اتخذت موسكو تدابير عاجلة لمواجهة الأزمة المتفاقمة في إمدادات الوقود إلى السوق المحلية، في أسوأ انعكاس داخلي للصراع منذ اندلاعه في شتاء العام 2022.

ومع تسارع خطوات الكرملين للتقليل من التداعيات، برزت دعوات مسؤولين روس لعدم السماح بسيطرة حالة من الذعر بسبب الوضع المتردي في هذا القطاع، خصوصاً بعدما ظهرت طوابير طويلة جداً في عدد من المدن الروسية للحصول على منتجات الوقود، والديزل، للمرة الأولى تقريباً في تاريخ روسيا التي تعد من أكبر منتجي النفط وموارد الطاقة في العالم.

دخان يتصاعد من مصفاة نفط في أعقاب هجوم بطائرة مسيّرة أوكرانية في موسكو 18 يونيو 2026 (رويترز)
دخان يتصاعد من مصفاة نفط في أعقاب هجوم بطائرة مسيّرة أوكرانية في موسكو 18 يونيو 2026 (رويترز)

وبدا واضحاً مع حلول يوليو (تموز) حجم الأضرار التي أصابت هذا القطاع، بعد مرور أشهر قليلة على انتقال الصراع مع أوكرانيا إلى مرحلة جديدة اتسع فيها نطاق استهداف البنى التحتية للطاقة، ومستودعات تخزين الوقود، ومنشآت الصناعات النفطية.

وبعد سلسلة اجتماعات عقدتها القيادة الروسية لمواجهة تفاقم الأزمة، واتخذت خلالها تدابير صارمة للتخفيف من تداعياتها، انشغل المسؤولون في قطاعات حكومية عدة بمحاولة تخفيف التداعيات الداخلية عبر طمأنة المواطنين بأن الأزمة الحالية مؤقتة، ويمكن تجاوزها بسرعة. وأعلن فياتشيسلاف فولودين رئيس مجلس النواب (الدوما) أن روسيا سوف تتجاوز مشكلات سوق الوقود خلال فترة وجيزة. وحثّ على تجنب الذعر، مؤكداً على أهمية «التكاتف، والتفاهم المشترك لتجاوز هذه المشكلات».

وقال فولودين إن روسيا «ستتجاوز مشكلات سوق الوقود، تماماً كما تجاوزت سابقاً محاولات أجنبية لتدمير النظام المالي، والاقتصاد».

وأضاف أن «انتشار الذعر هو أسوأ ما يمكن فعله. يجب أن تتحد إرادة الجميع من أجل الصمود».

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يتحدث خلال جلسة عامة للمؤتمر الثالث والعشرين لحزب «روسيا الموحدة» في ملعب سسكا أرينا بموسكو يوم 28 يونيو 2026 (إ.ب.أ)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يتحدث خلال جلسة عامة للمؤتمر الثالث والعشرين لحزب «روسيا الموحدة» في ملعب سسكا أرينا بموسكو يوم 28 يونيو 2026 (إ.ب.أ)

وكان الرئيس فلاديمير بوتين وقع خلال الأسبوع الماضي قانوناً يهدف إلى تزويد السوق المحلية بوقود السيارات، ودعم مصافي النفط الروسية. ونص القانون على أن تحدد الحكومة أنواع الوقود المسموح بتداولها. ووفقاً للإجراءات المتخذة يمكن إنتاج بنزين عالي الأوكتان عن طريق مزج مواد خام مباشرة مع مكونات أخرى. كما تم تمديد اتفاقيات تحديث المصافي التي تستثمر أكثر من مائة مليار روبل حتى نهاية العام.

وبحسب الوثيقة، التي دخلت حيز التنفيذ بالفعل، سيحتسب البنزين عالي الأوكتان كوقود سيارات مُنتَج بالكامل، وستُضاف ضريبة الإنتاج إلى السعر النهائي.

وسوف يُطلب تقديم إثبات تسلم البنزين عالي الأوكتان بهذه الطريقة مع المستندات المطلوبة، والتي سيتم جمعها في غضون ثلاثة أشهر. وسيتم تحديد نسبة البنزين المُنتج مباشرةً بناءً على نتائج كل فترة ضريبية.

علاوة على ذلك، ستتمكن الشركات من الحصول على دعم التكرير أثناء عملية المزج، تماماً كما هو الحال خلال دورة التكرير الكاملة. كما يحق لبعض الشركات المُعتمدة، والتي تُحدد الحكومة قائمتها، الحصول على هذا الدعم عند استيراد المنتجات النهائية من الخارج.

