ملخص

في الآونة الأخيرة، تحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى فضاء خصب للنشاطات غير القانونية، بما في ذلك الاتجار بالمخدرات واستهداف القاصرين لأعمال مخلة.

وتتوالى القضايا التي تكشف الجانب المظلم من نجومية وسائل التواصل الاجتماعي في لبنان.

ثمة شعرة رفيعة تفصل بين القدرة على التأثير في الفضاء العام واستغلال النفوذ الذي تمنحه الشهرة الرقمية لارتكاب أعمال غير مشروعة.

وهذا ما تؤكده وقائع متكررة في لبنان، فبعد قضية "عصابة تيك توك" التي هزت الرأي العام في مايو (أيار) 2024 بما كشفته عن استدراج وابتزاز واستغلال قاصرين، جاء حكم الإدانة بحق البلوغر "الدكتور فوود"، واسمه الحقيقي جورج ديب، ليوسع نطاق التساؤلات حول الوجه الخفي لعالم المؤثرين، وكيف يمكن للمنصات الرقمية أن تتحول من فضاء للتأثير والترويج إلى أداة لممارسات غير قانونية.

وبين القضيتين، يتكشف مسار مقلق يتجاوز صناعة المحتوى والترفيه والتأثير في الأذواق والرأي العام، إلى استخدام الشهرة الرقمية كوسيلة لاستدراج الضحايا، وإغرائهم، ثم ابتزازهم أو استغلالهم. ومع اتساع نفوذ المؤثرين، يبدو أن بعض مستخدمي المنصات يعيدون تعريف مفهوم النجومية، ليس باعتبارها مسؤولية اجتماعية، بل باعتبارها حصانة غير مكتوبة تسمح بتجاوز القانون والإفلات من المحاسبة.

7.jpg

جاءت إدانة البلوغر "الدكتور فوود"، واسمه الحقيقي جورج ديب، لتوسع دائرة التساؤلات حول الوجه الآخر لعالم المؤثرين (صفحته الخاصة على فيسبوك)

إدانة "الدكتور"

على مدى السنوات الخمس الماضية، نال "الدكتور فوود" المنحدر من عكار في شمال لبنان شهرة واسعة، وتألق نجمه بفضل محتواه الذي يتناول تقييم أطباق أبرز المطاعم أو منتجاته الخاصة، وتحولت يومياته المصورة مع زوجته "شروق" إلى حديث الناس، وذاع صيته في ديسمبر (كانون الأول) 2021 بعد الواقعة المحرجة التي تسبب بها "فيديو الاستهزاء" من كعكة أبو هيثم، صاحب بسطة لبيع الكعكة الطرابلسية في الشمال، ثم اعتذاره لاحقاً للرجل المسن.

بخطوات سريعة انتقل هذا الرجل من وراء شاشات المستخدمين إلى قطاع الصناعة، إذ أطلق منتجات خاصة به تحمل اسمه وصورته، ثم أتت الصدمة قبل أشهر التي أحدثتها الملاحقة القضائية الصادرة في حقه بتهمة تصنيع والاتجار بالمخدرات بعد ضبط شحنة مخدرات داخل صناديق بسكويت الوايفر الخاص به كانت متجهة نحو تركيا.

ومع بدء المحاكمة، اعتبر الدكتور فاراً من وجه العدالة بسبب عدم مثوله أمام القضاء اللبناني.

والقرار الأكبر جاء في الـ16 من يوليو (تموز) الجاري مع إصدار محكمة الجنايات في جبل لبنان حكماً غيابياً في حقه، وفيه قررت المحكمة إنزال الأشغال الشاقة المؤبدة في حق جورج حنا ديب "دكتور فوود"، وشركائه بموجب المادة 150 من قانون المخدرات في عملية تصنيع وتهريب المخدرات داخل البسكويت إلى خارج لبنان، وأتى في نص القرار القضائي "استغلال اسم الشركة وشهرتها في عمليات التهريب والاتجار بالمخدرات".

