كشفت السلطات الأوكرانية أن موسكو نفذت هجومًا بالصواريخ الباليستية يُعد من الأكبر منذ أكثر من أربع سنوات من الحرب الواسعة النطاق، وركز الهجوم الذي استمر من ليل السبت إلى الأحد على العاصمة كييف.

ويأتي هذا الهجوم في إطار التصعيد المستمر بين الجانبين منذ اندلاع الحرب في فبراير 2022.

أفادت القوات الجوية الأوكرانية بأن روسيا شنت 'هجومًا واسعًا ومشتركًا' على أوكرانيا، جمع بين طائرات مسيّرة هجومية وصواريخ متعددة الأنواع تُطلق من الجو والبر، وأكدت أن كييف كانت الهدف الأساسي.

وقال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي: "أطلق العدو أكثر من 40 صاروخًا من أنواع مختلفة، استهدف معظمها العاصمة، إضافة إلى 120 طائرة مسيّرة هجومية".

وأفاد مراسلو شبكة CNN في كييف بأن القصف كان عنيفًا ومكثفًا واستمر نحو ساعتين خلال الليل. وأضاف أحد المراسلين أنه كان يمكن شم رائحة الدخان بقوة صباح الأحد، بينما ظل الإنذار الجوي ساريًا في المدينة.

وصرح وزير الخارجية الأوكراني أندري سيبيها بأن روسيا أطلقت 'نحو 40 صاروخًا باليستيًا'، واصفًا إياه بأنه 'أكبر عدد من الصواريخ الباليستية منذ بداية الحرب'.

وأضافت القوات الجوية الأوكرانية أن أنظمة الدفاع الجوي "أسقطت أو حيّدت 126 هدفًا، بينها 18 صاروخًا و108 طائرات مسيّرة". لكنها أوضحت أن 23 صاروخًا و10 طائرات مسيّرة أصابت 20 موقعًا مختلفًا.

وأظهرت صور من كييف حفرة ضخمة خلّفها أحد الصواريخ، إلى جانب واجهات مبانٍ متفحمة، فيما تعرض مستودع لوجستي كبير لأضرار جسيمة.

وأعلنت هيئة الطوارئ الحكومية الأوكرانية تسجيل ضربات في خمسة أحياء من العاصمة، مشيرة إلى مقتل شخص وإصابة 16 آخرين في كييف.

وفي أنحاء أوكرانيا، أفادت السلطات المحلية بمقتل ما لا يقل عن 16 مدنيًا وإصابة 77 آخرين خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية جراء الهجمات الروسية بالصواريخ والطائرات المسيّرة، وكانت معظم الخسائر في منطقتي خاركيف ودونيتسك.

في المقابل، أكدت وزارة الدفاع الروسية تنفيذ ما وصفته بـ"ضربة واسعة" استهدفت "منشآت الصناعات الدفاعية ومراكز الخدمات اللوجستية في مدينة كييف"، وأضافت لاحقًا عبر تطبيق "تيليغرام": "نحن مستعدون ونواصل تنفيذ المهام".

وجاءت الضربات الروسية بعد هجمات أوكرانية مدمرة بطائرات مسيّرة استهدفت، في وقت مبكر السبت، مركزين لوجستيين، وأسفرت عن مقتل ثمانية أشخاص.

وقال زيلينسكي: "الحماية من الصواريخ الباليستية تمثل أولويتنا القصوى باستمرار. نحن بحاجة إلى صواريخ اعتراضية كل يوم، وأشكر جميع من يلتزم باتفاقاتنا ويضمن تسليم قدرات الدفاع المضادة للصواريخ الباليستية".

وطالبت أوكرانيا مرارًا بالحصول على مزيد من الصواريخ الاعتراضية القادرة على التصدي للصواريخ الباليستية، التي تجعل سرعتها العالية ومسارها من الصعب اعتراضها، إذ يمكنها العودة إلى الغلاف الجوي بسرعات تفوق سرعة الصوت عدة مرات.

ويقول محللون إن روسيا كثفت وتيرة الهجمات المشتركة بالصواريخ والطائرات المسيّرة بهدف تدمير البنية التحتية الأوكرانية.

