بقلم لينا غسان أبو زيد

نُشر في 17 يوليو 2026

في ملعب كرة قدم صغير في دير البلح، وسط غزة، يرتفع صوت الهتافات والضحكات فوق الصمت المخيف للإبادة الجماعية الإسرائيلية المستمرة. في الملعب، أحد الملاعب القليلة التي نجت من الحرب حتى الآن، مجموعة من الشابات ذوات الأطراف الاصطناعية يمررن الكرة عبر سطح الملعب الاصطناعي.

إنهن جزء من فريق من الشابات الفلسطينيات اللواتي فقدن أطرافًا في القصف الإسرائيلي أو خضعن لبتر أعضاء بعد إصابات مشلّة للحياة.

تبدأ القصص هنا بالألم الذي عانت منه كل لاعبة خلال لحظات تلك الغارات الجوية، والرحلة الطويلة التي أعادتهن إلى أقدامهن.

وكان لدور فريق جمعية فلسطين لكرة القدم للنساء مبتوري الأطراف دور محوري في مساعدتهن على التعافي جسديًا ونفسيًا من محنهن التي غيرت حياتهن.

منذ بدء الحرب الإسرائيلية على القطاع في 7 أكتوبر 2023، شهدت غزة واحدًا من أعلى أعداد مبتوري الأطراف المسجلة في التاريخ الحديث.

تقدّر منظمة الصحة العالمية والسلطات الصحية الفلسطينية أن أكثر من 5000 شخص في غزة خضعوا لبتر أطراف في القصف الإسرائيلي.

طريق التعافي

من بينهن فرح أبو قيناس البالغة من العمر 23 عامًا، والتي كانت جالسة في منزل جدتها ليلة 28 يونيو 2024 عندما تم قصف موقع قريب.

أصيبت فرح بإصابات خطيرة في ساقها اليسرى، بينما تعرضت ساقها اليمنى لحروق شديدة. في البداية، كانت تأمل أن يعيدها العلاج إلى حياتها الطبيعية، لكنها تلقت التشخيص المدمر بأنه نظرًا لشدة الجروح في ساقها اليسرى، يجب بترها.

فرح أبو قيناس فقدت ساقها في غارة جوية عام 2024 [عمر أشتاوي/الجزيرة]

لم يكن فقدان ساق سوى جزء من المحنة؛ ما تبع ذلك كان العزلة وإدراك أن كل جانب من حياتها اليومية قد تغير إلى الأبد.

بعد مغادرة المستشفى، حتى أبسط الحركات أصبحت صعبة، وأصبح التأهيل البدني روتينًا يوميًا. مع مرور الوقت، شعرت أن عالمها يتقلص داخل جدران منزلها بينما كان تعافيها أبطأ بكثير مما كانت تأمل.

تغير كل هذا عندما التقت خلال جلسة علاج طبيعي بفؤاد أبو غليون، رئيس جمعية فلسطين لكرة القدم لمبتوري الأطراف.

لقد ساعد في تأسيس فريق غزة للنساء مبتوري الأطراف الذي يضم الآن 11 لاعبة – تسع مبتورات الأطراف السفلية ولاعبتان مبتورتا الأطراف العليا تلعبان كحارسات مرمى.

سرعان ما تلقت فرح دعوة للانضمام إلى إحدى جلسات التدريب وقررت أن تجرب. بينما كان التكيف مع لعب كرة القدم صعبًا في البداية، تلقت الدعم من نساء أخريات مررن بتجارب مماثلة لتجربتها.

تتحرك الآن بثقة أكبر داخل الملعب وخارجه. بمساعدة ساقها الاصطناعية، تطارد الكرة جنبًا إلى جنب مع زميلتيها روزان خير وعائشة العبادلة.

على الرغم من اختلاف قصصهن، فإن فرح وروزان وعائشة جميعًا فقدن طرفًا أو يعشن مع إعاقة جسدية.

لقد وجدن مساحتهن لاستعادة الشعور بالهدف والثقة والانتماء من خلال فريق كرة القدم هذا.

أكثر من قصة واحدة

في 19 نوفمبر 2023، في ذروة الحرب، دمرت غارة جوية منزلًا مقابل منزل روزان خير مباشرة، مما تركها مصابة بجروح بالغة.

حاولت روزان النهوض من السرير لكنها لم تستطع. في عيادة قريبة، قال طبيب إن ساقها كانت متصلة بجسدها بقطعة صغيرة من الجلد فقط، ولم يكن أمامهم خيار سوى بترها.

الآن، تتوازن على عكازاتها وهي تمرر الكرة إلى زميلة لها عبر الملعب بإصرار وتحدٍ ملحوظين.

قالت للجزيرة: "الاحتلال بتر أجسادنا، لكنه لم يستطع بتر أحلامنا أو إرادتنا في الحياة".

كفاح الفاخوري وفؤاد أبو غليون لعبا دورًا رئيسيًا في الفريق [عمر أشتاوي/الجزيرة]

ولدت عائشة العبادلة بذراع غير مكتملة. يعتقد الأطباء أن الإعاقة قد تكون ناجمة عن تعرض والدتها للفوسفور الأبيض، الذي استخدمته إسرائيل خلال حربها الأولى على غزة عام 2008، بينما كانت حامل بعائشة.

اليوم، تحلم عائشة بأن تصبح حارسة مرمى المنتخب الوطني الفلسطيني لكرة القدم للنساء مبتوري الأطراف.

يقول فؤاد إن فريق النساء لم يكن مجرد كرة قدم، بل كان أيضًا خلق مساحة حيث يمكن للنساء، مثل عائشة، إعادة الاتصال بأنفسهن وبالآخرين.

في النهاية، أصبحت كرة القدم وسيلة مهمة للتعافي الجسدي والنفسي لهن بعد صدمتهن.

لا يزال الفريق يواجه تحديات هائلة، بما في ذلك الموارد المحدودة والدعم غير الكافي، لكنه تمكن من البقاء حتى الآن من خلال الجهود المجتمعية والشراكات.

يأتي ذلك في وقت قُتل فيه 1009 من أفراد المجتمع الرياضي الفلسطيني في حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة، مع القضاء شبه الكامل على بنيتها التحتية الرياضية.

التعافي من خلال كرة القدم

يقول الدكتور خضر أبو شمالة، أخصائي علم النفس الرياضي ومدرب فريق غزة للأمل، إن فوائد لعب كرة القدم لمبتوري الأطراف تتجاوز بكثير تأهيلهم البدني.

حارسة المرمى عائشة العبادلي وجدت حياة جديدة من خلال كرة القدم [عمر أشتاوي/الجزيرة]

يعاني العديد من هؤلاء الناجيات في البداية من العزلة والانسحاب. الانضمام إلى فريق مكون من أشخاص مروا بتجارب مماثلة يساعدهن على استعادة الثقة وإعادة الاتصال بالمجتمع.

اليوم، تقف فرح وزميلاتها في ملعب كرة القدم ليس فقط كناجيات من الحرب، ولكن كرياضيات بطموحات وأهداف.

ربما فقدن أجزاءً من أجسادهن، لكنهن يتشبثن بما هو الأهم: العزم على المضي قدمًا في الحياة.

في غزة، حيث تركت الحرب آلاف الأشخاص بإصابات غيرت حياتهم وندوب نفسية عميقة، تكتب هؤلاء الشابات قصة مختلفة: لا تبدأ بالفقد، بل باللحظة التي اخترن فيها العيش مرة أخرى.