أشخاص يسيرون في الساحة الحمراء خارج الكرملين في يوم صيفي في وسط مدينة موسكو بروسيا يوم 26 يونيو 2026 (إ.ب.أ)
أشخاص يسيرون في الساحة الحمراء خارج الكرملين في يوم صيفي في وسط مدينة موسكو بروسيا يوم 26 يونيو 2026 (إ.ب.أ)

وكانت بعض مناطق البلاد شهدت هذا الصيف انقطاعات في إمدادات الوقود. وكما أوضح نائب رئيس الوزراء ألكسندر نوفاك، فإن هذه الانقطاعات ناتجة عن تغييرات في الخدمات اللوجستية. ولتلبية احتياجات المواطنين الروس، اتخذت السلطات إجراءات إضافية، تشمل حظر تصدير البنزين، وتغييرات في تداول العملات الأجنبية لكبح الأسعار، وحوافز ضريبية لاستيراد الوقود، وزيادة الإنتاج في روسيا.

وكان بوتين أعلن في وقت سابق أن الإدارات المختصة تعمل بسرعة على تجاوز الصعوبات، مشيراً إلى إنشاء مقر خاص يعمل على مدار الساعة لهذه الغاية. وطالب أيضاً بتقليل تأثير هجمات القوات الأوكرانية على مرافق البنية التحتية للوقود إلى أدنى حد. ورأى مصرف روسيا المركزي أن الصعوبات التي يشهدها سوق الوقود الروسي مؤقتة، وسيُقيّم تأثيرها على التضخم قبل اجتماعه الرئيس لتحديد سعر الفائدة في 24 يوليو.

ولضمان استمرار تدفق إمدادات الوقود، تُنفذ روسيا إجراءات تشمل حظر تصدير البنزين والديزل (لغير المنتجين)، وتغييرات في تداول العملات، وحوافز ضريبية لاستيراد الوقود، وزيادة الإنتاج.

الخسائر الروسية

أشخاص يسيرون في الساحة الحمراء بالعاصمة الروسية موسكو (أ.ب)
أشخاص يسيرون في الساحة الحمراء بالعاصمة الروسية موسكو (أ.ب)

وفقاً لتقارير، فقد توزعت خسائر روسيا في قطاع الطاقة بين أضرار جسيمة طالت البنية التحتية، والمصافي جراء الضربات الأوكرانية، وتراجع حصتها السوقية الأوروبية بسبب العقوبات، مما أدى إلى لجوء موسكو لاستيراد البنزين لسد النقص المحلي. فضلاً عن أن الهجمات على مصافي النفط والبنية التحتية تسببت في تدمير وتعطيل أجزاء حيوية من قطاع التكرير الروسي، وتشمل أبرز الخسائر وفقاً للتقارير تعطل الإنتاج، وتشير تقديرات الخبراء إلى أن نحو ثلث طاقة تكرير النفط الروسية قد توقفت عن العمل. كما تسببت الضربات في إيقاف أكبر مصفاة نفط في روسيا، مما أدى إلى توقفها عن بيع البنزين والديزل في السوق عبر بورصة سان بطرسبرغ الدولية للسلع.

وبالتالي أدت الضربات المباشرة للمصافي إلى انخفاض كبير في إنتاج المنتجات المكررة، مما تسبب في أزمة وقود داخلية، ونقص في إمدادات البنزين والديزل أدى لظهور طوابير طويلة أمام محطات الوقود في عدة مناطق روسية.

واضطرت موسكو إلى استيراد البنزين من دول مثل الهند، وبيلاروسيا، حيث خططت لاستيراد نحو 400 ألف طن شهرياً لسد الفجوة، وتخفيف الضغط على السوق المحلية الروسية خلال أشهر الصيف التي تشهد ذروة الاستهلاك. ناهيك عن الخسائر الأصلية للقطاعات النفطية بسبب العقوبات، وخسارة الأسواق الأوروبية.

صورة من الأقمار الاصطناعية تم التقاطها في 22 يونيو 2026 تظهر دخاناً يتصاعد من جسر القرم المعروف أيضاً باسم «جسر مضيق كيرتش» الذي يربط شبه جزيرة القرم بالبر الروسي (أ.ف.ب)
صورة من الأقمار الاصطناعية تم التقاطها في 22 يونيو 2026 تظهر دخاناً يتصاعد من جسر القرم المعروف أيضاً باسم «جسر مضيق كيرتش» الذي يربط شبه جزيرة القرم بالبر الروسي (أ.ف.ب)

مرحلة جديدة في الصراع

كانت الحرب مع أوكرانيا انتقلت إلى مرحلة جديدة بعد توسيع نطاق استهداف منشآت الطاقة، والبنى التحتية التابعة لها، وخصوصاً منذ مارس (آذار) الماضي، عندما وسع الطرفان الضربات الموجهة إلى هذا القطاع. وتحولت منشآت الوقود إلى أحد أبرز ميادين المواجهة، في ظل نجاح أوكرانيا في استهداف مصافي النفط الروسية، مقابل تكثيف موسكو هجماتها على محطات الوقود داخل الأراضي الأوكرانية.

