قتلى احتجاجات إيران... أين الحقيقة؟
ملخص
اتّبع النظام الإيراني منذ اندلاع الاحتجاجات الأسلوب نفسه الذي اعتمده في التحركات السابقة، المتمثل في الامتناع عن نشر إحصاء رسمي شامل للضحايا. ورغم توسّع رقعة الاحتجاجات وسقوط عدد كبير من القتلى، لم تُصدر السلطات أي أرقام رسمية دقيقة، ما فسح المجال أمام تضارب في الروايات وتعدّد التقديرات.
ويُعد تضارب الأرقام حول عدد القتلى سمة متكررة في الاحتجاجات الإيرانية السابقة، مما يزيد من صعوبة الوصول إلى حقيقة موحدة.
بعد ستة أشهر من احتجاجات يناير الماضي، لا يزال السؤال الأكثر حساسية دون إجابة واضحة: كم عدد القتلى؟ فبينما قالت بعض الجهات إن العدد يبلغ بضعة آلاف، رأت جهات أخرى أنه يصل إلى عشرات الآلاف، في ظل غياب رواية رسمية شفافة واستحالة التحقق المستقل بسبب قطع الإنترنت والقيود المشددة على تدفق المعلومات.
ولا تقتصر أهمية هذا السؤال على توثيق رقم مجرد، إذ إن تحديد عدد الضحايا يمثل جزءاً أساساً من كتابة الحقيقة التاريخية لواحدة من أكثر الاحتجاجات دموية في تاريخ إيران المعاصر، ويشكل أيضاً أساساً لتقييم أداء المؤسسات الرسمية وتوثيق انتهاكات حقوق الإنسان ومساءلة المسؤولين عنها مستقبلاً.
وتحولت قضية أعداد القتلى خلال الأشهر الماضية إلى واحدة من أكثر الملفات إثارة للجدل، ليس بين النظام الإيراني والمنظمات الحقوقية ووسائل الإعلام الدولية وحسب، بل أيضاً داخل أوساط المعارضة الإيرانية نفسها التي قدمت شخصياتها ومؤسساتها تقديرات متباينة استند كل منها إلى مصادر ومنهجيات مختلفة.
من احتجاجات معيشية إلى واحدة من أكثر موجات القمع دموية
بدأت احتجاجات يناير الماضي في البداية على خلفية الارتفاع المستمر في أسعار العملات الأجنبية وتدهور الأوضاع المعيشية واتساع رقعة الفقر وارتفاع معدلات التضخم، قبل أن تتحول في غضون أيام إلى حراك مناهض للنظام، امتد من سوق طهران إلى عشرات المدن الإيرانية.
ومع اتساع رقعة الاحتجاجات، بدأت قوات الأمن حملة قمع واسعة أسفرت منذ الأيام الأولى عن سقوط قتلى وجرحى، غير أن ذروة العنف وقعت في السابع والثامن من يناير الماضي، حين استخدمت القوات الأمنية القوة المميتة على نطاق واسع ضد المحتجين، في واحدة من أكثر عمليات القمع دموية منذ قيام النظام الإيراني.
![]()
لافتات تحمل صور أشخاص أعدمتهم الحكومة الإيرانية، خلال مظاهرة في وسط باريس، 11 أكتوبر 2025 (أ ف ب)
وعلى رغم الانقطاع شبه الكامل للإنترنت، تسربت إلى خارج إيران مقاطع فيديو محدودة كشفت عن جانب من حجم ما جرى. وكان أولها تسجيل مصور التُقط في موقف سيارات أحد المنازل بمدينة فرديس في محافظة البرز، غرب طهران، وأكدت مراجعات مستقلة صحة موقعه. ثم توالت لاحقاً مقاطع مصورة من دائرة الطب الشرعي في كهريزك، أظهرت مئات الجثامين داخل ساحات المجمع وعنابره وقد وضعت في أكياس سوداء، فيما بقيت أدوات طبية على أجساد عدد من الضحايا، بينما كانت عائلات تبحث، وسط حال من الذهول، عن أبنائها بين أعداد كبيرة من القتلى.
