ملخص

رغم توسيع الاتحاد الأوروبي نطاق عقوباته لتشمل مئات الناقلات وفرض قيود صارمة على موانئه وخدماته البحرية، لا تزال السفن التي تعمل خارج نطاق التأمين والملكية الأوروبيين تواصل عملياتها بزخم. وتفيد بعض التقديرات بإدراج أكثر من 600 ناقلة ضمن قوائم الحظر، إلا أن الشبكة الروسية أثبتت مرونة لافتة، متجاوزة هذه التدابير عبر تعزيز تنوعها وتعقيد آلياتها التشغيلية.

تعتمد روسيا استراتيجيات لوجستية معقدة عبر ما يعرف بـ "أسطول الظل" لتأمين تدفق صادراتها من الطاقة، متجاهلة بذلك الضغوط الغربية المتواصلة الرامية لتقليص عوائدها المالية وتطويق اقتصادها.

لا تشبه هذه المواجهات المعارك البحرية التقليدية التي عهدناها في التاريخ؛ إذ تدور اليوم رحى صراع محتدم في البحر الأسود، حيث شنت الطائرات المسيرة الأوكرانية ليلة 15 يوليو (تموز) الجاري هجمات دقيقة استهدفت 20 سفينة من أسطول الظل الروسي، شملت 17 ناقلة نفط وناقلتي غاز وقاطرة واحدة، في ضربة موجعة للأسطول السري.

وكانت القوات الأوكرانية أعلنت في وقت سابق في السابع من يوليو الجاري مهاجمة طائراتها 12 ناقلة للأسطول الروسي كانت في طريقها لنقل النفط إلى شبه جزيرة القرم. كذلك استهدف السلاح المسيّر الأوكراني ثماني سفن خاضعة للعقوبات في بحر آزوف تبلغ حمولة كل منها 7 آلاف طن مع استهدافات لناقلات أخرى متفرقة في إطار تكثيف هجماتها على القرم وعزله.

في هذه الأثناء، يلجأ الأسطول الروسي إلى أساليب تكتيكية للالتفاف على العقوبات الدولية، ومنها تزييف هويات السفن برفع علم سوريا، كما حدث في بحر البلطيق. فقد اشتبهت السلطات في استوكهولم مطلع مايو (أيار) الماضي بسفينة تُدعى "جين هوي"، ليتبين بعد فحص خفر السواحل السويدي لوثائقها وصلاحيتها للإبحار أنها ترفع علماً سورياً غير حقيقي ومخالفاً للأنظمة الملاحية.

امتحان الجغرافيا

في المقابل ظلت سوريا على خريطة أسطول الظل الروسي لسنوات طويلة، وما زال ينشط حتى اليوم على رغم سقوط الأسد وهربه إلى موسكو في 8 ديسمبر (كانون الأول) 2024، إذ بقيت روسيا الحليف الرئيس له حتى بعد انهيار حكمه، وعلى رغم ذلك لم تتوقف الإمدادات الروسية إلى سوريا الجديدة.

"كل سفينة روسية تصل إلى الموانئ السورية تقول إن الجغرافيا أقوى من العقوبات" وفق الأكاديمي والمتخصص بالشؤون الروسية، الدكتور سامر عثمان، مشيراً إلى أن "روسيا لا تنظر إلى العقوبات باعتبارها نهاية الطريق، بل باعتبارها سبباً لبناء طريق جديد. وحاجة الدول إلى الطاقة أقوى من القرارات السياسية الغربية".

وأضاف، "الولايات المتحدة وأوروبا قد تنجحان في رفع تكلفة الإمدادات، أو تأخير بعض الشحنات، لكنهما لن تستطيعا إلغاء حاجة سوريا إلى النفط، ولن تستطيعا شطب موقع روسيا في شرق المتوسط بقرار أو حزمة عقوبات، وسوريا تستطيع تغيير اتجاهها السياسي، لكنها لا تستطيع تغيير جغرافيتها ولا حاجاتها الاقتصادية، وروسيا، بخلاف كثير من القوى الغربية، تتعامل مع سوريا انطلاقاً من هذه الحقيقة لا من الشعارات".

ويرى عثمان في الوقت ذاته أن "ما يسميه الغرب 'أسطول الظل' هو الدليل البحري على فشل سياسة العزل، لأن روسيا لم تختفِ من الأسواق، بل أصبحت تتحرك خارج المنظومة التي أراد الغرب احتكارها.

ويجزم بأن "تغيير السلطة في دمشق لم يُخرج سوريا من الحسابات الروسية، بل أعاد تعريف موقعها داخلها"، وبرأيه فإن "روسيا لا تبني علاقاتها الدولية على الارتباط بالأشخاص والحكومات الموقتة، وإنما على المصالح الاستراتيجية طويلة الأمد، وسوريا بالنسبة لموسكو ليست تفصيلاً عابراً، بل بوابة إلى شرق المتوسط، وعقدة أساسية في منظومة التجارة والطاقة واللوجستيات الإقليمية".

