قصة مصمّمة تخلّت عن "شانيل" و"لويس فويتون" لإنقاذ الحِرف المغربيّة
بعد سنوات من العمل مع أبرز دور الأزياء العالمية بين باريس ونيويورك ولندن، اختارت المصممة المغربية صوفيا كاسيمي إعادة توجيه مسارها نحو المغرب. وهناك، بدأت رحلة مختلفة بعيدًا عن إيقاع الموضة السريع، بهدف إحياء الحِرف التقليدية وإعادة تقديمها بروح معاصرة.

CNN- بعد سنوات من العمل مع أبرز دور الأزياء العالمية مثل "شانيل" و"لويس فويتون" و"ألكسندر ماكوين" و"بربري"، بين باريس ونيويورك ولندن، وصلت مصممة الأزياء المغربية صوفيا كاسيمي إلى مرحلة لم يعد فيها إيقاع هذا العالم، بسرعته وضغطه وحجمه، متماشيًا مع قيمها.
فاختارت تغيير مسارها، وبدأت بتنظيم رحلات فنية في المغرب خارج إطار أسابيع الموضة، عبارة عن لقاءات صغيرة تهدف إلى إعادة التواصل مع اليد والحرفة. ومن هنا، بدأت تتبلور فكرة علامتها "زوبيدة".
وقالت لـCNN بالعربية: "ما اكتشفته استوقفني. حُرّاس هذه التقنيات الاستثنائية كانوا في الغالب رجالًا كبارًا في السن، اكتسبوا معرفتهم عبر حياة كاملة، بينما واقعهم المادي يحكي قصة مختلفة تمامًا. أما الجيل الشاب، فقد اختار منطقيًا الابتعاد عن امتهان هذه الحرف عندما لا تُقدَّر المهارة اقتصاديًا ولا تُمنح مستقبلًا واضحًا، فلماذا سيختارها أحد إذًا؟".

رغم ذلك، أكّدت أن هذه الحِرف التي تُهمَّش في بعض السياقات هي نفسها التي يقوم عليها عالمها السابق، من الأزياء الراقية إلى الجلود الفاخرة والمجوهرات ، حيث تُعد "المِهن الفنية" الأساس لا الهامش، ثقافيًا وتجاريًا.
وبين تجربتها في المغرب ومعرفتها بعالم الفخامة العالمي، شعرت كاسيمي أن ثمة فجوة غير عادلة وملحّة تستوجب الردم. ليس عبر وضع الحرفة خلف الزجاج، بل عبر إعادة تقديمها بشكل حيّ وجاذب، ومنح الجيل الجديد سببًا لإعادة اكتشافها، عبر إدراك أن هذه الأيدي تحمل ما لا يمكن استبداله.

أوضحت كاسيمي في مقابلة مع موقع CNN بالعربية أن كلمة "الحنين" كثيرًا ما تُستخدم لوصف أعمالها، لكنها ترى أن الأمر أعمق من ذلك، إذ إنّ الأقمشة التي تعمل بها تحمل طبقات متعددة من الذاكرة واللون والملمس والرموز. وقالت: "ما أفعله ليس عودة إلى الوراء، بل إعادة صياغة لشيء متجذر وتحويله إلى مسارات معاصرة جديدة".
تحدّثت كاسيمي أيضًا عن فرح البيوت المغربية والاجتماعات العائلية، وكيف تنعكس هذه الروح في أعمالها. وتقول إنها منذ طفولتها كانت منبهرة بروح الحياة في المغرب، داخل العائلة وفي الشارع، حيث الدفء والانتماء الجماعي ونظرة أكثر حكمة للحياة، في مقابل الفردانية السائدة في الغرب.
وتابعت: "عندما نعمل، أنا والحرفيون ووالدي وكل من يشارك في المشروع، تكون هناك موسيقى وطعام وضحك. العلاقة الإنسانية تأتي أولًا، وكل شيء آخر يتبع. وأحرص على مشاركة كواليس العمل عبر ’إنستغرام‘، لإظهار أنه يمكن إنتاج أعمال استثنائية حتى بميزانيات محدودة. هذه الروح هي ما أحاول ترجمتها في كل قطعة: ليس فقط مرجعًا بصريًا للمغرب، بل إحساسًا كاملًا بالدفء والكرم والانتماء".

وأضافت أن القطع القابلة للارتداء التي تصممها تقف في مواجهة مباشرة مع منطق صناعة الموضة السريع القائم على الهدر وضغط الإنتاج. فهي تنطلق دومًا من القماش، إذ سبق أن جمعت مجموعة شخصية من أقمشة مغربية قديمة ونادرة، تحمل نقوشًا وألوانًا لم تعد تُنتج اليوم بعد إغلاق المصانع التي كانت تصنعها، وتلاشي المعرفة الحرفية المرتبطة بها.
ومن هذه المواد تصنع قطعًا بسيطة وكبيرة الحجم، فريدة أو محدودة جدًا، بلا مواسم أو مجموعات.

وتابعت:" أجمل ما في الأمر يتمثل برؤية من يرتديها: فتيات من باريس يعملن في عالم الفخامة، وشخصيات من الموسيقى، ونساء جامعيات في الفن.. جميعهم يرتدون القطعة نفسها، لكن كل واحد يضيف إليها عالمه الخاص ما يجعلها تتجاوز أي تصنيف".
وصفت كاسيمي "زوبيدة" بأنها تقع بين الموضة والفن والتصميم، مشيرة إلى أن العالم الإبداعي اليوم أصبح مترابطًا إلى درجة لم تعد معها الحدود بين هذه المجالات واضحة، وما يجمع مشروعها هو المقاربة نفسها: الأشخاص، والمبادئ، والاشتغال على المواد المحلية والحرفة المغربية بروح مرِحة ومتحررة.
"لندن تغذّي الرؤية، والمغرب تغذّي الروح"
وعن تأثير العيش بين مدن وثقافات مختلفة، أشارت إلى أنّ لندن منحتها الحرية الإبداعية وتعدد المرجعيات، بينما منحها المغرب العمق، أي علاقة مختلفة مع الزمن والثقة وفعل الصنع.
ولفتت إلى أن التصميم المسؤول بالنسبة لها لا يرتبط فقط بالمواد المستدامة، بل يبدأ من الإنسان، عبر ضمان عدالة كل من يشارك في عملية الإنتاج، واعتماد أسلوب إنتاج بطيء يخلق قيمة حقيقية وفرصًا للمجتمعات.

وقد أشركت مدارس "الفرصة الثانية" بمدينة فاس المغربية، في مشروعها الفني الأكبر الذي سيُعرض في العاصمة القطرية الدوحة، بهدف تمكين الشباب من اكتشاف أن أيديهم قادرة على صناعة شيء استثنائي، وأن هناك مستقبلًا في هذا المجال.
واختتمت بالإضاءة على نسيج "البروكار" اليدوي في فاس، أحد أندر وأصعب الحِرف المغربية، الذي تعمل مع أحد آخر حرفييه، والذي ينتج أقمشة للعائلة الملكية، في عملية تستغرق ثلاثة أشهر لنسج خمسة أمتار فقط. محذرة من أن التحدي الأكبر لا يكمن في الجودة، بل في غياب الجيل الجديد بسبب صعوبة المهنة اقتصاديًا وزمنيًا، ومؤكدة أن هدفها يظل بناء جسر بين هذه الحِرف والمستقبل، لضمان عدم اندثار هذا الإرث الاستثنائي.
المصدر الأصلي: CNN بالعربية
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.