيدان إلى قرار تركيا بوقف حجم التجارة مع إسرائيل البالغ نحو 10 مليارات دولار، مؤكدًا أن هذه الخطوة لا تهدف إلى إسقاط الاقتصاد الإسرائيلي مباشرة، بقدر ما تهدف إلى توجيه رسالة سياسية قوية.

ولفت إلى أن الدول الأوروبية فرضت للمرة الأولى في التاريخ قيودًا على بيع الأسلحة لإسرائيل، مضيفًا: "هذا يحدث للمرة الأولى، إذ كانت إسرائيل بسبب المحرقة اليهودية بمثابة عبء على ضمير أوروبا، وقد استغلت إسرائيل ذلك إلى أبعد حد، ولهذا كان هناك تسامح غير محدود تجاه إسرائيل، أما الآن فنرى أن ذلك التسامح قد زال، وباتت تُفرض الآن قيود سفر على السياسيين المتطرفين في إسرائيل ولا سيما بسبب سياساتهم في الضفة الغربية، وتصدر بحقهم قرارات اعتقال، كما أصدرت المحكمة الجنائية الدولية قرار توقيف بحق (رئيس الوزراء بنيامين) نتنياهو ورفاقه، أي إن الإنسانية والمجتمع الدولي يضعان في الواقع ما بوسعهما في نقطة معينة".

وأشار فيدان إلى وجود نقاشات مكثفة داخل الاتحاد الأوروبي بشأن اتخاذ موقف أكثر صرامة تجاه إسرائيل.

وقال: "لا أعتقد أن أمورهم ستكون بهذه السهولة بعد الآن، إذ لم يعودوا في وضع يسمح لهم بالمضي بهذه السهولة، ووصلوا إلى نهاية الطريق الذي كانوا متجهين إليه، فإسرائيل أطلقت النار على قدمها، ونتنياهو ارتكب أكبر إساءة بحق مجتمعه أيضًا".

قمة الناتو المقبلة هي الأكبر في تاريخ الحلف

وأشار فيدان إلى أهمية استضافة أنقرة لقمة حلف شمال الأطلسي "الناتو" المزمع عقدها في أنقرة يومي 7 و8 يوليو/ تموز الجاري.

وأضاف: "كانت القمة ستُعقد في جميع الأحوال، لكن حضور الولايات المتحدة، بوصفها الدولة المؤسسة والموجهة والحاملة للحلف، وكذلك إعلان الرئيس دونالد ترامب مشاركته، يعد بحد ذاته الحدث الأبرز".

ولفت إلى أن قرار الرئيس ترامب المشاركة في القمة التي تستضيفها تركيا برئاسة الرئيس رجب طيب أردوغان، يأتي في ظل إعادة الولايات المتحدة، خلال ولاية ترامب، تعريف دورها في العالم، وما يرافق ذلك من تغير في العلاقات عبر الأطلسي، إضافة إلى شعور أوروبا بأنها تواجه أكبر تهديد منذ الحرب العالمية الثانية.

وأفاد فيدان بأن تركيا تلقت تأكيدا بمشاركة ترامب في القمة وأردف: "هذا بحد ذاته خبر مهم وإيجابي للغاية بالنسبة إلى حلف الناتو. كما أضافوا أمرا آخر، وهو أن ’السيد ترامب يشارك لأنه تلقى الدعوة من الرئيس أردوغان، ولو لم يكن الرئيس أردوغان هو من وجه الدعوة، لما شارك في القمة‘. لقد أصبحت هذه بالفعل معادلة استراتيجية بالغة الأهمية".

وأشار إلى أن هذه المعادلة تؤدي دورا حيويا في ظل التحديات الراهنة والصراعات والأزمات والتحولات وإعادة الترتيب داخل الحلف.

وأردف: "بطبيعة الحال، فإن الرؤية التي وضعها رئيس جمهوريتنا للقيادة العالمية على مدى سنوات، وشبكة العلاقات التي بناها، والثقة التي رسخها، والمكانة التي يحظى بها لدى الآخرين، إلى جانب المكانة التي وصلت إليها تركيا، كلها عوامل بالغة الأهمية".

وتطرق فيدان إلى الهجمات الروسية على أوكرانيا، وإعادة الولايات المتحدة تعريف نفسها، والحروب التجارية، وعوامل أخرى، دفعت إلى أن تصبح الصين قوة عظمى لا يمكن وقفها.

وأوضح أن العالم يشهد إعادة توزيع للتكنولوجيا، والذكاء الاصطناعي، والأسواق، ورؤوس الأموال، إلى جانب تحولات في موازين القوى.

وأردف: "برأيي، فإن اجتماع أحد أنجح التحالفات الأمنية في تاريخ البشرية في هذه المرحلة المفصلية، التي يسودها هذا القدر من الغموض، سيجعل من قمة أنقرة أكبر قمة في تاريخ الناتو".

