ملخص

رفع منظمو مبادرة جنيف شعار "الحوار الليبي – الليبي" بعيداً عن الوصاية الخارجية، لكن الكشف عن حكومة جديدة أثار تساؤلات حول شرعيتها وتوقيتها، وقدرتها على الانتقال من مبادرة سياسية إلى واقع ملموس.

تأتي هذه المبادرة في ظل استمرار الانقسام السياسي والأمني في ليبيا، مع تنافس جهات دولية ومحلية على قيادة العملية السياسية.

في وقت كانت الأوساط السياسية الليبية تترقب ما ستسفر عنه المبادرة التي تعمل الولايات المتحدة على رسم ملامحها لتوحيد المؤسسات التنفيذية والأمنية وإنهاء المرحلة الانتقالية، باغتت مجموعة من الناشطين والسياسيين المشهد بإعلان تشكيل "حكومة ليبية موحدة" من مدينة جنيف السويسرية، في خطوة قلبت مسار النقاش من انتظار مبادرة دولية مرتقبة إلى جدل واسع حول مبادرة محلية بدت، في نظر كثيرين، محاولة استباقية لفرض واقع سياسي جديد، بل وقطع الطريق على أي ترتيبات يجري إعدادها خلف الكواليس.

من قلب جنيف، المدينة التي ارتبط اسمها بمحطات الحوار الليبي في السنوات الماضية، خرج المشاركون في ما أسموه "ملتقى الحوار السياسي الليبي" ليعلنوا تكليف مصطفى المجدوب برئاسة حكومة جديدة، مؤكدين أن مشروعهم ينطلق من إرادة ليبية خالصة، بعيداً عن رعاية الأمم المتحدة أو أي وصاية خارجية.

دوامة من الجدل

شكل صدور الإعلان عن الحكومة الجديدة صدمة كبيرة ومفاجئة للوسط السياسي بداية من اسم رئيس الحكومة نفسه، الذي لم تُعرف له أدوار سياسية بارزة على المستوى الوطني، ولم يسبق أن شغل مناصب تنفيذية أو تشريعية معروفة، مما أثار تساؤلات حول معايير اختياره لرئاسة الحكومة المعلنة من جنيف.

أما الإعلان نفسه الذي بدا في البداية محاولة لكسر الجمود السياسي، سرعان ما أثار موجة واسعة من التساؤلات حول أسبابه وتداعياته: هل تمثل هذه الخطوة بداية مسار سياسي جديد يعبر عن السخط من المؤسسات القائمة، أم هي مجرد عنوان جديد يُضاف إلى قائمة المبادرات التي لم يُكتب لها النجاح، وهل جاءت استجابة لفراغ سياسي حقيقي، أم تعكس سباقاً محموماً لفرض وقائع جديدة قبل أن تتبلور أي تسوية دولية للأزمة الليبية؟

اقرأ المزيد

واستباقاً لهذه الأسئلة والانتقادات المتوقعة قالت المجموعة المنظمة للحوار في بيان، إن "مشروعها يقوم على لجنة تحضيرية تضم 60 شخصية موزعة بالتساوي على الأقاليم التاريخية الثلاثة، ويمثلون أحزاباً ومنظمات مجتمع مدني وشخصيات نسائية، بهدف صياغة مشروع سياسي يقوده الليبيون أنفسهم بعيداً من التدخلات الخارجية".

بدا واضحاً في البيان أن المبادرة لا تستهدف الداخل الليبي وحده، بل تحمل أيضاً رسالة إلى المجتمع الدولي مفادها أن هناك أطرافاً ليبية ترفض استمرار إدارة الملف عبر المبادرات الخارجية. وهو ما أشار إليه بيان عبدالحكيم بعيو، أحد المرشحين لرئاسة الحكومة الجديدة، الذي أكد أن المشاركين جاءوا إلى جنيف ليقولوا إن ليبيا "ليست ملفاً تتقاسمه الدول"، وأن القرار الوطني يجب أن يبقى بيد الليبيين وحدهم.

ودعا بعيو أيضاً إلى خروج جميع القوات الأجنبية وفرق المرتزقة، سواء الروسية أو التركية، خلال مهلة لا تتجاوز شهرين، مع التأكيد في الوقت ذاته على الانفتاح الاقتصادي على جميع الدول، والترحيب بالشركات التركية والروسية للإسهام في إعادة الإعمار وفق القوانين الليبية.

وأعلن بعيو صراحة رفض مبادرة كبير مستشاري الرئيس الأميركي مسعد بولس، معتبراً أن "أي مسار يتجاوز الإرادة الوطنية لن يحظى بالقبول، في حين رحب بالاتفاق الثلاثي بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة والمجلس الرئاسي باعتباره خطوة يمكن البناء عليها للوصول إلى الانتخابات".

لماذا الآن؟

على رغم محاولة تقديم المبادرة باعتبارها مشروعاً وطنياً جامعاً، فإن توقيتها أثار كثيراً من علامات الاستفهام، وبخاصة أنه يأتي بالتزامن مع حراك سياسي دولي متزايد تقوده الولايات المتحدة وعدد من الأطراف الإقليمية للبحث عن صيغة جديدة لإنهاء المرحلة الانتقالية.

