على مدى العقود الأخيرة، طغت الأيديولوجيات على الشرق الأوسط على حساب الدولة والمجتمع، مما أدى إلى سلسلة طويلة من الصراعات. إذ تحولت السياسة من إدارة المصالح الوطنية إلى صراع عقائدي يدعي امتلاك الحقيقة المطلقة، وعندما يصبح الخلاف السياسي مواجهة بين حق مطلق وباطل مطلق، يستحيل التفاهم، وتصبح التسويات خيانة، وتنزلق المجتمعات في دوامة تستنزف الإنسان والاقتصاد والمؤسسات.

وتأتي هذه التطورات في وقت تشهد فيه المنطقة تحولاً نحو مزيد من البراغماتية وإعادة تقييم الأولويات بعيداً عن الشعارات الأيديولوجية.

رفعت الأيديولوجيات شعارات متعددة: بعضها تحت راية القومية، وبعضها في ثوب الدين، وبعضها الآخر استند إلى الانتماء المذهبي، لكنها جميعاً اشتركت في تقديم المشروع الفكري على الدولة الوطنية. وقد يكون هذا المشروع ملفقاً أو مقتبساً عشوائياً من مصطلحات الآخرين، وكانت النتيجة واحدة تقريباً: تراجع التنمية، وإضعاف التعليم، وتآكل مؤسسات الدولة، وتراجع الأمن الشخصي، وغياب القانون، وهجرة الكفاءات، وانشغال المجتمعات بمعارك داخلية لا تنتهي.

وفي العقود الأخيرة، برز مفهوم «تصدير الثورة» بوصفه أحد أكثر المشاريع الأيديولوجية تأثيراً في الإقليم.. فقد انطلق على أساس أن الثورة لا ينبغي أن تبقى داخل حدود الدولة كمثل إيران، وإنما تمتد إلى خارجها عبر شبكات سياسية وعسكرية وإعلامية تصنع وتجند.
وبغض النظر عن المبررات التي قدمت لهذا المشروع أو قبول المجتمع الأوسع لها أو رفضه، فإن حصيلته العملية كانت زيادة التوترات الإقليمية، وإطالة عمر الأزمات، وإضعاف فكرة السيادة الوطنية في عدد من الدول العربية.

غير أن المشهد بدأ يتغير، فهناك مؤشرات كثيرة على أن هذا المشروع فقد جزءاً من زخمه. فقد تقلص نفوذ حزب الله داخل لبنان وخارجه تحت ضغط التحولات الداخلية والإقليمية، كما تواجه المجموعات الموالية لطهران في العراق ضغوطاً متزايدة من الدولة ومن قطاعات شعبية تطالب بحصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية، واكتشف الناس حجم الفساد الذي يرافق هذه الجماعات. كما واجه الحوثيون قيوداً سياسية وعسكرية حدت من قدرتهم على توسيع نفوذهم حتى داخل البيئة التي كانوا يتحركون فيها بحرية.

ولا يتعلق الأمر بإيران وحدها، بل يعكس تحولاً أوسع.. فالمنطقة بأسرها تبدو أكثر ميلاً إلى البراغماتية وأقل استعداداً لدفع أثمان المشاريع العقائدية المفتوحة..
المواطن العربي بات يسأل عن جودة التعليم، وفرص العمل، والرعاية الصحية، واستقرار العملة، وأمن الأسرة، أكثر مما يسأل عن الشعارات الكبرى.. وهذه ليست علامة ضعف، بل مؤشر على نضج المجتمعات وإعادة ترتيب أولوياتها.

وليس الشرق الأوسط استثناءً في هذا المسار.. ففي أنحاء مختلفة من العالم تراجعت جاذبية الأيديولوجيات التوسعية، سواء كانت قومية متشددة أو دينية أو ثورية..
فالعولمة والثورة الرقمية، وتشابك المصالح الاقتصادية، جعلت الدول أكثر إدراكاً لكلفة الصدامات المستمرة، وأكثر ميلاً إلى البحث عن الاستقرار بوصفه شرطاً للتنمية. ومع ذلك، فإن تراجع الأيديولوجيا لا يعني اختفاءها..

فالأفكار لا تموت بقرار سياسي، بل قد تعود بأسماء جديدة، إذا بقيت البيئة التي أنتجتها قائمة.. ولهذا فإن مواجهة الأيديولوجيات لا تتحقق بالقوة وحدها، وإنما ببناء دولة عادلة، وتعليم حديث، وإعلام مسؤول، واقتصاد يوفر الأمل، وثقافة تشجع التفكير النقدي..

فحين يمتلك المواطن المعرفة والفرصة، يصبح أقل قابلية للانجذاب إلى المشاريع الوهمية التي تَعِد بالخلاص الشامل، ولا تقدم سوى مزيد من الأزمات. لقد دفعت شعوب الشرق الأوسط ثمناً باهظاً نتيجة هيمنة الأيديولوجيات على السياسة..

وربما تكون المرحلة المقبلة فرصة لإعادة الاعتبار لفكرة الدولة وللمصلحة الوطنية، وللتعاون الإقليمي القائم على احترام السيادة والتنمية المشتركة..

فالأمم لا تنهض بالشعارات وإنما بالمؤسسات، ولا يحميها الخطاب التعبوي بقدر ما يحميها الحكم الرشيد والإنسان المتعلم والاقتصاد المنتج.. ما ينقص هو التوعية بموت الأيديلوجيا بأشكالها المختلفة، فلم تخلف إلا فساداً في الأرض.

نقلاً عن "البيان"

مادة إعلانية

مادة إعلانية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

فتراجع الأيديولوجيا لا يعني زوالها، إذ قد تعود بأسماء جديدة إذا بقيت الظروف التي أنتجتها قائمة. لذا فإن مواجهتها تتطلب بناء دولة عادلة، وتعليم حديث، وإعلام مسؤول، واقتصاد يبعث الأمل، وثقافة تشجع التفكير النقدي. فهذه العناصر هي التي تجعل المواطن، حين يمتلك المعرفة والفرصة، أقل عرضة للانجذاب إلى المشاريع الوهمية التي تعد بالخلاص الشامل ولا تقدم إلا الأزمات.