ويكشف الأكاديمي بالأرقام هذه الحقيقة التي تؤكد "ارتفاع إمدادات النفط الروسية إلى سوريا خلال عام 2026 بنحو 75 في المئة، إذ وصلت إلى قرابة 60 ألف برميل يومياً، لتصبح روسيا المورد الخارجي الرئيس للخام إلى سوريا بعد توقف الإمدادات الإيرانية. وفي المقابل، لا يتجاوز الإنتاج المحلي السوري نحو 35 ألف برميل يومياً، بينما تُقدّر حاجات البلاد بما يصل إلى 150 ألف برميل يومياً، أي إن موسكو لا تقدم لسوريا شحنة نفط عابرة، بل تسد جزءاً أساسياً من فجوة طاقة تهدد الاقتصاد والخدمات وحياة المواطنين".

ويتابع "في العام الماضي 2025 وحده، أرسلت روسيا إلى سوريا نحو 350 ألف طن من النفط القطبي، أي قرابة 2.6 مليون برميل، عبر ناقلات خاضعة للعقوبات الغربية، بالتوازي مع إرسال شحنات من الديزل أسهمت في إعادة تشغيل مصفاة بانياس".

3.jpg

 مع أن الاتحاد الأوروبي وسّع العقوبات لتشمل مئات الناقلات، وفرض حظر دخول الموانئ وتقديم الخدمات البحرية لعدد كبير منها، لكن السفن التي تعمل خارج الملكية والتأمين الأوروبيين تبقى أقل تأثراً بهذه الإجراءات (اندبندنت عربية)

السفن القديمة

في الأثناء ينشط "أسطول الظل" عبر شبكة من السفن التجارية القديمة، وناقلات النفط التي تتقن الإفلات من الرقابة الدولية عليها، وهي سفن غير مسجلة. وتُسجَل هذه السفن التجارية في دولة غير تلك التي ينتمي إليها المالكون الأصليون، وتعتمد على أسلوب المراوغة لتفادي كشف مسارها.

وعن أسباب ظهور "أسطول الظل"، يرد الباحث في العلاقات الدولية، محمد الحاج عثمان، ذلك بشكل أساس إلى "فرض الولايات المتحدة وأوروبا عقوبات على روسيا وإيران، ما دفعهما إلى تجاوز القيود، فباتت هذه السفن تعمل بأسماء شركات وهمية أو ضمن دول تتيح لها ميزات السرية التامة لجهة عدم الإفصاح عن ملكية السفن، ما يجعلها ميزة للمالكين الحقيقيين للتخفي وإخفاء حقيقة سفنهم، وبالتالي الإفلات من الرقابة الدولية عليها".

وقال إن "القطاع النفطي بالنسبة إلى روسيا يُعد من المصادر المهمة والأساسية للإيرادات، إذ استفادت موسكو من زيادة أسعار النفط العالمي بالدفع نحو رفع مبيعاتها بأسعار أعلى من الحد المقرر، ليرتفع نمو الأسطول بنسبة 70 في المئة في عام 2024. وبلغ متوسط عائدات التصدير نحو 16.4 مليار دولار شهرياً، وهذا ما أعطى روسيا دعماً إضافياً لتمويل إنتاج الأسلحة والحرب الأوكرانية".

2.jpg

تشير  بعض التقديرات إلى إدراج أكثر من 600 ناقلة على قوائم العقوبات الأوروبية، ومع ذلك لم تتوقف التدفقات الروسية، بل أصبحت الشبكة أكثر تنوعاً وتعقيداً (اندبندنت عربية)

أوروبا وروسيا

في غضون ذلك، تحاول الدول الأوروبية تحجيم نشاط "أسطول الظل" أو الحد من قدراته على الوصول إلى المرافئ على رغم كل الالتفاف على العقوبات المفروضة، إذ أوقفت وزارة الدفاع البريطانية في منتصف يونيو (حزيران) الفائت، ناقلة نفط تتبع لذات الأسطول تسمى "سميرتوس" ونقلتها قبالة الساحل الجنوبي لإنجلترا. وقال حينها رئيس الوزراء البريطاني، كير ستارمر إن "هذه الخطوة تأتي ضمن جهود بريطانيا وأوروبا لفرض عقوبات على أسطول الظل الروسي الذي يموّل حرب بوتين في أوكرانيا".

اقرأ المزيد

وفي وقت تطول قائمة الحوادث التي دفعت خفر السواحل الأوروبي إلى توقيف سفن تعمل على التخفي بأساليب متعددة منها التمويه عبر التوقف في موانئ والانتقال إلى أخرى، وإطفاء أجهزة التتبع وغيرها من الأساليب للالتفاف وعدم الملاحقة، أدرج الاتحاد الأوروبي 41 سفينة إضافية ضمن العقوبات في وقت ناقشت المفوضية الأوروبية جولة جديدة من تلك العقوبات ضد روسيا تستهدف من خلالها مبيعات النفط وأسطول الظل علاوةً على المنتجات الأخرى كالمعادن والبنوك.