لم يمثل الدكتور فوود أمام القضاء للدفاع عن نفسه، كذلك فإنه لم يلتزم الصمت، بل آثر الظهور عبر منصات التواصل الاجتماعي التي يجيد لعبتها جيداً مدافعاً عن نفسه، ومؤكداً براءته، وشبه مسيرته بعظماء التاريخ الذين عانوا كثيراً لأن الوصول إلى النجاح صعب، مؤكداً أنه مستمر بعمله، وأنه لم يمثل أمام القضاء بسبب الحرب.

جرائم الياقات البيضاء

يعيد القرار القضائي في حق الدكتور فوود تسليط الضوء على مجموعة من الجرائم يعرفها رجال القانون بأنها "جرائم أصحاب الياقات البيضاء"، وهي عندما يستخدم نافذون وأصحاب سلطة ومال وجرأة مواقعهم ومكانتهم من أجل ارتكاب انتهاكات واسعة للقانون والجرائم. ولكن الجديد في الوضع الراهن هو دخول وسائل التواصل الاجتماعي بوصفها وسيطاً في تلك الجرائم، واستغلال النفوذ الذي تمتلكه على الرأي العام والشهرة والنجومية الناجمة عنها من أجل تغطية تلك الأفعال.

وفي الأسباب، لا يعود لجوء بعض المؤثرين إلى استغلال منصاتهم في أنشطة غير مشروعة إلى عامل واحد، بل إلى تلاقي النفوذ الرقمي مع الإغراء الاقتصادي وضعف الضوابط، فكلما اتسعت قاعدة المتابعين، ازدادت القدرة على التأثير في قراراتهم وسلوكهم، وتحولت الثقة التي يبنيها المؤثر مع جمهوره إلى رأسمال يمكن استثماره في تسويق منتجات أو خدمات أو مشاريع قد لا تخضع للرقابة الكافية.

وتمنح طبيعة المنصات الرقمية، القائمة على السرعة والانتشار الواسع وصعوبة التحقق الفوري من المعلومات، مساحة أكبر لإخفاء الممارسات المخالفة أو إضفاء شرعية عليها من خلال صورة المؤثر وسمعته، بما يجعل المتابع أكثر استعداداً للتصديق وأقل ميلاً إلى التشكيك.

3.jpg

الدكتور فود متهم بالاتجار بالمخدرات مستغلاً شهرته (موقع بيكسلز)

ما رأي أصحاب الاختصاص؟

تؤكد الدكتورة سابين الكك أستاذة القانون في الجامعة اللبنانية أن "وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت ملاذاً حقيقياً لجرائم أصحاب الياقات البيضاء في ارتكاب جرائمهم المالية والمصرفية وتبييض الأموال والاحتيال المالي والتهرب الضريبي بسبب عدم انضباطها في كثير من الدول تحت أحكام وضوابط قوانين الجرائم الجمركية والمالية والضريبية، كذلك فإنها انتشرت إلى حدود قصوى مع الاقتصاد الرقمي والعملات الرقمية والإعلانات الوهمية"، لافتة إلى ما يعرف بـ"البونزي سكيم" أي إيهام الجمهور بخلق مشاريع وهمية غير موجودة أصلاً عبر مواقع التواصل الاجتماعي بواسطة أصحاب الياقات البيضاء والأشخاص الذين يعتلون مناصب كبيرة في القطاع العام والخاص.

وتعتبر الكك أن "وسائل التواصل الاجتماعي على غرار أي أداة، ذات استعمال مزدوج، فلها وجه حسن من أجل الأهداف الإيجابية والمصلحة العامة، ولكن لها وجه آخر وسلبي، الذي لا يتوقف عند التأثير السلبي في أفكار الجمهور وتنميط الرأي العام، وإنما يتجاوزه إلى استخدامها كوسيلة لتسهيل ارتكاب الجرائم العابرة للحدود"، حين "يستخدمها المجرمون إما لتسهيل جرائمهم أو تلميع صورتهم بعد مسار من الفساد، ويستفيدون من انتشارها الواسع والسرعة في الوصول إلى أكبر شريحة ممكنة من الجمهور من مختلف الأعمار والأجيال، كذلك فإنها عابرة للمناطق والدول".

