ملخص

لم يرتبط نفوذ الحوثية في المساحات الخاضعة لسيطرتها بأي برامج تنموية تفتح آفاقاً جديدة للحياة، بل اقترن بمنظومة واسعة من الانتهاكات تضمنت تجنيد الصغار، وتفجير المنازل ودور العبادة، والاستيلاء على الرواتب والإعانة الإنسانية، فضلاً عن زج آلاف الأفراد خلف قضبان السجون وتحويل الدوائر الحكومية إلى أذرع للبطش، ناهيك عن ملاحقة الأصوات الحرة والشخصيات المستقلة المتمسكة بالنظام الجمهوري، مما أدى إلى سيادة الخوف وتراجع مكانة الفرد لصالح استمرار السلطة.

يأتي هذا التحليل في وقت تعاني فيه البنية التحتية والخدمات الأساسية في اليمن من تداعيات بالغة القسوة نتيجة سنوات النزاع المستمر.

ثمة من يعتقد أن ما يجري في اليمن يسهل النظر إليه بوصفه امتداداً لحرب طويلة نتجت من انقلاب مسلح على الدولة، لكن هذا التوصيف في تصوري لا يفسر وحده طبيعة المعاناة التي يعيشها ملايين اليمنيين في المناطق الواقعة تحت سيطرة الحوثية. فحين تتحول الانتهاكات من أحداث متفرقة إلى ممارسة دائمة، فإنها تصبح جزءاً من آلية الحكم نفسها، لا مجرد نتيجة جانبية للصراع.

وعند هذه المحطة، يتغير المفهوم الفعلي للسلطة، إذ تتراجع الدولة عن دورها الحامي للمجتمع لتحل محلها أطر الميليشيات، حيث يُقاس الانتماء بالولاية لا بالمواطنة، وتتحول المؤسسات الرسمية إلى وسائل لتثبيت النفوذ عوضاً عن تأدية مهامها الأساسية في صون الحقوق وحفظ الكرامة الإنسانية.

وعليه، وفق ما هو موضح عاليه، يمكن فهم أن الأزمة اليمنية ليست أزمة إدارة فحسب، بل وأيضاً أزمة تصور لـ"معنى الدولة" و"وظيفتها". فالدولة الحديثة تُقاس بقدرتها على توفير الأمن والتعليم والصحة والتنمية المستدامة وقبل ذلك العدالة، بينما تقاس سلطة الجماعات المسلحة بقدرتها على إخضاع المجتمع وإدامة نفوذها.

ولذلك، لم يرتبط حضور الحوثية في مناطق سيطرتها بمشروع تنموي يوسع فرص الحياة، بل بسلسلة طويلة من الممارسات التي شملت تجنيد الأطفال، وتفجير المنازل والمساجد، ومصادرة المرتبات والمساعدات الإنسانية، وإخفاء آلاف الأشخاص في السجون، وتحويل مؤسسات الدولة إلى أدوات للقمع، فضلاً عن استهداف كل صوت مغاير أو شخصية وطنية مستقلة تمسكت بفكرة الجمهورية والدولة. وحين تصبح القوة بديلاً عن القانون، يصبح "الخوف" بديلاً عن "الثقة"، وتتراجع قيمة الإنسان أمام متطلبات بقاء السلطة.

في مقابل ذلك، لم تتوقف الحكومة اليمنية الشرعية المعترف بها إقليمياً ودولياً عن البحث عن مسارات تخفف من معاناة المواطنين، على رغم الصعوبات والتعقيدات الماثلة على الأرض واستنزاف الموارد. فقد تعاملت مع المبادرات الإنسانية والإقليمية والدولية بدرجة عالية من المسؤولية، وقدمت أكثر من مبادرة لتشغيل مطار صنعاء بصورة قانونية وآمنة عبر الناقل الوطني، انطلاقاً من قناعة بأن حق اليمنيين في السفر والعلاج والتعليم لا ينبغي أن يبقى رهينة للتجاذبات السياسية. وكانت الفكرة الجوهرية في تلك المبادرات أن تظل المصالح الإنسانية فوق الحسابات الضيقة، وأن يبقى المواطن، بأي قدر متاح أو ممكن، هو الغاية الأولى لأي جهد سياسي أو إداري.