ولم يقتصر توثيق حجم القمع على التسجيلات المصورة التي تسربت إلى خارج إيران، بل انعكس أيضاً في تصريحات غير مسبوقة صدرت عن كبار المسؤولين الإيرانيين، وكشفت عن حجم التناقض في الرواية الرسمية حول عدد الضحايا.
ففي الـ17 من يناير الماضي، أقر المرشد الإيراني السابق علي خامنئي للمرة الأولى بسقوط آلاف عدة من القتلى خلال الاحتجاجات، لكنه نسب مقتلهم إلى ما وصفه بـ"عناصر مرتبطة بالولايات المتحدة وإسرائيل"، مكرراً اتهاماته المعتادة للدول الأجنبية بالوقوف وراء ما سماها "فتنة أميركية"، كما حمل الرئيس الأميركي دونالد ترمب مسؤولية ما جرى، قائلاً إنه "شجع مثيري الفتنة علناً".
لكن هذا الإقرار بدا متناقضاً مع ما أعلنه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي قبل يومين فقط خلال مقابلة مع شبكة "فوكس نيوز"، إذ أكد أن عدد القتلى لا يتجاوز بضع مئات. وفتح هذا التباين بين تصريحات اثنين من أبرز المسؤولين الإيرانيين الباب أمام مزيد من التساؤلات حول دقة الرواية الرسمية، وأعاد ملف أعداد الضحايا لواجهة النقاش.
وزادت الرسائل النصية التي بعث بها الحرس الثوري الإيراني إلى المواطنين خلال الحرب الأخيرة من تجدد الجدل حول أحداث يناير الماضي، بعدما توعد فيها كل من يفكر في تنظيم احتجاجات جديدة بأن ينتظره رد أشد من أحداث السابع والثامن من يناير. وعُدّ هذا التهديد، في نظر عدد من المراقبين، إقراراً ضمنياً بأن تلك الاحتجاجات شهدت مستوى غير مسبوق من العنف أثناء قمعها.
وفي ظل هذا التباين، لم يعُد الجدل يقتصر على عدد القتلى، بل امتد إلى آليات احتسابهم والجهات التي وثقتهم ومدى موثوقية الروايات المتداولة حولهم. ومن هنا، بدأت تتشكل سلسلة طويلة من التقديرات، تفاوتت بصورة لافتة بين الرواية الرسمية، والمنظمات الحقوقية، ووسائل الإعلام الدولية، وحتى بعض الشخصيات السياسية، مما جعل الوصول إلى حصيلة دقيقة للضحايا بالغ الصعوبة.
الرواية الرسمية... اعترافات متناقضة وقائمة تثير تساؤلات
منذ الأيام الأولى للاحتجاجات، التزم النظام الإيراني النهج الذي اتبعه خلال التحركات السابقة، والقائم على الامتناع عن إعلان حصيلة رسمية وشاملة للضحايا. وعلى رغم اتساع نطاق الاحتجاجات وسقوط أعداد كبيرة من القتلى، لم تصدر السلطات أي إحصاء رسمي دقيق، مما ترك المجال مفتوحاً أمام تضارب الروايات وتعدد التقديرات.
وخلال الأعوام الثمانية الممتدة من احتجاجات ديسمبر (كانون الأول) 2017 إلى تحركات يناير الماضي، شهدت إيران خمس موجات احتجاج واسعة، اتسم معظمها بالعنف وسقوط أعداد كبيرة من الضحايا. ومع ذلك، لم تقدم السلطات، في أي منها، بيانات شفافة حول عدد القتلى أو هوياتهم أو ظروف مقتلهم، ولا يزال العدد الحقيقي لضحايا تلك الاحتجاجات موضع جدل حتى اليوم.
ولم يختلف تعامل السلطات مع احتجاجات يناير الماضي كثيراً عن تعاملها مع التحركات السابقة، باستثناء خطوة غير مسبوقة أقدم عليها مكتب الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، عندما نشر في الثاني من فبراير (شباط) الماضي، أي بعد أقل من شهر على اندلاع الاحتجاجات، قائمة تضمنت بيانات 2986 قتيلاً، معلناً أن العدد الإجمالي للقتلى بلغ 3117 شخصاً.