تشدد سابين الكك أن "تلك الأفعال لا يمكن توصيفها بالجرائم الإلكترونية التي تشكل نوعاً خاصاً من الجرائم، وإنما هي جرائم تقليدية يطور الفاعلون وسائلها وأدواتها، إذ أصبحت المساحة الرقمية والإلكترونية ملاذاً لها أو ستاراً يخبئها، لذا فهي ليست جرائم تحصل وتقتصر آثارها على الفضاء الرقمي وإنما تتجاوزها إلى أرض الواقع بأبعادها الاجتماعية والإنسانية والأمنية الخطرة جداً".

من هذا المنطلق، تعتقد سابين الكك بضرورة تشديد الأحكام والعقوبات لقضايا كهذه بسبب سهولة الوصول إلى الضحايا على نطاق واسع سواء كانوا أطفالاً أم كباراً وشرائح اجتماعية واسعة من المستخدمين، مستدركة أن "الأمر يتطلب ورشة تشريعية واسعة في لبنان من أجل ضبط هذه الجرائم وتعديل القوانين، ناهيك بضرورة التنبه إلى تأثير تلك الوسائل الرقمية في الأمن القومي بفعل استخدامها بأعمال التجسس أم الإيقاع بالأشخاص، وتتبع تحركاتهم ونمط حياتهم حسب الكك.

اقرأ المزيد

"الحقيقة وراء الفلتر"

ترافقت إدانة "الدكتور فوود" مع بدء ملاحقة عصابة للأفعال المنافية للحشمة داخل وخارج لبنان، حيث شكلت وصيفة أولى لملكة جمال سابقة إحدى ركائزها، وهي من المؤثرين على منصات التواصل الاجتماعي إذ لديها مئات آلاف المتابعين.

هذا التزامن أثار إشكالية متجددة حول ضلوع شخصيات عامة في تلك الجرائم، وهل هو من أجل الاستفادة من شهرتها ونفوذها لاستقطاب الزبائن والرهان على شبكة علاقاتها من أجل الهرب من المسؤولية؟ أم أن شهرة تلك الأشخاص قادت إلى سرعة انتشار الأخبار حول قضية وجريمة منتشرة أصلاً في المجتمع؟

مما لا شك فيه أن الشق الإعلامي وانتشار الخبر يفوق انتشاره في كثير من الأحيان تلك التفاصيل الدقيقة والمعطيات القانونية للقضية، حين تسهم شهرة ونجومية الشخصية المعروفة الملاحقة في الترويج للخبر.

في السياق ترى أستاذة الإعلام في الجامعة اللبنانية الدكتورة مهى زراقط أن "الحالات التي وصلت إلى الرأي العام لا تزال تبدو فردية، لكن يمكن الحديث عما يثيره انتشار أخبار ملاحقة مؤثرين، قضائياً، من تأثير لدى الرأي العام"، إذ تؤكد أنه "من جهة، تعزز الانطباع بأن الشهرة لا توفر حصانة من المساءلة القانونية. ومن جهة ثانية، تتحول هذا القضايا غالباً إلى حدث عام قد يحدث انقساماً بين الجمهور، إذ يميل جمهور الشخص المشهور إلى التشكيك في الاتهامات أو اعتبارها استهدافاً شخصياً له"، من هنا، تدعو زراقط إلى أن "تتحلى التغطية الإعلامية لهذه القضايا بالدقة، وتلتزم مبدأ المتهم بريء حتى تثبت إدانته".

التأثير الجماهيري

أسهمت وسائل التواصل الجماهيري في كثير من الأحيان بظهور عدد كبير من المؤثرين بالمعنى الرقمي، البعض منهم يبقى ظرفياً ويزول مفعوله بتراجع المحتوى واهتمام الناس به، والبعض الآخر ينصب نفسه موجهاً لآراء الناس، إذ يمتلك قدرة على التأثير بغض النظر عن قيمة أو تفاهة ما يقدمه.

ويقود ذلك إلى التساؤل حول التغيير الذي طرأ على فكرة "القدوة" في زمن التواصل الاجتماعي الرقمي، وهو مفهوم لاقى اهتماماً لدى علماء الاجتماع والنفس بوصفه أنموذجاً يبحث الناس عن تقليده والتماهي معه والتشبه به، إذ بات يطغى على الاهتمامات البحث عن الشهرة والربح السريع.

