ما يحدق فيه المرء عند النظر إلى المشاهد البصرية يعكس، في معظم الحالات، طبيعة دماغه وطريقة معالجته للمعلومات، وفق ما توصلت إليه دراسة حديثة.

وتُعرف هذه التوقفات القصيرة على أجزاء محددة من المشهد البصري باسم التثبيت البصري، وتختلف أنماطها بين الأفراد وفقاً لطبيعة الدماغ واهتماماته.

وتُعرَف فترات التوقف القصيرة على جزء محدّد من المشهد البصري بـ«التثبيت البصري». وقد أظهرت دراسات سابقة أنَّ أنماطه تختلف من شخص إلى آخر تبعاً لطبيعة الدماغ وميوله نحو التخصّص. فعلى سبيل المثال، قد يقضي بعض الأشخاص وقتاً أطول في النظر إلى الوجوه، بينما يتوقف آخرون مدّةً أطول عند الكلمات المكتوبة أو أنواع أخرى محدّدة من الأشياء.

وفي الدراسة الجديدة المنشورة في مجلة «نيتشر هيومان بيهيفيور»، تعاون باحثون من جامعة جوستوس ليبيغ في هيسن ومركز العقل والدماغ والسلوك في ألمانيا لربط توجيه النظر بتمثيل الدماغ للمعلومات البصرية.

وأظهرت النتائج أنّ أنماط التثبيت البصري المميزة غالباً ما ترتبط باختلافات في قدرة الدماغ على ترميز محفّزات بصرية محدّدة، وهو ما قد يُسهم في تحسين فهم أُسس الاختلافات الفردية في القراءة، وإدراك الوجوه، والمعالجة البصرية، والتعلم، وبالتالي تحديد ميل الدماغ نحو تخصّص معين.

ووفقاً للنتائج، تتحرّك أعين الأشخاص باستمرار بين الأشياء والوجوه والعناصر المختلفة في المشهد البصري خلال استكشاف البيئة المحيطة. وتمكّنهم هذه العملية الديناميكية من إعطاء الأولوية للمعلومات البصرية المرتبطة بالمهمّة التي يؤدّونها أو التي يجدونها أكثر إثارة للاهتمام، مع تجاهل التفاصيل والعناصر التي يعدّونها أقل أهمية.

وكتبت ديانا كوليندا وإيلهه أكبري وزملاؤهما، في بيان، الجمعة: «يختلف الأفراد بشكل ملحوظ في كيفية نظرهم إلى المشاهد البصرية المعّقدة، مع وجود تباين بارز في ميلهم إلى التركيز على الوجوه والنصوص».

ولاختبار هذه العلاقة، استعان الباحثون بـ61 بالغاً، طُلب منهم أداء مهمة بصرية بسيطة تضمنت مشاهدة مشاهد طبيعية معقدة، مع تتبع حركات أعينهم بواسطة جهاز تتبع العين.

وفي تجربة منفصلة، استخدم الباحثون تقنية التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي لجمع صور لأدمغة المشاركين خلال عرض صور لوجوه أو كلمات أو محفّزات بصرية أخرى عليهم.

وكتبت كوليندا وزملاؤها: «رصد تتبُّع حركة العين أنماط النظر المميّزة لكلّ مُشارك في أثناء مشاهدة مَشاهد طبيعية، في حين سجَّل التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي استجابات انتقائية للوجوه والكلمات والمحفّزات الأخرى عندما طُلب من المشاركين تثبيت نظرهم على مركز الشاشة».

ووجد الباحثون أنّ المشاركين أظهروا أنماط تثبيت نظر مختلفة، إذ نظر بعضهم تلقائياً إلى الوجوه أكثر، في حين ركّز آخرون على الكلمات. وارتبطت هذه الأنماط باختلافات في حجم ووضوح مناطق دماغية محدّدة.

كما أظهرت النتائج أنّ المناطق الدماغية المعروفة بدورها في معالجة الوجوه كانت أكبر حجماً وأكثر وضوحاً لدى الأشخاص الذين ينظرون إلى الوجوه بصورة متكرّرة. في المقابل، امتلك الأشخاص الذين يميلون بطبيعتهم إلى التحديق في النصوص مناطق دماغية وظيفية أكبر متخصّصة في معالجة الكلمات المكتوبة.

ومن اللافت أنَّ الباحثين وجدوا أيضاً أنَّ المشاركين الذين نظروا أكثر إلى الوجوه حقّقوا أداءً أفضل في مَهمّات التعرُّف على الوجوه، مثل أعمال الشرطة والبحث الجنائي. في المقابل، حقَّق الذين ركزوا نظرهم أكثر على النصوص نتائج أفضل في مهام القراءة والكتابة وأعمال الكمبيوتر.

وتشير النتائج إلى أن هذه الأنماط المميزة ترتبط باختلافات في قدرة الدماغ على ترميز محفزات بصرية محددة، مما قد يسهم في تحسين فهم أسس الاختلافات الفردية في القراءة وإدراك الوجوه والتعلم. كما تفتح الباب أمام تطبيقات محتملة في تشخيص الاضطرابات البصرية وتصميم أساليب تعليمية مخصصة.