وأوضح مكتب الرئاسة أن الفارق البالغ 131 حالة يعود لوجود جثامين مجهولة الهوية، فضلاً عن اختلافات في تسجيل الأرقام الوطنية لبعض القتلى مقارنة ببيانات منظمة الأحوال المدنية. وأضاف أن هذا الإحصاء أُعدّ بعد تجميع أسماء القتلى من قبل منظمة الطب الشرعي، ثم مطابقتها مع قاعدة بيانات منظمة الأحوال المدنية.
اقرأ المزيد- من لقمة العيش إلى رصاص القمع... حكايات أطفال قتلوا باحتجاجات إيران
- بعد الإفراج الموقت… معتقلو احتجاجات إيران بين الرعب والانهيار النفسي
- صالحة أكبري ومأساة ممرضات تعرضن للاغتصاب
- " صهيوني"... تهمة جاهزة لمصادرة أموال معارضي النظام الإيراني
لكن نشر هذه القائمة لم ينهِ الجدل، بل فتح الباب أمام تساؤلات جديدة حول منهجية إعدادها، والأسباب التي دفعت السلطات إلى إعلانها للمرة الأولى، في وقت كانت تقديرات منظمات حقوقية ووسائل إعلام دولية تشير إلى أعداد أعلى بكثير، مما أبقى ملف ضحايا الاحتجاجات مفتوحاً أمام مزيد من التدقيق والتشكيك.
وعلى أهمية هذه الخطوة، فإن القائمة التي نشرتها الرئاسة الإيرانية أثارت جملة من علامات الاستفهام، إذ وردت في ملف بصيغة "إكسل"، واقتصرت على الاسم واسم الأب وآخر ستة أرقام من الرقم الوطني، من دون أن تتضمن معلومات عن المحافظة أو المدينة، أو الجنس، أو العمر، أو ظروف الوفاة، أو غيرها من البيانات التي تساعد الباحثين والمنظمات المستقلة في التحقق من هويات القتلى أو تصنيفهم.
كذلك، أظهرت مراجعات مستقلة أن بعض الأسماء التي سبق التحقق من مقتل أصحابها وردت بالفعل في القائمة الرسمية، في حين غابت عنها أسماء أخرى سبق توثيق مقتل أصحابها. وكشفت المراجعات أيضاً عن وجود أسماء مكررة، فضلاً عن حالات أدرج فيها الرقم الوطني نفسه لأكثر من شخص، مما أثار مزيداً من الشكوك حول دقة البيانات الرسمية ومنهجية إعدادها.
ولم تقتصر التناقضات على البيانات المنشورة، بل امتدت إلى تصريحات كبار المسؤولين الإيرانيين. ففي حين أقر المرشد الإيراني السابق علي خامنئي في الـ17 من يناير الماضي بسقوط "آلاف عدة" من القتلى، كان وزير الخارجية عباس عراقجي أعلن قبل ذلك بيومين فقط أن عدد الضحايا "لا يتجاوز بضع مئات".
وعلى رغم أن خامنئي نسب مقتل هؤلاء إلى ما وصفه بـ"عناصر أميركية وإسرائيلية"، فإن إقراره بسقوط "آلاف عدة" من القتلى مثّل أول اعتراف رسمي بهذا الحجم من الخسائر البشرية خلال احتجاجات شعبية، مما كشف بوضوح عن حجم التباين داخل الرواية الرسمية نفسها، وعزز الشكوك حول العدد الحقيقي للضحايا.
ويبدو أن هذا الغموض لم يكُن نتيجة تضارب التصريحات وحده، بل يعكس أيضاً غياب سياسة رسمية تقوم على نشر بيانات مفصلة وقابلة للتحقق. ولذلك، لم تتمكن الإحصاءات الحكومية، على رغم أنها المصدر الرسمي الوحيد، من حسم الجدل، بل أسهمت، في نظر كثير من الباحثين والمنظمات الحقوقية، في تعميقه.
وفي المقابل، قدمت المنظمات الحقوقية ووسائل الإعلام الدولية تقديرات استند كل منها إلى مصادر ومنهجيات توثيق مختلفة، مما وسع الفجوة بين أقل التقديرات وأكثرها ارتفاعاً، وجعل الوصول إلى العدد الحقيقي لضحايا الاحتجاجات أكثر تعقيداً من أي وقت مضى. ولهذا، فإن تقييم عدد الضحايا يقتضي النظر إلى مختلف الروايات، الرسمية والحقوقية والإعلامية، ومقارنة منهجية كل منها، قبل الوصول إلى تقدير أقرب إلى الواقع.