وربما تجسد قضية شركة الخطوط الجوية اليمنية نموذجاً جلياً لهذا الاختلاف في التعامل مع الأزمة، فإثر قيام الجماعة الحوثية بالاستحواذ على أربع طائرات تابعة للشركة خلال عام 2024 وتعطيل إقلاعها من مطار صنعاء، فضلت الحكومة اليمنية الشرعية المعترف بها إقليمياً ودولياً تفادي التصعيد، وأتاحة استخدام تلك الطائرات لتنفيذ رحلات بين صنعاء وعمّان ضماناً لاستمرار حركة التنقل وصيانة للناقل الوطني ككيان تجاري وسيادي يخدم كافة أبناء الوطن.

لم يكن ذلك في تقديري تنازلاً عن الحقوق بقدر ما كان محاولة لتغليب الاعتبارات الإنسانية، وإبقاء نافذة مفتوحة أمام المرضى والطلاب والمسافرين، في وقت كانت البلاد بأمسّ الحاجة إلى كل منفذ يخفف من وطأة الحرب.

غير أن استمرار رفض الحوثية للمبادرات المتعلقة بفتح مطار صنعاء وتشغيل الرحلات المنتظمة كشف أن المشكلة لا تتعلق بغياب الحلول، بل بغياب الإرادة السياسية لقبولها. فقد أُغلقت أبواب كان يمكن أن تسهم في تخفيف معاناة آلاف الأسر، واستمر تعطيل الناقل الوطني على رغم إمكان الوصول إلى ترتيبات عملية تحقق مصلحة المواطنين. وعندما يُرفض الحل الممكن، بينما يبقى الخطاب العام يرفع شعار رفع المعاناة، تنشأ فجوة بين الشعارات والممارسة، وتصبح الإنسانية نفسها مادةً للصراع السياسي بدل أن تكون نقطة التقاء بين جميع الأطراف.

ولعل هذا ما يفسر التناقض بين خطاب الحوثية حول ما تسميه  "الحصار" وبين مواقفه العملية تجاه المبادرات الإنسانية. فلو كانت مصلحة اليمنيين هي الأولوية، لكان من المنطقي دعم كل خطوة تضمن استمرار السفر المدني، وتحافظ على مؤسسات الدولة الاقتصادية، وتخفف الأعباء عن الناس. لكن رفض تلك المبادرات من قبل الحوثية أظهر أن توظيف معاناة السكان في الخطاب التعبوي ظل أكثر حضوراً من البحث عن حلول واقعية.

لاحظوا معي من فضلكم أن السلطة التي تحتاج إلى استمرار الأزمة كي تبرر وجودها تجد في حلها تهديداً لخطابها، بينما ترى الدولة في تخفيف معاناة الناس شرطاً لاكتساب مشروعيتها وتعزيز ثقة المجتمع بها.

ويظهر المنطق ذاته في استهداف صادرات النفط اليمنية، بعد الهجمات الحوثية بمسيرات والتي طاولت ميناء الضبة النفطي بحضرموت وأدت إلى تعطيل تصدير الخام، وهو ما حرم الدولة من أحد أهم مواردها المالية اللازمة لدفع الرواتب وتمويل الخدمات وتوفير الوقود اللازم لتشغيل الكهرباء.

ومع ذلك، لم تتجه الحكومة اليمنية الشرعية المعترف بها إقليمياً ودولياً إلى توسيع دائرة التصعيد، بل عملت بالتعاون مع السعودية على توفير دعم للموازنة وتأمين المشتقات النفطية اللازمة لاستمرار الخدمات الأساسية. وقد عكس هذا المسار محاولة للفصل بين إدارة الصراع وحقوق المواطنين، بحيث لا يتحول اليمنيون إلى ضحايا إضافيين في معادلات القوة والمواجهة.

