كيف ننقذ محيطاتنا؟ 5 طرق يقدمها اثنين من كبار دعاة حماية البيئة البحرية
Credit: Rolex/Tim McKenna

(CNN) -- تحمل سيلفيا إيرل ألقابًا عديدة: عالمة محيطات، وأحيائية بحرية، و'سيدة الأعماق'. لكن ربما أكثرها دفئًا هو لقب 'أخت المحيط'، كما يطلق عليها صديقها ورفيقها في الحفاظ على البيئة البحرية تيتوان بيرنيكوت.

تُشكل المحيطات أكثر من 70% من سطح الأرض وتلعب دورًا حيويًا في تنظيم المناخ ودعم الحياة، لكنها تواجه تهديدات متزايدة من الاحتباس الحراري والتلوث والصيد الجائر.

المحيطات
ما بدأ كرؤية إيرل لإلهام جهود حماية المحيطات قبل نحو 20 عامًا، نما ليصبح شبكة عالمية من المدافعين عن المحيطات. واليوم، تدعم مؤسسة "Mission Blue" أكثر من 170 موقعًا للأمل في 116 دولة.Credit: Taylor Griffith

اليوم، وقد بلغت التسعين من عمرها، أمضت إيرل أكثر من 7 عقود في استكشاف المحيطات والدفاع عن حمايتها، بدءًا من توثيق النباتات المائية، وصولًا إلى ريادة أبحاث أعماق البحار.

كانت إيرل رائدة في مجالها؛ ففي عام 1979 سجلت رقمًا قياسيًا لأعمق مشي على قاع المحيط مرتدية بدلة غوص مستقلة، وفي 1990 أصبحت أول امرأة تتولى منصب كبيرة العلماء في الإدارة الوطنية الأمريكية للمحيطات والغلاف الجوي.

المحيطات
يقوم تيتوان بيرنيكوت وسيلفيا إيرل بفحص المرجان الذي ينمو في مشتل تحت الماء في تايلاند.Credit: Rolex/Tim McKenna

في عام 2009، أسست منظمة "Mission Blue" غير الربحية، التي تعمل على حماية المحيطات من خلال إنشاء ما يُعرف بـ "بُقع الأمل" (Hope Spots)، وهي مناطق بحرية تعترف بأهميتها البيئية وتتولى المجتمعات المحلية الدفاع عنها، إلى جانب تعزيز جهود الحفاظ على البيئة عبر التعليم.

وقد ألهمت هذه الرؤية الجيل الجديد من المدافعين عن المحيطات، ومن بينهم بيرنيكوت، إذ بعد أن شهد تدهور الشعاب المرجانية قبالة موطنه في جزيرة موريا في بولينيزيا الفرنسية، جعل من استعادة الشعاب المرجانية في العالم رسالته.

المحيطات
بعد مرور أكثر من عام بقليل على زراعة 20 ألف مرجان، قال بيرنيكوت إن مزارعي المرجان شهدوا تضاعف أعداد الأسماك في الشعاب المرجانية التي جرى ترميمها بجزيرة موريا في بولينيزيا الفرنسية.Credit: Ryan Borne/Coral Gardeners

أسس بيرنيكوت منظمة 'Coral Gardeners' عام 2017، وقد تحولت من مبادرة محلية لزراعة المرجان إلى حركة عالمية. حتى الآن، أنشأت المنظمة أكثر من 221 ألف مستعمرة مرجانية على مساحة 25,100 متر مربع، وتسعى للتوسع إلى 10 دول بحلول عام 2030.

في مارس/ آذار الماضي، توحدت جهود سفيري رولكس، إيرل وبيرنيكوت، في معركة إنقاذ المحيط. إذ غاصا معًا في تايلاند، حيث يعمل أحدث فروع منظمة "Coral Gardeners" على استعادة الشعاب المرجانية المتضررة من ظاهرة التبييض حول جزيرتي كوه ماك وكوه كود النائيتين، وهما منطقتان تعتقد إيرل أنهما قد تصبحان من "بقع الأمل" مستقبلًا.

المحيطات
قال بيرنيكوت عن فريقه "بستانيو المرجان": "سنكون بمثابة جيمس بوند في إنقاذ المحيطات. سنخوض غمار العمل الشاق ونجرب أشياءً جديدة لأنه ليس لدينا خيار آخر".Credit: Noe Langronier/Coral Gardeners

كما اجتمع الاثنان مؤخرًا داخل متحف الاستكشاف الجديد التابع لـ"ناشيونال جيوغرافيك" في حوار مع CNN، ناقشا فيه حالة المحيطات، وكيف يمكن للتكنولوجيا أن تساعد في تعافيها، ولماذا يُعد استكشاف النظم البيئية البحرية وحمايتها أمرًا ضروريًا لجميع أشكال الحياة على الأرض.

ويتبنى الاثنان 5 طرق رئيسية يمكن من خلالها قلب الموازين وإحياء محيطاتنا.