وأشار إلى أنه لم يسبق أن شهد العالم مرحلة يتقاطع فيها هذا العدد من الأزمات الكبرى في وقت واحد، معربا عن أمله في ألا تتكرر مثل هذه المرحلة.

وتابع: "وجود تركيا في قلب هذه التطورات، وإدارتها لها، وتحملها هذا العبء، ليس بالأمر السهل".

ولفت إلى أن القيادة بعيدة المدى للرئيس أردوغان، وخبرته المتراكمة في التعامل مع مختلف القضايا الدولية، وما خاضه من تحديات داخلية وخارجية، منحته رؤية واقعية بشأن اتجاه العالم وما ينبغي أن يكون عليه، مشيرا إلى هذه ميزة نادرة، لأن كثيرا من القادة لا يمتلكون مثل هذه الخبرة، وبناء الرؤية والوعي القيادي عملية تستغرق سنوات طويلة.

وأكد فيدان أن تركيا تمتلك كذلك كوادر مؤهلة، قائلا: "لذلك أرى أن اضطلاع تركيا بهذا الدور الحاسم من أجل السلام العالمي وأمن منطقتنا في هذا التوقيت أراه أمرا بالغ الأهمية".

وأوضح أن الناتو يتكون عمليا من ثلاث مجموعات رئيسية: الولايات المتحدة، ودول الاتحاد الأوروبي، ثم بقية الدول الأعضاء.

وأضاف: "من المهم أن تجتمع هذه الدول في أنقرة في وقت تعيد فيه تعريف علاقاتها ببعضها البعض، وتواجه تهديدات مختلفة وتدير مسارات تنموية واقتصادية متباينة، بهدف التوفيق بين وجهات النظر المختلفة".

وأكد أن أنقرة ستكون المكان الذي سيُعرَّف فيه ويُعتمد مفهوم "الناتو 3.0".

وأوضح أن نظام تقاسم الأعباء الذي تأسس منذ الحرب العالمية الثانية وحتى العام 2026 لم يعد كما كان، وأردف: "نحن بصدد تغيير منظومة الأمن الأوروبية التي كانت الولايات المتحدة تتحمل العبء الأكبر فيها. وهذا ليس قرارا فرضته واشنطن وحدها، بل أصبح قناعة مشتركة لدى الدول الأوروبية التي ترى ضرورة تقليل الاعتماد على الولايات المتحدة وتحمل مسؤولياتها بنفسها".

وأشار إلى أن مسألة تخصيص 5 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي للإنفاق الدفاعي تمثل قضية محورية، لافتا إلى أن قبول جميع الدول بهذا المبدأ والالتزام به مستقبلا يحمل أهمية بالغة في إطار تقاسم الأعباء.

وأضاف أن من أسباب وصف قمة أنقرة بالتاريخية إدراج "منتدى الصناعات الدفاعية" لأول مرة ضمن البرنامج الرسمي للناتو، وتنظيمه بهذا الحجم، بما يعكس المكانة المحورية للصناعات الدفاعية التي أصبحت ركيزة أساسية في الاستراتيجيات الأمنية العامة.

الأمن في المرحلة الجديدة

وشدد فيدان على أن هذا التحول يمثل أيضا تغييرا جوهريا في التفكير الاستراتيجي، وسيكون من أبرز مخرجات القمة.

وأوضح أن التغييرات التي ستنعكس على تركيا في المرحلة الجديدة ما تزال في طور التشكل.

وأكمل: "النقاشات السياسية تتقدم على التطبيق العملي، لكننا نرى بوضوح أن مجالا واسعا للتعاون في الصناعات الدفاعية سيفتح، إلى جانب تصاعد المنافسة، ما يفرض علينا إدارة التعاون والمنافسة بالتوازي، كما أن طبيعة التهديدات ستتغير، ويتعين علينا التعامل معها بالشكل المناسب".

وأكد أن الثقة المطلقة تمثل العنصر الأهم في أي تعاون دفاعي، مشيرا إلى أن التساؤلات حول الهيمنة تظهر دائما عند بناء الشراكات الدفاعية، حتى داخل الاتحاد الأوروبي.

وأضاف أن الاعتماد الكامل على الذات في المجال الدفاعي يضمن عدم ترك الأمن بيد الآخرين، أما عند تقاسم الأعباء الدفاعية، فينبغي تحديد القدرات التي ستمتلكها كل دولة.

ولفت إلى أن الدول الأوروبية التي خاضت حروبا فيما بينها عبر التاريخ تواجه اليوم تحديات حساسة في بناء منظومة دفاعية مشتركة في حال تراجع الدور الأمريكي.

