قواعد الاشتباك وخيوط العنكبوت
قواعد الاشتباك وخيوط العنكبوت
21 يوليو 2026 - 00:00 | آخر تحديث 21 يوليو 2026 - 00:00
مذكرة التفاهم بين الجانب الأمريكي والإيراني يبدو أنها لم تصمد لشهر واحد، فالمذكرة التي وقّعت في 18 من الشهر الماضي «يونيو» بعد سبعة أيام من انطلاق المونديال الذي استضافته الولايات المتحدة، حيث أعلن مجتبى خامنئي «المرشد الغائب» أنها انتهت عملياً، وإن كان الجانب الأمريكي يرى بأن الخرق تم من الجانب الإيراني حين استهدف سفناً اتخذت من مسار محاذٍ لسلطنة عمان ذريعة، معتبرة أنها خالفت الحق المستوجب لها حسب تفسيرها للمادة الخامسة من المذكرة.
لا شك أن الأمريكان أرادوا هدوءاً يتماشى مع المونديال وإن كان ذلك لم يحدث تماماً، بالإضافة إلى السعي لتجنّب طلب تمديد العمل العسكري من الكونغرس بعد مهلة الستين يوماً التي تمنح للرئيس دون الرجوع للكونغرس، وبالطبع الإيرانيون عانوا من حصار خانق حول مضيق هرمز، وحصار هرمز أمر كثيراً ما قاموا به وسعوا له خلال العقود الماضية.
حيث كان النظام الإيراني قبل الثورة يستخدمه كأداة لتعزيز اقتصاده كممر رئيسي للنفط والبضائع، حتى حوّلته عقلية الثورة الخمينية لأداة للمنع والابتزاز، سواء كان الابتزاز للجار العربي القريب، أو للأوروبي والآسيوي الذي يتأثر بأسعار النفط، لكن رد فعل ترمب بحصار موانئهم كان أمراً لم يتحمّلوا تبعاته الاقتصادية.
حين أطلقت إيران الرصاصة الأولى كاسرة الهدنة، كانت محاولة لترسيخ أمر واقع بإدارة دائمة للمضيق، لم يكن ذلك يعكس كمية الضرر الاقتصادي والتأثير على الصادرات والواردات والعملة وخطوط الفقر التي ما زالت تسحب ملايين الإيرانيين تحتها فقط، بل كان يشير إلى أن المذكرة حين وقّعت كان دافعها الحصول على مليارات الدولارات مباشرة.
فالجميع ينظر إلى النتائج العسكرية وماذا أوقع صاروخ هنا وماذا تركت مسيّرة هناك، ويتناسون أن أكثر السيناريوهات إيلاماً لطهران هو قرار أمريكي بأن الحرب انتهت والرئيس ترمب انتصر، ولكن لا أفق لاتفاق مع النظام الإيراني، وبالتالي لا إزالة للعقوبات، فجريح الحرب مثقل بجراح لا يداويها إلا الدولارات ولو بدا صوت صراخه عالياً.
فالحرب عملياً أعادت إيران عشرات السنوات للخلف ورفعت تكلفة إعادة الإعمار لما يقارب النصف تريليون، وهذا لا يقاس به منازل الناس وأرزاقهم، بل كل الكلف على البنى التحتية والجسور، والجسر الأهم الذي أوجع كثيراً استهدافه هو جسر السكك الحديدية الذي مثّل شريان الحياة الأوحد إبان حصار الموانئ الإيرانية، وهو جسر «أكتيكه هان» والذي يربط طهران ببكين مروراً بتركمانستان وكازخستان، والذي استخدمته موسكو لنقل «البضائع» أيضاً بدءاً من العام الماضي.
رد الفعل الإيراني باستهداف دول الخليج والأردن ليس مستغرباً، لكن كان من اللافت تأمل ما جادت به القريحة الإيرانية، عبر تكرار نموذج وحدة الساحات والاستعانة بالدماء العربية دفاعاً عن مشروع بقاء نظام الحرس الثوري ولو على حساب شعبه، فقد أعلنت المملكة نجاح جماركها في معبر جديدة عرعر في القبض على 42 كلم من الشبو، مما يوحي بمحاولة إحلال لدور بشار الأسد رئيس الكبتاجون.
كما برزت محاولات الحرس الثوري بتصدير السلاح والخبراء لليمن وعبر طائرات مدنية، مما يعزّز رغبة في خلق قلاقل في مضيق باب المندب وبالتالي توسيع المعركة مع الولايات المتحدة، واختيار الطائرات المدنية دليل على مدى خنق الحصار الأمريكي للموانئ والمضيق وتقويض فرص ضخ الدماء في العروق الحوثية.
منهجية إيران في الحرب تدرك أموراً رئيسية أولها أن الوقت أصبح ضدها ودون دخول أي موارد سريعة عبر اتفاق، فانفجار الداخل مسألة وقت، كما تدرك أن دعم الصين وروسيا محدود ومربوط مع مصلحة الطرفين في عدم السقوط؛ لأن بقاء النظام الإيراني لفترة أطول في المعركة يعني استنزافاً أطول لواشنطن، وسقوط النظام هو خسارة استراتيجية لن يتوقف أثرها عند قص الحزام وقطع الطريق.
وبالتالي تحتاج خطاباً انتصارياً لجمهور الداخل وإيهام من يريدون التوهم في الخارج، مع إحداث ضرر لأمريكا عبر حلفائها وبأثر متعدٍّ كما حصل على جنودها في الأردن، دون أن يعني ذلك حماقة مهاجمة حاملات الطائرات الأمريكية في بحر العرب، أو ضرب طائرات التزوّد بالوقود الأمريكية المصطفة في مدرجات إسرائيل.
بمعنى آخر تراعي سقوف معينة في قواعد الاشتباك، لمعرفتها أن بيتها أوهن من العنكبوت، ولذا تسللت عبارة «أهم شيء هو التماسك الداخلي» من كل مسؤوليها خلال الأيام الماضية، من قاليباف حتى المرشد؛ لأن هناك إدراكاً بأن العبث في قواعد الاشتباك سيجلب دعماً أكبر من الناتو، وربما تكرار لسيناريو فك حصار سراييفو بعد أن استمر الحصار لأربع سنوات ثم بدأت عملية قصف قوات حلف شمال الأطلسي لمواقع صرب البوسنة مما دفعهم للهزيمة والاستسلام.
المصدر الأصلي: عكاظ
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.