1. تحويل التحديات إلى فرص

المحيطات
تعد "أشجار المرجان" المغمورة في جزيرة موريا بمثابة مشاتل لآلاف من شظايا المرجان. ويتولى فريق "بستانيو المرجان" رعاية كل شظية لأكثر من عام قبل غرسها في الشعاب المرجانية، حيث يمكنها مواصلة النمو.Credit: Ryan Borne/Coral Gardeners

مع توقعات العلماء بحدوث ظاهرة إل نينيو فائقة القوة هذا العام، مما قد يرفع حرارة المحيطات ويزيد الضغط على الشعاب المرجانية، يعرب بيرنيكوت عن قلقه إزاء المستقبل.

لكن بدلًا من الاستعداد للأسوأ، لفت بيرنيكوت إلى أن منظمة "Coral Gardeners" تستغل هذه الظروف لاختبار استراتيجيات التكيف مع تغير المناخ. فمن خلال تجربة أنواع من الشعاب المرجانية الأكثر قدرة على تحمل الحرارة، يأمل أن تتحول تحديات اليوم إلى أساس لشعاب مرجانية أكثر صمودًا في المستقبل، وأن تسهم في تطوير جهود استعادة الشعاب حول العالم.

2. دعم الجهود المحلية

المحيطات
رغم التحديات التي تواجه المحيط، لا يزال إيرل وبيرنيكوت متفائلين.Credit: Rolex/Tim McKenna

تقوم كل من "Mission Blue" و"Coral Gardeners"، المدعومتين من مبادرة "Perpetual Planet Initiative"، على الفكرة نفسها ومفادها أن الحفاظ المستدام على البيئة يبدأ بالأشخاص الذين يعرفون النظام البيئي أكثر من غيرهم.

عندما أسست إيرل منظمة "Mission Blue"، كان هدفها إلهام الناس لحماية الأماكن التي يحبونها. واليوم، تدعم المنظمة أكثر من 170 "بقعة أمل" موزعة على 116 دولة. وتصف إيرل هذه المبادرة بأنها "شبكة من الأمل" يقودها "الأبطال"، وهم علماء محليون، أو ناشطون في مجال الحفاظ على البيئة، أو قادة مجتمعات محلية يقفون في الصفوف الأمامية للدفاع عن بيئاتهم البحرية.

وقالت إيرل: "يرغب هؤلاء الأبطال في بذل كل ما يستطيعون، إما لإعادة الحياة إلى المناطق المتضررة، أو للحفاظ على الأماكن التي لا تزال في حالة ممتازة، قائلين: يجب أن تبقى هذه المنطقة على حالها، ولذلك علينا حمايتها".

يعتبر بيرنيكو أيضًا بأن هذه القضية العالمية تحتاج إلى خبرات محلية، إذ أنه مع توسع منظمة "Coral Gardeners" إلى دول أخرى مثل فيجي وتايلاند، تعمل المنظمة على التعاون مع السكان المحليين، وتوظيفهم، وتدريبهم لإدارة مشاتل الشعاب المرجانية وزراعتها في البحر.

3. خلق فرص لمشاركة الجميع

عندما بدأ بيرنيكوت لأول مرة زراعة الشعاب المرجانية، قال إن السلطات رفضت منحه التصاريح اللازمة. لكنه واصل عمله رغم ذلك.

ويتذكر قائلاً: "قلت لهم: ضعوني في السجن، لا يهمني. أنا مجرد شاب يحاول إنقاذ ما يحبه".

لذلك، عندما تلقى قبل بضعة أشهر اتصالًا مفاجئًا من رئيس بولينيزيا الفرنسية مويتاي بروثرسون، شعر بالتوتر.

لكن الرئيس شكره على تجاهله للقواعد، وأعلن أن البلاد ستعترف رسميًا بمهنة "بستاني الشعاب المرجانية"، مع وضع إطار قانوني لها، وإنشاء أكاديمية تدريب، ومنح دبلوم معتمد للعاملين في هذا المجال.

وقال بيرنيكوت عن فريقه في "Coral Gardeners": "سنكون مثل جيمس بوند في مهمة لإنقاذ المحيطات. سنغوص بأيدينا في الماء والطين، وسنجرب كل ما نستطيع، لأنه ليس لدينا خيار آخر".

ويفكر بيرنيكوت بالفعل في طرق جديدة لإشراك الناس، قائلًا: "على مدى السنوات التسع الماضية، كان الناس يشاهدوننا ونحن نعيد ترميم الشعاب ونزرع المرجان. أما في السنوات التسع المقبلة، فسيُشارك الجميع؛ فكل من لديه يدان يمكنه أن يصبح بستانيًا".

وأوضح أنهم يخططون لتطوير أطقم عمل جاهزة يمكن استخدامها في أي مكان بالعالم توجد فيه شعاب مرجانية بحاجة إلى الاستعادة.

4. تسخير التكنولوجيا

لم تعد استعادة الشعاب المرجانية تقتصر على قيام الغواصين بزراعة المرجان يدويًا.

وقد جمعت منظمة "Coral Gardeners" مهندسين سابقين من "تسلا" و"سبيس إكس" مع علماء من جامعات "بيركلي"، و"معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا"، وستانفورد لتطوير أدوات جديدة تجعل استعادة الشعاب المرجانية أسرع وأكثر ذكاءً وقابلة للتوسع على نطاق واسع.

