ألقت الدعوى القضائية التي رفعتها نجل الدكتور صديق عفيفي، مؤسس ورئيس مجلس إدارة جمعية أكاديمية طيبة المتكاملة للعلوم والخدمات، للمطالبة بالحجر عليه، الضوء مجدداً على معارك الميراث والنزاعات المالية داخل العائلات والبيت المصري البارز، في ظل تكرار مثل هذه القضايا القانونية المرتبطة برموز العائلات الكبرى.

تأتي هذه القضايا لتسلط الضوء على التعقيدات المرتبطة بإدارة المؤسسات العائلية الكبرى في مصر عندما تتداخل المصالح الاقتصادية مع الروابط الأسرية.

وأفادت تقارير إعلامية محلية بأن القضاء المصري قد نظر، الأربعاء، في دعوى الحجر المرفوعة من قبل نجل الأكاديمي ورجل الأعمال صديق عفيفي، بالتزامن مع تداول صور على منصات التواصل الاجتماعي توثق لحظة وصول رجل الأعمال إلى قاعة المحكمة مستعيناً بمساعديه.

وكان الدكتور صديق محمد عفيفي صديق، قد تقدم من قبل بطلب رسمي إلى لجنة فض المنازعات بوزارة التعليم العالي والبحث العلمي، للطعن على قرارين بتعيين نجلته رئيسة لمجلس إدارة معهدي طيبة العالي للهندسة والحاسب الآلي بالمعادي، مؤكداً وفق وسائل إعلام محلية «أنهما صدرا بناءً على جمعية عمومية باطلة عقدها أحد الأعضاء دون وجه حق».

ونشرت وسائل إعلام محلية أحاديث للدكتور صديق عفيفي يصف ابنه بأنه «عاق»، وتحدثت عن خلافات حول ملايين الجنيهات في المؤسسات التي يرأسها والتي حاول أبناؤه عزله منها، بينما يدفعون هم في بلاغات بأن هناك أشخاصاً يستغلون حالة الوالد الصحية، وتقدمه في العمر (84 عاماً) ويستحوذون على أسهم من الشركات والمؤسسات التي يساهم فيها.

خلافات أسرية في عائلة الدكتور صديق عفيفي المتخصص في التعليم (متداولة على إكس)
خلافات أسرية في عائلة الدكتور صديق عفيفي المتخصص في التعليم (متداولة على إكس)

وأقام حفيد الدكتورة نوال الدجوي، وهي من رواد التعليم الخاص في مصر، قضية مشابهة أمام محكمة الأسرة بالقاهرة الجديدة، يطالب بالحجر على ممتلكاتها، بدعوى تدهور حالتها الصحية، وفي الجلسة الأخيرة، لم يقدّم أي من الطرفين مستندات تفيد بوجود تصالح، مما دفع المحكمة إلى تأجيل الفصل في الدعوى ومنح الطرفين الفرصة لإثبات مواقفهم. وفي النهاية تم رفض الدعوى، إلا أن الحفيد استأنف على الحكم.

وجاء ذلك بعد القضية المعروفة إعلامياً بـ«سرقة أموال نوال الدجوي»، وتنازلت نوال الدجوي عن البلاغ المقدم ضد أحفادها، ورفضت توجيه أي اتهام لهم، حرصاً منها على تماسك الأسرة وحماية روابط القربى، كما ورد في التحقيقات وقتها.

من جانبها، تعتبر الخبيرة القانونية هبة عادل، التي ترأس مبادرة المحاميات المصريات لحقوق المرأة، أن الارتفاع الملحوظ في الخلافات القضائية ضمن الأسر المالكة للاستثمارات والثروات يبرز بوضوح ضرورة نشر وعي قانوني متقدم لتنظيم وإدارة الملكية وتناقلها.

وتضيف هبة عادل لـ«الشرق الأوسط» أن «الأهم من الواقعة ذاتها هو ما تكشفه من تحديات قانونية واجتماعية تتعلق بإدارة الثروة داخل الأسرة».