وأكد أن تركيا والرئيس أردوغان لديهما إرادة واضحة للاضطلاع بدور فاعل في ترسيخ الأمن الإقليمي.

وأشار إلى أن الأوروبيين يختلفون في كيفية صياغة هذه السياسة وتحويلها إلى استراتيجيات قابلة للتطبيق، مبينا أن الاتحاد الأوروبي يتجه بصورة متزايدة نحو سياسات حمائية في مبادرات مثل "العمل الأمني الأوروبي" ومشروع "صنع في أوروبا".

وأوضح أن الجانب الإيجابي للحمائية يتمثل في إبقاء الأموال داخل أوروبا، بينما يؤدي جانبها السلبي إلى تقليص المنافسة.

وأضاف أن أوروبا لن تتمكن من منافسة دول مثل الصين دون اللجوء إلى الحمائية، لكنه حذر من أن هذه السياسات قد تنقلب عليها مستقبلا.

وقال إنه أوضح لمسؤولي الاتحاد الأوروبي أن إقامة شراكة اقتصادية مع تركيا ستؤدي إلى إنشاء سوق تضم نحو 500 مليون نسمة.

وواصل: "أعتقد أن الاتحاد الأوروبي قد يتمكن على المدى القصير من حماية بعض قطاعاته عبر سياسات الحمائية والانكفائية، لكن ذلك قد لا يكون فعالا على المدى الطويل، لأنه لا توجد حتى الآن وصفة واضحة لمنافسة الصين التي تمتلك قدرات إنتاجية منخفضة الكلفة ومدعومة حكوميا".

العلاقات عبر الأطلسي

وأوضح فيدان أن من المهم ألا تنزلق الولايات المتحدة وأوروبا إلى الصدام، رغم استمرار عوامل الخلاف بينهما.

وأكد أن الرئيس أردوغان يحظى بثقة جميع القادة ويُنظر إليه باعتباره شخصية حكيمة وموثوقة.

وأضاف: "هناك مقولة تتردد في أوروبا والغرب مؤخرا، وهي أن تركيا أصبحت الشخص الراشد الوحيد في الغرفة"، مشددا على أهمية أن تواصل أنقرة أداء دور يدعم السلام والاستقرار والتعاون وخفض التوتر.

وأشار إلى أن النقاشات الواقعية بين الحلفاء تبقى دائما صحية، مضيفا: "ينبغي ألا يخفي أحد ما يفكر فيه. ليتناقشوا خلف الأبواب المغلقة، لكن عندما يخرجون، يجب أن يواصلوا توجيه رسالة موحدة، سنشجع على ذلك، فاستراتيجيتنا مبنية على هذا الأساس".

رؤية تركيا للملكية الإقليمية

وقال فيدان إن رؤية "الملكية الإقليمية" التي تدافع عنها تركيا منذ فترة طويلة بدأت تجد صدى أكبر بشكل متزايد، مشددًا على ضرورة أن تُحل مشكلات المنطقة من قبل دول المنطقة نفسها.

وأوضح أن مجموعة الاتصال المكونة من 8 دول، التي أُنشئت في مسار غزة، أتاحت للمرة الأولى للدول العربية والمسلمة غير العربية تطوير مبادرة إقليمية مشتركة، مشيرًا إلى أن الموقف المشترك الذي أبدته دول المنطقة بعد التطورات التي شهدتها سوريا في 8 ديسمبر/ كانون الأول 2024 يمثل مثالًا ناجحًا على هذا الفهم.

وأفاد وزير الخارجية بأنهم يعملون في إطار الآلية الرباعية التي تضم تركيا والسعودية ومصر وباكستان، مبينًا أن هذه الدول تهدف إلى تطوير علاقاتها وتعزيز الاستقرار الإقليمي وإنتاج حلول مشتركة للمشكلات المشتركة.

وشدد فيدان على أن الدول الأربع تتمتع بثقل جيوسياسي مهم في مناطق جغرافية مختلفة، مؤكدًا أن جميع الأطراف لديها فهم مشترك بشأن الحاجة إلى التنمية الاقتصادية والاستقرار والسلام الإقليمي.

وأشار إلى أن قادة الدول المذكورة توصلوا إلى توافق مبدئي في هذا الاتجاه، وكلفوا وزراء الخارجية بدفع العمل قدمًا، لافتًا إلى أن الآلية الرباعية اجتمعت حتى الآن 4 مرات من أجل هذا الهدف.

وذكر فيدان أنه جرى بحث كيفية تشكل البنية الأمنية والنظام الجديد في المنطقة في حال التوصل إلى اتفاق دائم بين الولايات المتحدة وإيران، لافتًا إلى أن تركيا كانت أول دولة أطلقت هذا النقاش.

