بقلم طاقم الجزيرة

نُشر في 13 يوليو 202613 يوليو 2026

بعد رحيل أمير قطر الوالد، الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، يبرز تأسيسه لقناة الجزيرة الإخبارية كعلامة فارقة جيوسياسية وثقافية.

انطلقت القناة عام 1996، وأنهت احتكار الدول للبث في الشرق الأوسط وتحدت هيمنة الإعلام الغربي في تشكيل سردية المنطقة.

في غضون سنوات قليلة، نمت الجزيرة لتصبح واحدة من أكثر المؤسسات الإعلامية نفوذاً في العالم، وفي يوليو 2005، أصبحت تُعرف رسمياً باسم شبكة الجزيرة الإعلامية.

في بيان يوم الأحد، نعى المدير العام للشبكة مؤسسها، مشيداً بجرأته غير المسبوقة في إعادة تشكيل المشهد الإعلامي في المنطقة.

وقال الشيخ ناصر بن فيصل آل ثاني: "كان صاحب الرؤية وراء الفكرة الأصلية، وهو الذي وضع أسس هذه المؤسسة الإعلامية العظيمة."

وجاء في البيان: "لقد أدرك الشيخ حمد قوة الكلمة والدور الحيوي للإعلام الحر والمستقل في تشكيل المجتمعات وتنوير العقول."

"ونذكر كلماته في الذكرى الخامسة والعشرين للشبكة... حيث تحدث بفخر عن كل ما حققته الجزيرة ووصف الشبكة بأنها أعظم مشروع إعلامي عربي."

«ليس مسؤولاً خليجياً تقليدياً»

وُضع أساس هذه الثورة الإعلامية قبل بث الجزيرة الأول. استذكر محمد كريشان، أحد المذيعين المؤسسين، لقاءً مع الشيخ حمد عام 1993 عندما كان ولياً لعهد قطر.

وقال كريشان: "كان واضحاً أن الرجل لديه رؤية جريئة وتحويلية لبلاده والمنطقة. غادرنا مذهولين قائلين إنه من المستحيل أن تصدر مثل هذه الكلمات عن مسؤول خليجي. لم يكن مسؤولاً خليجياً تقليدياً على الإطلاق."

عندما أصبح الشيخ حمد أميراً عام 1995، حوّل تلك الرؤية إلى واقع، وأصدر توجيهاً جريئاً بإطلاق قناة إخبارية في غضون ستة أشهر.

واستذكر كريشان أنه عندما جمعت الجزيرة فريقاً متنوعاً من الصحفيين في الدوحة للمشروع في صيف عام 1996، "جئنا محملين بوعود كبيرة".

وقال: "قيل لنا: 'اعملوا بمهنية، وتوكلوا على الله ولن يوقفكم أحد. اعملوا كما ترون المهنة وأخلاقياتها'."

وقال العديد من الصحفيين العرب العاملين في الجزيرة إنهم "صُدموا بحجم الحرية".

وقال تيسير علوني، الصحفي البارز في الجزيرة الذي كان يعمل في إسبانيا آنذاك: "عندما أخبروني أنها تبث من قطر، قلت: 'لا، هذا غير صحيح... أن تأتي من دولة خليجية بهذا الأسلوب، وهذه الانفتاح، وهذا السقف العالي جداً من الحرية؟ قلت لا، مستحيل'."

سرعان ما كسرت الجزيرة اعتماد العالم العربي على الوكالات الغربية للأخبار، ونشرت مراسلين في الميدان لرواية القصص كشهود على الأحداث.

وقال الأمير الراحل مقولته الشهيرة: "إن الشعوب العربية لم تقل كلمتها الأخيرة بعد، ومن يتهيب صعود الجبال يعش أبد الدهر بين الحفر"، مؤكداً إيمانه بحرية التعبير.

وقال كريشان إن الشيخ حمد لم يزود الصحفيين بالغطاء السياسي اللازم لمتابعة الموضوعات شديدة الحساسية، بما في ذلك الشؤون القطرية الداخلية، بل فهم أيضاً أهميتها في تحقيق هذه الرؤية.

وقال الشيخ حمد ذات مرة لموظفي الشبكة في زيارة قصيرة للقناة: "أنتم من استطعتم خلق واقع عربي جديد فيما يتعلق بحرية الإعلام، والرأي والرأي الآخر. الهدف الذي كنا نسعى إليه هو قضية حرية التعبير."

ثمن سياسي باهظ

جاء هذا الاستقلال التحريري بثمن سياسي باهظ لقطر. كانت تغطية الجزيرة تثير غضب الحكومات الإقليمية والقوى الغربية على حد سواء.

واستذكر أحمد الشيخ، المدير السابق للأخبار في القناة، الضغوط الشديدة خلال حروب الولايات المتحدة في العراق وأفغانستان.

وصف محادثة أجراها مع مسؤول كان حاضراً في اجتماع عندما حث مدير وكالة المخابرات المركزية الشيخ حمد على إسكات الشبكة.

وقال الشيخ: "رفض الأمير الطلب بقوة"، مستعيداً رد الشيخ حمد: "أنتم من كنتم تتحدثون إلينا دائماً عن الإعلام، وحرية الصحافة، والرأي والرأي الآخر، والديمقراطية، والآن تطلبون مني أن أكتم صوت الجزيرة؟ كيف يمكن أن يحدث هذا؟"

تحولت التهديدات ضد الجزيرة إلى هجمات مميتة. أثناء الحرب الأمريكية على أفغانستان، قُصف مكتب الجزيرة في كابول، وحدث الشيء نفسه أثناء الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003، مما أدى إلى مقتل عدد من موظفي وموظفات الجزيرة.

ذكرت صحيفة الديلي ميرور البريطانية في نوفمبر 2005 أن الرئيس الأمريكي آنذاك جورج بوش خطط لقصف مقر الجزيرة، نقلاً عن مذكرة داونينغ ستريت تحمل علامة "سري للغاية". وكشفت نسخة من خمس صفحات لمحادثة بين بوش ورئيس الوزراء البريطاني توني بلير في أبريل 2004 أن الأخير ثنى الرئيس الأمريكي عن شن هجوم عسكري على المحطة، وفقاً لمصادر غير مسماة للصحيفة.

فقدت الشبكة 24 من صحفييها وموظفيها في هجمات مستهدفة في أماكن منها العراق وسوريا وليبيا وقطاع غزة والضفة الغربية المحتلة واليمن.

مؤسسة دائمة

رغم كل التحديات والتهديدات، أصبحت رؤية الأمير الراحل حقيقة وواقعاً، وأصبحت شبكة الجزيرة الإعلامية علامة تجارية عالمية.

قال الشيخ حمد ذات مرة إن الجزيرة "حرمت القتلة من التغطية على جرائمهم، وحرمت الفاشلين من التغطية على إخفاقاتهم، وانحازت إلى الحقيقة والإنسان".

بينما تقترب الشبكة من ذكرها الثلاثين، جددت التزامها بمواصلة إرث الرجل الذي كان وراء وجودها ذاته.