المنظمات الحقوقية... بين التوثيق الميداني والتقديرات الإحصائية
في مقابل الغموض الذي أحاط بالرواية الرسمية، سعت منظمات حقوقية إيرانية ودولية إلى إنشاء قواعد بيانات مستقلة لتوثيق ضحايا الاحتجاجات، مستندة إلى شهادات ذوي القتلى وإفادات الكوادر الطبية ووثائق مسربة ومصادر ميدانية داخل إيران. لكن اختلاف منهجيات التوثيق وتباين مصادر المعلومات وصعوبة الوصول إلى كثير من المناطق حالت دون التوصل إلى حصيلة موحدة، على رغم اتفاق معظم هذه الجهات على أن عدد القتلى يفوق بكثير ما أعلنته السلطات الإيرانية.
وكانت وكالة أنباء "هرانا"، التابعة لمجموعة نشطاء حقوق الإنسان في إيران، من أكثر الجهات نشاطاً في متابعة الاحتجاجات منذ أيامها الأولى، إذ واصلت نشر إحصاءات محدثة بصورة شبه يومية عن أعداد القتلى والمعتقلين، إضافة إلى رصد المدن والمناطق التي شهدت التحركات، لتصبح إحدى أبرز قواعد البيانات التي استند إليها عدد من الباحثين ووسائل الإعلام والمنظمات الحقوقية في متابعة تطورات الأحداث.
وفي الـ23 من فبراير الماضي، أصدرت الوكالة تقريراً موسعاً بعنوان "الشتاء الأحمر" تناول الأيام الـ50 الأولى من الاحتجاجات، وأعلنت فيه توثيق مقتل 7007 أشخاص. وأوضحت أنها لا تزال تتحقق من بيانات 11744 شخصاً آخرين، لم تدرج أسماؤهم ضمن الحصيلة المعلنة، مما يعني، وفقاً للوكالة، أن هذا الإحصاء لا يمثل العدد النهائي للضحايا.
ووفق التقرير، امتدت التحركات إلى 31 محافظة و203 مدن و682 موقعاً في مختلف أنحاء إيران، بما يعكس اتساع رقعتها الجغرافية.
ولم تكتفِ "هرانا" بإعلان حصيلة إجمالية للقتلى، بل قدمت تصنيفاً تفصيلياً لهم، موضحة أن 6488 من الضحايا كانوا من المتظاهرين، ومن بينهم 236 طفلاً أفردتهم بإحصاء مستقل، و76 مدنياً لم يشاركوا في الاحتجاجات، إضافة إلى 207 من أفراد القوات العسكرية والأجهزة الحكومية. وأكدت أن هذا التصنيف يهدف إلى تجنب الخلط بين الفئات المختلفة، وإتاحة قراءة قانونية وإحصائية أكثر دقة. ونشرت أيضاً أسماء 4162 متظاهراً من أصل 6488، بينما أوضحت أن بقية الحالات تعود لضحايا تأكدت من مقتلهم، لكنها لم تتمكن بعد من استكمال التحقق من هوياتهم.
![]()
جثث الضحايا الذين سقطوا برصاص النظام أمام مشرحة كهريزك (رويترز)
أما "منظمة حقوق الإنسان في إيران"، ومقرها النرويج، فاتبعت منهجية مختلفة في تقدير عدد الضحايا. فضمن تقرير نشرته في الـ22 من يناير الماضي، أعلنت، استناداً إلى ما وصفته بوثائق ومعلومات من مصادر موثوقة، أن ما لا يقل عن 3428 متظاهراً قتلوا خلال الاحتجاجات. لكنها، على خلاف "هرانا"، لم تنشر قائمة بأسماء الضحايا، بل استندت إلى تقديرات مبنية على المعلومات التي تمكنت من جمعها وتحليلها.