ومن استخدام الذكاء الاصطناعي لمراقبة صحة الشعاب وتتبع أعداد الأسماك، إلى تطوير شعاب مرجانية أكثر مقاومة لتغير المناخ، يساعد CG Labs، الذراع البحثية والابتكارية للمنظمة، على تحويل عمليات الترميم إلى علم يعتمد على البيانات.

بحسب بيرنيكو، وبعد 13 شهرًا فقط من استعادة الشعاب المرجانية في جزيرة موريا من خلال استزراع وزراعة عشرات الآلاف من الشعاب المرجانية المقاومة للحرارة، سجل الفريق تضاعفًا في أعداد الأسماك مقارنة بما كانت عليه قبل عملية الترميم.

أما إيرل، فهي أيضًا ليست غريبة عن توظيف التكنولوجيا في خدمة المحيطات. فمن خلال شركة DOER Marine، ساهمت في تطوير غواصات متقدمة وتقنيات تحت الماء أتاحت للعلماء الوصول إلى أعماق البحار بصورة غير مسبوقة.

وقالت إيرل لبيرنيكوت: "سيفتح ذلك نافذة جديدة نستطيع أن نشارك من خلالها العالم، ونلهم أطفالنا، وكل من يعيش على هذا الكوكب، لرؤية هذا الكوكب المذهل والعناية به؛ تلك النقطة الزرقاء الصغيرة في الكون، وهي موطننا الوحيد".

5. حماية النظم البيئية بأكملها... وليس الشعاب المرجانية فقط

أكدّت إيرل أن الشعاب المرجانية السليمة تعتمد على أكثر بكثير من المرجان وحده. فالأسماك، والطحالب، وأعشاب البحر، وأشجار المانغروف، وعدد لا يحصى من الكائنات البحرية، جميعها تؤدي دورًا أساسيًا في الحفاظ على حياة الشعاب المرجانية.

أشار بيرنيكوت إلى أن هذه الحقيقة غيّرت طريقة تفكيره بالكامل، قائلا: "لسنا نحاول استعادة الشعاب المرجانية فحسب، بل نعمل على استعادة النظام البيئي بأكمله".

وأضافت إيرل أن هذه النظم البيئية البحرية لا يمكن النظر إليها بمعزل عن بعضها البعض: "عندما نربط الشعاب المرجانية بالقارة القطبية الجنوبية، وبالقطب الشمالي... نجد أن كل شيء مترابط".

ورأت أن حماية موطن بحري واحد تعني في النهاية حماية جميع المواطن البحرية الأخرى.

وقد بدأ هذا النهج، الذي يركز على حماية النظام البيئي بأكمله، ينعكس بالفعل على جهود الحفاظ على البيئة في بولينيزيا الفرنسية، التي تُعد من الدول الرائدة عالميًا في مجال حماية المحيطات، حيث أصبحت أكثر من 30% من مياهها البحرية خاضعة لإجراءات الحماية. وفي شهر يونيو/حزيران الماضي، أعلنت البلاد إنشاء منطقتين جديدتين محميتين بحريًا، تعادل مساحتهما مساحة فرنسا تقريبًا.

الأمل في المحيط

تعترف إيرل وبيرنيكو بأن المحيط يواجه تحديات هائلة، لكنهما أكدا أن رفع مستوى الوعي يلعب دورًا حاسمًا في حمايته.

وقالت إيرل: "الناس لا يعرفون حقًا لماذا ينبغي لهم أن يهتموا بالمحيط. إنه واسع جدًا وشاسع للغاية، ولذلك قد يبدو بعيدًا عن حياتهم. لكن عندما يدركون أن المحيط هو الذي يبقينا جميعًا على قيد الحياة، عندها فقط سيدركون لماذا يجب أن نهتم به".

وأضافت: "الأمر لا يتعلق فقط بحماية الشعاب المرجانية، أو حماية الحيتان، أو حتى حماية المحيط ذاته، بل يعني في النهاية حماية أنفسنا".

ويواصل بيرنيكوت، الذي يصف إيرل بأنها "أخته في المحيط" ومصدر إلهامه الأكبر، العمل على توسيع مشاريع "Coral Gardeners" إلى مناطق جديدة حول العالم، على أمل أن تصبح استعادة النظم البيئية البحرية جهدًا عالميًا يشارك فيه الجميع، ويتحول الاهتمام بالمحيطات إلى مسؤولية مشتركة من أجل مستقبل الكوكب.

يجمع النهجان بين إيرل وبيرنيكوت على أهمية العمل المحلي والعالمي لإنقاذ المحيطات. فبينما تركز إيرل على إنشاء 'بقع أمل' تُدار محليًا، يركز بيرنيكوت على زرع المرجان لاستعادة الشعاب المتدهورة. كما أن تعاونهما الأخير في تايلاند يسلط الضوء على إمكانية تكامل هذه الاستراتيجيات. ومع تزايد ظواهر الطقس المتطرفة، يصبح دعم مثل هذه المبادرات أمرًا عاجلاً للحفاظ على التنوع البحري.