الصحافي الليبي فاتح الخشمي رجح أن "اختيار توقيت الإعلان لم يكن عفوياً، بل جاء في ظل شعور متزايد لدى بعض القوى السياسية والمدنية بأن المشهد يتجه نحو ترتيبات جديدة لتقاسم السلطة بين أطراف بعينها تطبخ خارج الإرادة الليبية، الأمر الذي دفع هذه المجموعة إلى محاولة تقديم نفسها بوصفها بديلاً وطنياً يرفض إعادة إنتاج الوصاية الدولية".

وتعكس المبادرة، في جانب آخر، بحسب الخشمي "حجم الإحباط الذي يسيطر على قطاعات من النخبة الليبية بعد أعوام طويلة من تعثر المسارات الأممية وتعاقب الحكومات الانتقالية من دون الوصول إلى انتخابات تنهي حال الانقسام".

وأضاف "لكن هذا الدافع، مهما كانت وجاهته، لا يعني بالضرورة أن المبادرة تمتلك المقومات اللازمة للتحول إلى مشروع سياسي قابل للحياة، وبخاصة في ظل غياب اعتراف المؤسسات الرسمية والقوى العسكرية الفاعلة بها".

أما الباحث السياسي عبدالعزيز أغنية، فاختصر موقفه من المبادرة بالقول إن ما جرى يعيد إلى الأذهان تجربة حكومة خليفة الغويل، معتبراً أنها لا تعدو كونها مراوغة سياسية جديدة من أطراف شاركت في استنزاف البلاد.

المحلل السياسي أحمد المهدوي، يذهب إلى توصيف أكثر حدة، معتبراً أن ما يجري في جنيف "مسرحية سياسية هزيلة" تعيد إنتاج الوجوه ذاتها والآليات نفسها التي أوصلت ليبيا إلى الانقسام.

ويرى المهدوي أن "اختزال الأزمة الليبية في اجتماعات مغلقة لاختيار رئيس حكومة بعيداً من الإرادة الشعبية والمؤسسات الشرعية لن ينتج حلاً، بل سيضيف طبقة جديدة من فقدان الثقة، مؤكداً أن ليبيا لا تحتاج إلى حكومات تصنع في الفنادق وقاعات الاجتماعات بقدر حاجتها إلى مؤسسات تستمد شرعيتها من صناديق الاقتراع".

تغيير قواعد اللعبة

في المقابل، حذر المحلل السياسي فوزي نجم من مغبة التقليل من تحركات سياسية من هذا النوع بقوله "من الناحية العملية، تبدو فرص تحول الحكومة المعلنة في جنيف إلى سلطة تنفيذية فاعلة محدودة، في ظل غياب الاعتراف المحلي والدولي، وعدم امتلاكها أدوات تنفيذ أو نفوذ ميداني، لكن ذلك لا يعني أن الخطوة بلا تأثير".

وتابع "مجرد الإعلان عن حكومة جديدة يعكس حجم التململ داخل المشهد الليبي، ويؤكد أن حال الانسداد السياسي باتت تدفع مجموعات مختلفة إلى البحث عن مسارات بديلة خارج الأطر التقليدية التي قادتها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية، كما قد تزيد المبادرة من تعقيد المشهد إذا تحولت إلى منصة تستقطب شخصيات أو قوى سياسية جديدة، بما يضيف فاعلاً آخر إلى خارطة مزدحمة أصلاً بالأجسام والمؤسسات المتنافسة".

وأوضح "تكشف مبادرة جنيف، قبل أي شيء، عن اتساع الفجوة بين تطلعات قطاعات من الليبيين إلى استعادة القرار الوطني، وبين واقع سياسي لا يزال محكوماً بتوازنات داخلية وخارجية معقدة، فهي تحمل شعارات تلقى صدى لدى جزء من الرأي العام، مثل رفض الوصاية الأجنبية، والمطالبة بخروج القوات الأجنبية، وإنهاء المرحلة الانتقالية عبر انتخابات، لكنها في الوقت ذاته تصطدم بسؤال جوهري: من يملك الشرعية الكافية لتحويل هذه الشعارات إلى مؤسسات وسلطة معترف بها؟".

واختتم "في ظل هذا المشهد قد لا تكون الحكومة التي أُعلنت في جنيف قادرة على تغيير موازين القوى، لكنها تؤكد أن الأزمة الليبية دخلت مرحلة جديدة لم يعد فيها التنافس مقتصراً على تشكيل الحكومات، بل امتد إلى التنافس على احتكار تمثيل الإرادة الوطنية نفسها، وبين هذا وذاك، يبقى الخاسر الأكبر هو المسار السياسي، بينما تظل الانتخابات، التي يجمع عليها الجميع في الخطاب، أبعد استحقاق على أرض الواقع".

الإعلان عن الحكومة الجديدة يعكس حالة من الإحباط من المبادرات الدولية، لكنه يثير مخاوف من تعميق الانقسام بدلاً من توحيد المؤسسات. ومع رفض أطراف رئيسية لها، يبقى مصير هذه الحكومة رهناً بقدرتها على حشد الدعم الداخلي والخارجي، في وقت تتسارع فيه الجهود الدولية لإيجاد حل شامل للأزمة الليبية.