وأدت الضربات الأوكرانية إلى اضطرابات في توزيع البنزين والديزل داخل عدد من المناطق الروسية، خاصة في سيبيريا، حيث ظهرت طوابير طويلة أمام محطات الوقود، بينما اضطر بعض السائقين إلى الانتظار لساعات طويلة وصلت، بحسب تقارير، إلى أكثر من 36 ساعة للحصول على الوقود. ودفعت الأزمة بعض السلطات المحلية إلى اتخاذ إجراءات استثنائية للتعامل مع تكدس السائقين، في وقت بدأت فيه روسيا البحث عن بدائل لتعويض النقص في الإمدادات.

وفي مقابل الضربات الروسية القوية على منشآت الطاقة الأوكرانية، ومراكز توزيع الوقود، عززت أوكرانيا هجماتها على المنشآت الروسية منذ مارس بهدف حرمان روسيا من عوائد ارتفاع أسعار النفط بعد اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.

فرق الإنقاذ تعمل في مبنى سكني تعرض لدمار جزئي جراء ضربة صاروخية روسية استهدفت العاصمة الأوكرانية كييف (أ.ف.ب)
فرق الإنقاذ تعمل في مبنى سكني تعرض لدمار جزئي جراء ضربة صاروخية روسية استهدفت العاصمة الأوكرانية كييف (أ.ف.ب)

وتقول هيئة الأركان العامة الأوكرانية إن الضربات التي نفذتها كييف عطلت نحو 43 في المائة من طاقة تكرير النفط الروسية، في واحدة من كبرى الضربات التي تتعرض لها البنية التحتية للطاقة الروسية منذ اندلاع الحرب.

ويرى محللون أن روسيا قد تضطر إلى إعادة النظر في نموذجها التقليدي القائم على الإنتاج المحلي الكامل إذا استمرت الهجمات الأوكرانية بالمعدلات الحالية.

وأشار خبراء الطاقة إلى أن السمة الرئيسة للمرحلة الجديدة في الحرب تشير إلى أن البنية التحتية للطاقة تحولت إلى هدف عسكري مباشر لمحاولة توسيع الصعوبات التي يواجهها كل طرف، وإجباره على تقديم تنازلات على طاولة المفاوضات في أي حوار مستقبلي.

وبينما تواصل أوكرانيا استهداف قدرة روسيا على إنتاج الوقود، تسعى موسكو إلى تعطيل شبكات الإمداد الأوكرانية، في معركة اقتصادية وعسكرية متوازية قد يكون تأثيرها على سير الحرب لا يقل أهمية عن نتائج المواجهات المباشرة في ساحات القتال.

وتعرضت العاصمة الأوكرانية كييف لهجمات بصواريخ باليستية روسية خلال الليل، حيث هزت عدة انفجارات المدينة بعد وقت قصير من منتصف الليل، بحسب مسؤولين محليين، ومراسل في موقع الحدث، الأربعاء.

وأعلنت أوكرانيا الثلاثاء توقيع اتفاقات تعاون في مجال الطائرات المسيرة العسكرية مع عدد من الدول الأوروبية، وذلك بعد اعتماد آلية تتيح لشركائها شراء الأسلحة، والتقنيات الأوكرانية. وقال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إنه أبرم اتفاقات مع الدنمارك، وهولندا، وإستونيا، ويستعد لعقد اتفاقات مع فنلندا، وألمانيا، والنرويج، وكندا.

واستمر القتال على خطوط المواجهة في جنوب شرقي أوكرانيا بوتيرة عنيفة، الثلاثاء، حيث أعلن الجيش الأوكراني وقوع 219 اشتباكاً مسلحاً عبر عدة محاور. وقالت هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الأوكرانية، في تحديث ميداني نشرته على «فيسبوك»، إن أعنف المعارك دارت في محيط بوكروفسك بمنطقة دونباس شرقي البلاد، حيث شنت القوات الروسية أكثر من 40 هجوماً على مواقع أوكرانية.

ورشة محترقة في حي تضرر بشدة من جراء غارات الصواريخ والطائرات المسيّرة الروسية في فيشنيف خارج كييف (رويترز)
ورشة محترقة في حي تضرر بشدة من جراء غارات الصواريخ والطائرات المسيّرة الروسية في فيشنيف خارج كييف (رويترز)

وذكرت سلطات ‌محلية روسية الأربعاء أن هجمات شنتها أوكرانيا خلال الليل بطائرات مسيرة على الأراضي الروسية أسفرت عن مقتل شخص واحد، ​وإلحاق أضرار بعدد من المنشآت الصناعية، وناقلتي نفط فارغتين، في الوقت الذي تستمر فيه الحملة الأوكرانية على البنية التحتية للطاقة الروسية. وقال رومان بوسارجين، حاكم منطقة ساراتوف الروسية، عبر «تلغرام» إن شخصاً لقي حتفه، وأصيب عدة أشخاص بجروح في هجوم أوكراني بطائرات مسيرة ألحق أضراراً بمواقع صناعية مدنية.