وأوضحت هبة عادل أنه «من الناحية القانونية، فإن إقامة الدعوى أمام القضاء لا تمثل في ذاتها دليلاً على صحة أي ادعاء، كما لا يجوز أن تتحول المنازعات المنظورة إلى مادة لإصدار الأحكام عبر وسائل الإعلام أو مواقع التواصل الاجتماعي، لأن القول الفصل يظل للقضاء وحده، بعد فحص الأدلة وسماع دفاع جميع الخصوم».

كما أن كثيراً من النزاعات التي تُوصف إعلامياً بأنها «صراعات إرث»، وفق هبة، لا تكون في حقيقتها منازعات على الميراث بالمعنى القانوني الدقيق، وإنما قد تدور حول الملكية، أو إدارة الشركات العائلية، أو صحة التصرفات القانونية، أو حقوق الشركاء، أو التصرف في الأموال قبل انتقالها بالإرث.

نوال الدجوي (فيسبوك)
نوال الدجوي (فيسبوك)

وقبل سنوات دخل الفنان المصري رشوان توفيق في نزاع قضائي مع ابنته الصغرى التي اعترضت على قيامه بتوزيع ميراثه في حياته، واعتبرت القسمة غير عادلة، وطالبت بإلغاء توكيلين حررتهما لوالدها ليتصرف في ممتلكاتها دون الرجوع إليها، وعندما خرجت القضية للفضاء الإعلامي نفى توفيق أن تكون «قضية حجر»، ولكنه أبدى حزنه الشديد لوصول الخلاف بينه وبين ابنته للمحاكم.

واعتبرت الخبيرة القانونية هبة عادل أن «حماية الثروة العائلية لا تبدأ عند نشوء النزاع، وإنما قبل ذلك بسنوات، من خلال الحوكمة الرشيدة للشركات العائلية، وتوثيق التصرفات القانونية، وتنظيم العلاقة بين أفراد الأسرة بعقود واضحة، والالتزام بقواعد الإفصاح والشفافية، بما يقلل من احتمالات الخصومة».

ودعت في تلك الحالات إلى «احترام سرية الخصومة، وعدم استباق الأحكام القضائية»، واعتبرتهما يمثلان «ضمانة أساسية لتحقيق العدالة، إذ إن استقلال القضاء يقتضي أن تُترك المحاكم لتباشر دورها بعيداً عن الضغوط الإعلامية أو محاولات التأثير في الرأي العام»، وفق قولها. مؤكدة أن تنامي هذا النوع من الدعاوى يمثل دعوة لإعادة نشر الثقافة القانونية داخل المجتمع، ولا سيما بين أصحاب الشركات العائلية والاستثمارات الكبرى.

فيما ترى أستاذة علم الاجتماع بجامعة عين شمس، الدكتورة سامية خضر صالح، أن «مثل هذه القضايا والنزاعات الأسرية تظل محدودة ومحصورة في الأسر الشهيرة إلى أن تظهر في العلن مع رغبة أحد الأطراف الظهور على سطح المجتمع وتحويلها لقضية عامة».

وتضيف سامية صالح لـ«الشرق الأوسط» أن «هذه الأسر الشهيرة سواء التربوية أو غيرها المفترض أنها تمثل قدوة ونموذجاً للقيم المجتمعية وليس ذلك خللاً في منظومة القيم عبر قضايا (الحجر) والنزاعات القانونية حول الأموال والإرث»، ولفتت إلى أن مثل هذه القضايا تعكس غياب قيم أسرية مهمة في هذه الأوساط التي تعتبر «نخبوية»، ويمتد أثرها إلى شرائح أخرى تستند إلى مثل تلك الحالات بفساد القيم المجتمعية ومحاولة تقليدهم.

وتبرز هذه النزاعات المتكررة التحديات الجسيمة التي تواجه استمرارية الكيانات الاقتصادية الكبرى، لا سيما عندما يتقاطع مصير الشركات العائلية مع الخلافات الشخصية والمسائل الصحية للمؤسسين. وتؤكد هذه التطورات أهمية وجود أطر مؤسسية واضحة لإدارة الثروات العائلية تفصل بين الروابط الأسرية وإدارة الأعمال لضمان استقرار الأسواق وحماية المؤسسات.