وقال فيليبس أوبراين، أستاذ الدراسات الاستراتيجية في جامعة سانت أندروز باسكتلندا: "قصف المدن الأوكرانية بالصواريخ الباليستية أصبح الآن استراتيجية مفضلة لدى روسيا، ومن المتوقع أن نشهد المزيد من هذه الهجمات".

في المقابل، تتراجع مخزونات أوكرانيا من صواريخ "باتريوت" الأمريكية، التي تشهد أيضًا طلبًا متزايدًا من حلفاء الولايات المتحدة في ظل الصراع الدائر في الخليج. ورغم أن الولايات المتحدة تعمل على زيادة إنتاج هذه المنظومة، فإن الطلب لا يزال يفوق المعروض.

وفي وقت سابق من هذا الشهر، اقترح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن تُنتج أوكرانيا صواريخ "باتريوت" بموجب ترخيص، إلا أن تنفيذ هذا المشروع قد يستغرق أشهرًا، وربما سنوات.

كما تعمل أوكرانيا مع فرنسا وإيطاليا على ترتيبات لإنتاج صواريخ منظومة الدفاع الجوي (SAMP/T)، إلا أن بعض المحللين يرون أن أداءها لم يرتقِ أحيانًا إلى مستوى منظومة "باتريوت".

وفقًا لفابيان هوفمان من المعهد النرويجي للدراسات الدفاعية، فإن سوق الصواريخ الاعتراضية القادرة على تدمير الصواريخ الباليستية يضم "عددًا محدودًا من الموردين، وفترات توريد طويلة، وتساؤلات غير محسومة حول الكفاءة والقدرة".

وفي المقابل، واصلت أوكرانيا استهداف البنية التحتية الروسية للطاقة، إذ شنت هجومًا جديدًا، فجر الأحد، على محطة تصدير تنقل النفط من كازاخستان إلى البحر الأسود.

وأعلن "اتحاد خط أنابيب بحر قزوين"، المشغل للمحطة الواقعة على الساحل الروسي للبحر الأسود، أن ناقلتين تعرضتا للإصابة، وأن عمليات تحميل النفط توقفت، مؤكدا عدم وقوع إصابات. وكانت المحطة نفسها قد تعرضت لهجوم، الجمعة.

كما أعلنت أوكرانيا، الأحد، أنها استخدمت طائرة مسيّرة بحرية لاستهداف ناقلة نفط في البحر الأسود تعمل ضمن ما تصفه بـ"أسطول الظل" الروسي، وقالت إن الناقلة تُدعى (Avero)، وكانت قد دخلت البحر الأسود الخميس، لكنها ليست خاضعة لعقوبات أمريكية أو أوروبية، وفقًا لخدمة تتبع السفن (MarineTraffic).

كما تم استهداف ثلاثة مستودعات نفط في جنوب روسيا، وفقًا لجهاز الأمن الأوكراني.

واستمرت المعارك في البحر الأسود حتى مساء الأحد، عندما هاجمت القوات الروسية سفينة الشحن المدنية (Golden Leo)، المملوكة لشركة تركية، بحسب البحرية الأوكرانية.

وقالت البحرية إن ثلاثة صواريخ أصابت الجانب الأيمن من السفينة، ما أدى إلى اندلاع حريق على متنها، بينما كانت تنقل شحنة من الحبوب انطلقت من ميناء أوديسا.

وأوضحت إدارة الموانئ البحرية الأوكرانية أن عمليات البحث والإنقاذ استمرت طوال الليل، وأسفرت عن مقتل 10 أشخاص، فيما جرى إنقاذ ثمانية من أفراد الطاقم ونقلهم إلى الشاطئ.

وأكدت موسكو أن الهجوم استهدف منشآت دفاعية ومراكز لوجستية في كييف، بينما تشير كييف إلى سقوط ضحايا مدنيين. وتأتي هذه الضربات في ظل استمرار الحرب لأكثر من أربع سنوات دون مؤشرات على قرب التوصل إلى تسوية. ويرى مراقبون أن الهجمات الباليستية المتكررة تهدف إلى إضعاف منظومات الدفاع الجوي الأوكرانية قبل أي عمليات برية محتملة.