ورأت المنظمة أن التجارب السابقة تشير إلى أن السلطات الإيرانية درجت على التقليل من أعداد ضحايا العنف الرسمي، كما فعلت، بحسب تقديرها، في ملف تنفيذ أحكام الإعدام. وانطلاقاً من هذه المقاربة، رجحت أن يكون النهج نفسه اتبع في التعامل مع ضحايا تحركات يناير الماضي، مقدرة بأن يصل العدد الحقيقي للقتلى يصل إلى نحو 25 ألف شخص. ومع ذلك، شددت على أن هذا الرقم يبقى تقديراً إحصائياً قائماً على تحليل أنماط السلوك الرسمي، وليس حصيلة موثقة بالأسماء. وأعلن مدير المنظمة محمود أميري مقدم أن فريقه يواصل تحديث البيانات والتحقق منها، تمهيداً لنشر قائمة أكثر اكتمالاً بأسماء الضحايا.
أما منظمة "مجاهدي خلق"، وهي إحدى جماعات المعارضة الإيرانية، فنشرت بدورها سلسلة من التقارير تضمنت أسماء عدد من ضحايا الاحتجاجات. وفي أحدث تقاريرها، الصادر في الـ23 من فبراير الماضي، أعلنت أنها نشرت عبر 70 تقريراً، أسماء 2572 شخصاً قالت إنهم قتلوا خلال التحركات، بينهم 286 امرأة، وما لا يقل عن 172 طفلاً ومراهقاً دون سن الـ18. كذلك، وزعت الضحايا بحسب المحافظات، وأوردت في معظم الحالات الاسم الكامل والمدينة حيث قتُل الضحية، وأحياناً عمره.
وأعلنت المنظمة أيضاً أسماء عدد من أعضائها ومؤيديها الذين قالت إنهم قتلوا خلال الاحتجاجات، لكنها لم توضح عددهم الإجمالي، ولم تقدم شرحاً مفصلاً لمنهجية جمع البيانات أو مصادرها.
وفي تعليقها على هذا التباين، قالت المديرة التنفيذية لـ"منظمة برومند" لحقوق الإنسان رؤيا برومند خلال تصريح خاص إلى "اندبندنت عربية"، إن الحجم الحقيقي لضحايا احتجاجات يناير الماضي لن يتضح بصورة كاملة من دون الوصول إلى الوثائق الرسمية، وإجراء تحقيقات ميدانية في بيئة تضمن سلامة الباحثين والشهود وذوي الضحايا.
وأضافت أن خبرة المنظمة الممتدة على مدى 25 عاماً في توثيق والتحقيق في مقتل ضحايا الاحتجاجات التي شهدتها إيران خلال الأعوام الـ47 الماضية، فضلاً عن الوثائق التي جمعتها حتى الآن، تشير إلى أن مستوى العنف الذي مارسته قوات الأمن في السابع والثامن من يناير الماضي من ناحية عدد القتلى، لا يمكن مقارنته بأي من موجات الاحتجاج السابقة.
وأوضحت أن قوات الأمن استخدمت بصورة ممنهجة الأسلحة الحربية في مواجهة المحتجين، ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل شمل أيضاً قتل عدد من الجرحى أثناء تلقيهم العلاج داخل المستشفيات، فضلاً عن ترهيب أفراد من الكوادر الطبية واعتقالهم، معتبرة أن هذه الوقائع تعكس وجود إرادة لدى السلطات لتنفيذ عمليات قتل واسعة النطاق، وهي ممارسات يرى عدد من خبراء القانون الدولي أنها قد ترقى إلى مستوى الجرائم ضد الإنسانية.
وتعكس هذه التقديرات، على تباينها، حقيقة أساسية تتمثل في أن الخلاف بين الجهات التي وثقت الضحايا لا يتعلق بوقوع عمليات قتل واسعة النطاق، بقدر ما يرتبط باختلاف منهجيات التوثيق وإمكان الوصول إلى المعلومات والتمييز بين الحالات الموثقة والتقديرات الإحصائية. وفي ظل استمرار غياب الوثائق الرسمية وتعذر إجراء تحقيقات ميدانية مستقلة، يبقى الوصول إلى حصيلة نهائية لضحايا الاحتجاجات أمراً بالغ الصعوبة.
وسائل الإعلام الدولية... تقديرات مرتفعة وتحفظات على التحقق
لم يقتصر الجدل حول أعداد القتلى على المنظمات الحقوقية، بل امتد أيضاً إلى عدد من وسائل الإعلام الدولية التي نشرت تقديرات قالت إنها استندت إلى مصادر داخل إيران، مع تأكيدها في معظم الحالات أنها لم تتمكن من التحقق منها بصورة مستقلة.