وأكد أن أولوية دول المنطقة هي التنمية الاقتصادية والرفاه، إلا أن الإرهاب والسياسات التوسعية الإسرائيلية والأزمات الإقليمية الأخرى لا تزال تشكل أبرز المشكلات المنتجة لعدم الاستقرار.

وأوضح فيدان أن الآلية الرباعية لا تمثل هذه الدول الأربع وحدها، بل تمثل بشكل غير مباشر دولًا إقليمية أخرى تقع ضمن نطاق تأثيرها.

وقال: "إن مجرد اجتماع هذه الدول الأربع وحديثها حول ملف ما يشكل بحد ذاته مرحلة مهمة من حيث الرمزية السياسية، وأنا أؤمن صراحة بأن هذه المرحلة ستتطور تدريجيًا إلى آلية أكثر استراتيجية وأكثر قدرة على إنتاج النتائج، ورؤية رئيسنا أردوغان أيضًا في هذا الاتجاه".

ولفت فيدان إلى أن تركيا لا تحصر فهمها للملكية الإقليمية في الشرق الأوسط فقط، مضيفًا: "نقوم بالشيء نفسه في القوقاز عبر تفعيل صيغة 3+3، أو عبر العمل مع 3 دول، ونفعل الشيء نفسه في البلقان، ونسعى لفعل الشيء نفسه في إفريقيا، فهذا هو نهجنا تجاه جميع المشكلات في الأحواض الاستراتيجية التي نوجد فيها".

قدرة تركيا على الحوار مع جميع الأطراف

وبخصوص عقد تركيا اجتماعًا مع روسيا واستضافة قمة الناتو في الوقت نفسه، وما إن ذلك يمثل "توازنا اضطراريا" بالسياسة الخارجية أم أنه نتيجة سياسة تتيح لتركيا التحدث مع الجميع، قال فيدان إن الخيار الثاني هو الصحيح.

وأوضح أن أنقرة تتبع سياسة تقوم على القدرة على الحوار مع جميع الأطراف، بل وتعتبر "الحوار" الأداة الأساسية في سياستها الخارجية.

وأضاف أن الدبلوماسية الجيدة تمنع انتقال أعباء المشاكل إلى الجيش أو الاقتصاد، متسائلًا: "لماذا نلجأ إلى طرق أخرى إذا كان هناك مسار يمكن حله عبر التفاوض؟".

وشدد على ضرورة الاستعداد لاستخدام وسائل أخرى عند الحاجة، مشيرًا إلى أن إحدى أبرز سمات قيادة الرئيس أردوغان هي عدم تقديس أي أسلوب بعينه، والتركيز على تحقيق النتائج.

ولفت إلى أن أردوغان يعتمد في سياسته الخارجية على الوصول إلى "النتيجة" دون تردد أو قيود مسبقة، وأنه لا يتردد في استخدام الدبلوماسية كأداة أساسية لتحقيق المصالح الوطنية التركية.

وشدد على أن تركيا لا ترى نفسها ملزمة باتخاذ مواقف عدائية تجاه أي دولة فقط لأنها تُعد خصمًا لدولة أخرى، بل تتعامل مع العلاقات الدولية وفقًا لمصالحها الخاصة، وتحدد أصدقاءها وخصومها بشكل مستقل.

وأفاد فيدان بأن القرارات التي تتخذها أوروبا بشأن روسيا تتضمن مواقف متعددة، منها ما تؤيده تركيا أو تلتزم فيه الحياد أو تعارضه، مشددًا على أنهم عند اتخاذ كل هذه المواقف يضعون المصالح الوطنية في الاعتبار.

وأضاف أن لتركيا علاقات متعددة ومتوازنة تشمل روسيا وإيران وأوروبا وحلف الناتو وآسيا والمحيط الهادئ، مؤكدًا أن هذا التنوع قد يخلق توترًا لكنه يُدار عبر قيادة سياسية فعالة، ولهذا السبب هناك حاجة لاستمرار الرئيس أردوغان مرة أخرى.

فن دبلوماسي

وأشار فيدان إلى أن إدارة العلاقات بين أطراف متناقضة تُعد "فنًا دبلوماسيًا"، وأن القيادة التركية الحالية تمكنت من ذلك خلال العقدين الأخيرين.

وفيما يخص العلاقات مع روسيا، أوضح أن الرئيس أردوغان على تواصل دائم مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين، وأنه ينقل الرسائل بين الجانبين ضمن إطار دبلوماسي نشط يشمل ملفات أوكرانيا والقوقاز وفلسطين وسوريا وغيرها.

وفيما يتعلق بالحرب الروسية الأوكرانية، نقل فيدان عن بوتين قوله إنه يتمسك بما تم الاتفاق عليه مع الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب في ألاسكا.