ويتصل بذلك بُعد آخر لا يقل أهمية، يتمثل في طبيعة المشروع الذي تتحرك في إطاره الجماعة الحوثية. فالمسألة، وفق هذا المنظور، لا تتعلق بإدارة شأن داخلي فحسب، بل وبارتباط سياسي وعسكري بمحور تقوده إيران، الأمر الذي يجعل الأراضي اليمنية جزءاً من صراعات إقليمية تتجاوز المصالح الوطنية المباشرة.

وعندما تُستخدم الجغرافيا اليمنية لتهديد الملاحة الدولية أو لخدمة حسابات خارجية، فإن الثمن لا تدفعه الأطراف الإقليمية وحدها، بل يدفعه المواطن اليمني الذي يجد نفسه محروماً من الأمن والاستقرار والتنمية، بينما تتراجع أولويات حياته اليومية أمام رهانات سياسية لا تعكس احتياجاته الفعلية.

اقرأ المزيد

في هذا السياق، يكتسب إعلان رئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد العليمي، مساء الإثنين 20 يوليو (تموز) 2026، استئناف تصدير النفط بكل الوسائل إبتداءً من تاريخ إعلانه، دلالة تتجاوز في تصوري البعد الاقتصادي المباشر. فهو يمثل تأكيداً على أن الثروات الوطنية ينبغي أن توظَف لخدمة اليمنيين جميعاً، عبر الوفاء بالتزامات الدولة، وتحسين الخدمات، واستعادة الموارد التي تمثل أساس أي عملية تعافٍ اقتصادي وإداري. 

فالدول لا تستعيد عافيتها بالشعارات وحدها، بل بقدرتها على حماية مواردها وتوجيهها نحو الصالح العام، لأن العدالة الاقتصادية ليست قضية مالية فحسب، بل ركيزة من ركائز الاستقرار الاجتماعي والسياسي.

في نهاية المطاف، أرى أن الأزمة اليمنية تتبدى أعمق من أن تُختزل في خلاف سياسي عادي أو نزاع على السلطة. إنها، في جوهرها، مواجهة بين تصورين متناقضين للدولة: أحدهما يجعل القانون والمؤسسات والمصلحة الوطنية أساساً للحكم، والآخر يجعل السلطة خاضعة لسلالة ويربط مصير البلاد بمشروع عابر للحدود، فيصبح اليمن ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية بدلاً من أن يكون وطناً لمواطنيه. 

لا تنسوا من فضلكم أن التاريخ يعلمنا أن الدول لا تنهض إلا حين تتقدم المصلحة الوطنية على الولاءات الضيقة، وأن السلام الحقيقي يبدأ من احترام الإنسان، وصيانة مؤسسات الدولة، واستعادة القرار الوطني ليبقى معبراً تعبيراً حقيقياً عن إرادة اليمنيين وحدهم، لأن مستقبل الشعوب لا يُبنى بالقوة، بل بـ"ثقة المواطن" في أن وطنه وُجد أولاً من أجله.

تؤكد هذه المعطيات أن الأزمة الإنسانية في اليمن مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بغياب الإرادة السياسية اللازمة لقبول الحلول العملية. ويبقى التحدي الأكبر متمثلاً في إبعاد الاحتياجات اليومية للمواطنين عن دائرة الصراعات السياسية الضيقة. وتظهر التجربة أن استمرار تعطيل المبادرات الخدمية يزيد من عمق المأساة المعيشية. ولذلك، تظل المتابعة المستقرة للوضع الإنساني ضرورة ملحة لفهم مسارات الصراع وتداعياته المستقبلية على النسيج الاجتماعي.