وكانت شبكة "سي بي أس" الأميركية من أوائل المؤسسات الإعلامية التي تناولت هذا الملف، إذ نقلت ضمن تقرير نشرته في الـ13 من يناير الماضي، عن مصدرين، أحدهما داخل إيران والآخر خارجها، أن عدد قتلى الاحتجاجات بلغ "ما لا يقل عن 12 ألف شخص، وربما يصل إلى 20 ألفاً".
لكن الشبكة أوضحت صراحة أنها لم تتمكن من التحقق بصورة مستقلة من هذه الأرقام، في إشارة إلى الصعوبات التي واجهتها وسائل الإعلام الأجنبية للوصول إلى معلومات موثقة من داخل إيران، في ظل قطع الإنترنت والقيود الأمنية المشددة التي رافقت الاحتجاجات.
وفي السياق نفسه، نقلت مجلة "تايم" الأميركية في الـ26 من يناير الماضي عن مسؤولين رفيعي المستوى في وزارة الصحة الإيرانية ترجيحهم أن يكون عدد القتلى خلال السابع والثامن من يناير وحدهما "وصل إلى 30 ألف شخص في شوارع إيران".
وعلى رغم أن هذه المعلومات نسبت إلى مسؤولين كبار داخل وزارة الصحة الإيرانية، فإن المجلة أكدت أنها لم تتمكن من التحقق منها بصورة مستقلة، في ظل استمرار القيود المفروضة على الوصول إلى المعلومات من داخل إيران.
أما صحيفة "ذا غارديان" البريطانية، فسارت في الاتجاه نفسه، إذ نشرت في الـ28 من يناير الماضي تقريراً استند إلى شهادات أطباء وروايات جمعت من مشارح ومقابر في مناطق مختلفة من إيران، وخلص إلى أن الحصيلة النهائية للقتلى "ربما تتجاوز 30 ألف شخص".
ومع ذلك، ظل هذا الرقم تقديراً غير قابل للتحقق بصورة مستقلة، مع القيود المشددة المفروضة على الوصول إلى المعلومات من داخل إيران.
وتظهر هذه التقارير أن وسائل الإعلام الدولية، على اختلاف مصادرها، تعاملت بحذر مع الأرقام التي تلقتها، وحرص معظمها على التمييز بين المعلومات التي أمكن توثيقها وتلك التي بقيت في نطاق التقديرات غير المستقلة. ويعكس هذا التحفظ حجم الصعوبات التي واجهت عملية توثيق واحدة من أكثر موجات القمع دموية في تاريخ إيران المعاصر.
تصريحات سياسية... أرقام تتجاوز عمليات التوثيق
إضافة إلى التقارير الحقوقية والإعلامية، دخلت التصريحات السياسية أيضاً على خط الجدل حول أعداد القتلى، وكان أبرزها ما صدر عن الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال الحرب الأخيرة مع إيران.
ففي الـ17 من مارس (آذار) الماضي، قال ترمب، تعليقاً على مقتل أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إن الأخير كان "مسؤولاً عن مقتل 32 ألف شخص". ثم أعلن في الـ15 من أبريل (نيسان) الماضي عبر منصة "تروث سوشيال"، أن النظام الإيراني "قتل ما لا يقل عن 42 ألف متظاهر بريء وأعزل تماماً خلال الشهرين الماضيين"، قبل أن يعيد، بعد نحو أسبوعين، تكرار الرقم نفسه ضمن تصريح آخر.
واكتسبت هذه التصريحات أهمية خاصة، بالنظر إلى صدورها عن رئيس الولايات المتحدة، غير أن الإدارة الأميركية لم تكشف عن طبيعة المصادر أو التقديرات التي استندت إليها في إعلان هذه الأرقام. ولذلك، تختلف هذه التصريحات، من ناحية طبيعتها، عن التقارير الحقوقية والإعلامية التي أوضحت، بدرجات متفاوتة، منهجيات التوثيق أو طبيعة مصادر المعلومات التي اعتمدت عليها، مما يجعلها تندرج في إطار المواقف والتقديرات السياسية أكثر من أنها حصيلة لعمليات توثيق مستقلة.