ويلفت الدكتور سامر عثمان إلى أن "استمرار الإمدادات إلى سوريا يحمل رسالة واضحة مفادها أن روسيا لم تغادرها، ولم تتخلَّ عن موقعها في شرق المتوسط، وإنما انتقلت من مرحلة الحضور السياسي والعسكري المباشر إلى مرحلة أكثر مرونة، تقوم على الطاقة والتجارة والموانئ وشبكات النقل".

ويرى أن "الدليل الإضافي هو التحرك الروسي لإنشاء مركز تجاري ولوجستي في ميناء طرطوس، بطاقة مستهدفة تبلغ نحو 250 ألف طن من البضائع الروسية شهرياً، تشمل الحبوب والزيوت والحديد وغيرها، إلى جانب العمل على إنشاء خط بحري منتظم بين نوفوروسيسك وطرطوس، وهذا يعني أن الرؤية الروسية تتجاوز توريد النفط إلى تأسيس ممر اقتصادي دائم بين البحر الأسود وشرق المتوسط".

وفي معرض إجابته عن مدى إمكانية الغرب عرقلة عمل "أسطول الظل"، أجاب المتحدث ذاته بأن "باستطاعة الدول الغربية مطاردة السفن، وفرض العقوبات، ورفع تكاليف التأمين والنقل، لكنها لم تثبت حتى الآن قدرتها على إيقاف المنظومة الروسية بالكامل. وقد استُخدمت ضد روسيا أقسى منظومة عقوبات اقتصادية وبحرية في التاريخ الحديث، ومع ذلك استمرت صادرات الطاقة الروسية في الوصول إلى أسواقها".

ويعزو ذلك لسبب أن "موسكو لم تعد تعتمد حصراً على الموانئ وشركات التأمين والوسطاء الغربيين لكنها طورت شبكة موازية تشمل إعادة تسجيل السفن، وتغيير الأعلام، والنقل من سفينة إلى أخرى، واستخدام وسطاء وشركات تأمين وتمويل خارج المجال الغربي".

ويردف، "حتى التهديدات البريطانية المباشرة لم تمنع مرور عشرات السفن المرتبطة بالشبكة الروسية عبر المياه المحيطة بالمملكة المتحدة، وهو ما يكشف الفارق بين الضجيج السياسي والقدرة الفعلية على فرض حصار بحري شامل".

4.jpg

  ينشط "أسطول الظل" عبر شبكة من السفن التجارية القديمة، وناقلات النفط التي تتقن الإفلات من الرقابة الدولية عليها، وهي سفن غير مسجلة (اندبندنت عربية)

على قوائم العقوبات

ومع أن الاتحاد الأوروبي وسّع العقوبات لتشمل مئات الناقلات، وفرض حظر دخول الموانئ وتقديم الخدمات البحرية لعدد كبير منها، لكن السفن التي تعمل خارج الملكية والتأمين الأوروبيين تبقى أقل تأثراً بهذه الإجراءات، وبعض التقديرات تشير إلى إدراج أكثر من 600 ناقلة على قوائم العقوبات الأوروبية، ومع ذلك لم تتوقف التدفقات الروسية، بل أصبحت الشبكة أكثر تنوعاً وتعقيداً.

ويرى المتخصص في الشؤون الروسية، سامر عثمان أن "الخلافات داخل الاتحاد الأوروبي حول تشديد العقوبات تكشف أن القرار الغربي ليس موحداً، ففي يوليو الجاري أخفقت الدول الأوروبية في التوافق على الحزمة الحادية والعشرين من العقوبات على روسيا نتيجة تعارض المصالح الاقتصادية بين الدول الأعضاء".

وفي معرض إجابته على تساؤلاتنا في شأن تأثير عرقلة وصول ناقلات "أسطول الظل" إلى سوريا، أجاب بأن الأخيرة "ستكون من أكثر الأطراف تضرراً من أي محاولة غربية ناجحة لتعطيل هذه الإمدادات، فالضرر لن يصيب روسيا وحدها، بل سيصل مباشرة إلى المواطن السوري عبر نقص الوقود، وارتفاع تكاليف الكهرباء والنقل والإنتاج الزراعي والصناعي، وزيادة أسعار المواد الأساسية".

وتابع "هنا تظهر المفارقة، فالغرب يقول إنه يريد مساعدة سوريا على التعافي، لكنه عندما يستهدف الناقلات التي تؤمن لها النفط، فإنه يهدد بتعطيل المصافي والكهرباء والنقل والخبز، ولذلك فإن الضغط على الإمدادات الروسية لا يمكن تقديمه بوصفه عقاباً لموسكو فقط، بل هو عملياً ضغط مباشر على الاقتصاد والمجتمع السوري".

تؤكد البيانات تزايد الاعتماد السوري على الإمدادات الروسية لتغطية عجز الطاقة المحلي الذي يهدد استقرار الخدمات الأساسية، مما يرسخ دور موسكو كحليف استراتيجي دائم في دمشق رغم التحولات السياسية. ويبقى التساؤل قائماً حول قدرة المجتمع الدولي على موازنة العقوبات الاقتصادية مع الواقع الجغرافي والسياسي الذي يجعل سوريا ساحة حيوية لمصالح الطاقة الروسية في شرق المتوسط.