تشير الدكتورة مهى زراقط إلى أنه "لا يمكن الجزم بأن جماهيرية مؤثر ما تعني تأثراً تاماً به، لكن صحيح، أصبحت الشهرة على مواقع التواصل الاجتماعي مرادفاً للنجاح لدى كثير من الشباب"، لافتة "عندما يتحول المؤثر إلى قدوة، فإن أي سلوك أو اتهام يرتبط به لا يؤثر في صورته وحدها، بل قد يهز أيضاً النموذج الذي يسعى بعض الشباب إلى تقليده. وهذا ما يدفعنا إلى طرح السؤال عن نوع القدوة التي تنتجها مواقع التواصل الاجتماعي، ويدعونا إلى إعادة التفكير في معايير النجاح التي تروجها هذه المواقع".

تعتقد زراقط أن "الشهرة وعدد المتابعين والثروة الظاهرة لا تكفي وحدها للحكم على الأشخاص أو لاتخاذهم قدوة. لذا، من الضروري تنمية الحس النقدي لدى الجمهور، ودفعهم إلى السؤال دائماً: ماذا يخفي الضوء المسلط على المؤثرين؟"، معتبرة أن "الجمهور يرى عبر مواقع التواصل الاجتماعي الصورة النهائية، المفلترة، ولا يعرف شيئاً عن خلفياتها أو ظروف إنتاجها، أو الهدف الحقيقي منها. لذا، كما تسلط الضوء على شيء ما، كلما كان واجبنا أن نفكر كثيراً في ما يحاول هذا الضوء إخفاءه".

424851-667520765.jpg

أسهمت وسائل التواصل الجماهيري في كثير من الأحيان بظهور عدد كبير من المؤثرين بالمعنى الرقمي​​​​​​​ (ا ف ب)

جرائم فادحة

من جهتها، ترى الدكتورة سابين الكك انطلاقاً من الاتهامات الموجهة إلى مشاركات ومشاركين في مسابقات جمالية وطنية وجوب فرض التزامات إضافية على المشاركين بعدم القيام بأي فعل من شأنه المساس بسمعة المسابقة والبلد، وصولاً إلى تشديد العقوبات بسبب الإساءة إلى صورة وطن بأكمله والتسويق المبتذل للشعب والمرأة اللبنانية.

وتنتقد المنحى المتبع من قبل البعض على وسائل التواصل الاجتماعي، الذي قد يشجع الأجيال المقبلة على عرض أجسادهم على المنصات من أجل الكسب السريع والعمل في مهن غير مشروعة، معتبرة أن "ثمة ضرورة للتوعية على نطاق واسع، ولكن في المقابل هناك ضرورة للتحقق من هوية مؤثري مواقع التواصل الذين يروجون لأنفسهم بأنهم مدربو مهارات اجتماعية، وخبرات تغذية وروحانيون، ومستشارون ماليون من دون أي كفاءة علمية حقيقية، حين يصبح المعيار الحقيقي للتأثير في عدد المتابعين وليس ما يقدمونه من معلومات ذات صدقية".

وتنبه الكك أخيراً ومن منظور قانوني إلى تحول مواقع التواصل الاجتماعي إلى وسيلة للتهرب الضريبي بسبب عدم مراقبة المردود المالي الناتج منها، وعدم التدقيق بمشروعيته، أو اتباع إجراءات التصريح عن الدخل، واستخدام القنوات المالية النقدية وغير المراقبة من خلال شركات تحويلات الأموال، وهو ما يحيل دون إمكان ضبطها بوصفها أعمال "أصحاب الياقات البيضاء".

يطرح هذا الملف تساؤلات حول مدى فعالية الرقابة القانونية على المؤثرين. كما يسلط الضوء على ضرورة تعزيز المساءلة في الفضاء الرقمي، خاصة مع تزايد حالات استغلال الشهرة لتحقيق مكاسب غير مشروعة. ومن المنتظر أن تتابع الأوساط القضائية والرأي العام تطورات هذه القضايا التي تعكس تحدياً متصاعداً للقوانين التقليدية.