لماذا تتباين الأرقام إلى هذا الحد؟
وعند مقارنة مختلف الروايات، يتضح أن التباين لا يعود لاختلاف التقديرات وحسب، بل لاختلاف منهجيات التوثيق والاحتساب نفسها. فبعض الجهات اقتصرت على إدراج الضحايا الذين تمكنت من التحقق من هوياتهم ونشر أسمائهم، بينما اعتمدت جهات أخرى على تقديرات إحصائية استندت إلى وثائق مسربة، أو إفادات مصادر طبية وأمنية، أو تحليل أنماط السلوك الرسمي. كذلك، أسهمت التصريحات السياسية التي تضمنت تقديرات متفاوتة لأعداد الضحايا، في توسيع نطاق الجدل حول الحصيلة النهائية، من دون أن تكون جزءاً من عمليات التوثيق التي اعتمدتها المنظمات الحقوقية.
وزاد من تعقيد المشهد قطع الإنترنت والقيود المشددة على وسائل الإعلام ومنع المنظمات الدولية من الوصول إلى مواقع الأحداث، فضلاً عن غياب قاعدة بيانات رسمية مكتملة وقابلة للتدقيق، مما جعل التحقق المستقل من العدد الحقيقي للضحايا مهمة شديدة الصعوبة.
وبعد ستة أشهر على الاحتجاجات، لا تزال الحقيقة الكاملة بعيدة المنال. فبينما تتفق معظم الروايات، الرسمية والحقوقية والإعلامية، على أن ما جرى كان إحدى أكثر موجات القمع دموية في تاريخ إيران المعاصر، لا يزال العدد الحقيقي للضحايا موضع جدل، مع غياب تحقيقات مستقلة واستمرار حجب كثير من الوثائق والمعلومات التي قد تسمح، يوماً ما، بإعادة بناء الصورة الكاملة لتلك الأحداث.
وتكشف المقارنة بين الروايات الرسمية والتقارير الحقوقية والتغطيات الإعلامية الدولية والتصريحات السياسية عن أن الخلاف حول عدد ضحايا احتجاجات يناير الماضي لم يكُن خلافاً على رقم واحد، بقدر ما كان نتيجة لاختلاف منهجيات التوثيق وغياب الشفافية الرسمية وتعذر إجراء تحقيقات مستقلة داخل إيران.
وعلى رغم تباين التقديرات، فإن معظم الروايات تكاد تجمع على حقيقة واحدة، وهي أن ما شهدته إيران خلال يناير الماضي كان واحداً من أكثر أحداث القمع دموية في تاريخها المعاصر، وأن حجم الخسائر البشرية تجاوز بكثير ما اعتادت السلطات الإيرانية الإعلان عنه أثناء موجات الاحتجاج السابقة.
ولذلك، قد لا يكون السؤال الأهم اليوم، كم بلغ عدد القتلى؟ بل متى سيكون بالإمكان معرفة العدد الحقيقي؟ فالإجابة عن هذا السؤال لن تحدد فقط حجم واحدة من أكثر موجات القمع دموية في تاريخ إيران، بل ستسهم أيضاً في كتابة الحقيقة التاريخية وتوثيق انتهاكات حقوق الإنسان وتحديد المسؤوليات القانونية والسياسية. وإلى أن تصبح الوثائق الرسمية متاحة، وتُجرى تحقيقات مستقلة وشفافة، سيظل العدد الحقيقي للضحايا موضع جدل، وستبقى الحقيقة الكاملة بانتظار ما تكشف عنه الوثائق والشهادات التي لم ترَ النور بعد.
ومع استمرار انقطاع الإنترنت وغياب التحقق المستقل، تظل الأرقام الحقيقية غير مؤكدة. وتؤكد تصريحات المرشد الإيراني السابق علي خامنئي بأن القتلى من 'عناصر مرتبطة بالولايات المتحدة وإسرائيل' الرواية الرسمية المعهودة، مما يعمق الفجوة بين السلطات والمحتجين. وتشير التجارب السابقة إلى أن الملف قد يظل مفتوحاً لسنوات دون إجابات شافية.
المصدر الأصلي: اندبندنت عربية
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.