3 ملفات رئيسية على طاولة عون وترمب الثلاثاء
تتجه الأنظار، الثلاثاء، إلى البيت الأبيض، حيث يعقد الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره اللبناني جوزيف عون قمة تحمل أبعاداً تتجاوز الزيارة الرسمية الأولى
تستعد واشنطن لاستقبال الرئيس اللبناني جوزيف عون الثلاثاء في قمة مرتقبة مع نظيره الأميركي دونالد ترمب، تحمل أبعاداً استراتيجية تتجاوز كونها أول زيارة رسمية لرئيس لبناني إلى البيت الأبيض منذ سنوات. وتضع القمة الإدارة الأميركية أمام اختبار قدرتها على ترجمة التحولات الإقليمية إلى ترتيبات أكثر استدامة في لبنان، فيما يحمل عون ثلاثة ملفات رئيسية: ضمان الانسحاب الإسرائيلي ووقف العمليات العسكرية، دعم الجيش وحصر السلاح بيد الدولة، وفتح آفاق الدعم الاقتصادي والاستثماري لتعزيز مؤسسات الدولة.
وتأتي هذه الزيارة في وقت حساس تشهد فيه المنطقة تحولات عميقة، وسط مساع دولية لترسيخ الاستقرار في لبنان بعد سنوات من الأزمات.
وتأتي القمة في أجواء وصفتها مصادر لبنانية وأميركية بـ«الإيجابية للغاية»، عقب محادثات عون مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو الأحد، وتزامناً مع إعلان وزارة الخارجية الأميركية بدء تنفيذ عمليات المناطق التجريبية في قرى فرون وصريفا وزوطر الغربية، وفق إطار العمل الثلاثي وتحت رعاية مجموعة التنسيق العسكرية للبنان.
ويحمل بدء تنفيذ هذه المناطق أهمية تتجاوز بعدها الميداني؛ إذ يمكن أن يشكّل- في حال نجاحه- نموذجاً لتوسيع الانسحاب الإسرائيلي تدريجياً بالتوازي مع انتشار الجيش اللبناني، من دون إبقاء الانسحاب رهينة الشرط الإسرائيلي السابق بنزع سلاح «حزب الله» بصورة كاملة قبل أي انسحاب، وبالتالي الاتجاه نحو معادلة خطوة مقابل خطوة، أي انسحاب إسرائيلي من مناطق محددة، يقابله انتشار الجيش اللبناني وتثبيت سلطة الدولة ومنع أي وجود مسلح خارجها، على أن تتوسع التجربة تدريجياً إذا أثبتت نجاحها.
الملف الأول
ويبرز الملف الأول أمام عون وترمب في كيفية حماية الاتفاق الإطاري الثلاثي ومنع انهياره تحت وطأة الخلاف حول ترتيب الخطوات. فلبنان يتمسك بأن استمرار الاحتلال الإسرائيلي لأراضٍ لبنانية يمنح «حزب الله» ذريعة للاحتفاظ بسلاحه، بينما تقول إسرائيل إن الانسحاب الكامل قبل ضمان نزع سلاح الحزب قد يسمح له بإعادة بناء مواقعه العسكرية. وتعول بيروت على الدور الأميركي بصفته الطرف القادر عملياً على ممارسة النفوذ على إسرائيل، وتقديم ضمانات ودعم للحكومة والجيش اللبنانيين.

ويشدد ماثيو ليفيت، الباحث في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، على أهمية وجود آلية تحقق ومراقبة فعالة بقيادة أميركية، مدعومة بالمعلومات الاستخباراتية والقدرات اللازمة لمتابعة تنفيذ الالتزامات مع بدء تجربة المناطق التجريبية، موضحاً أن الاختبار الحقيقي سيكون ضمان تنفيذ المعادلة من الجانبين، أي انسحاب إسرائيلي فعلي، وانتشار للجيش اللبناني يمنع عودة «حزب الله» عسكرياً إلى المناطق التي يتم إخلاؤها بما يفتح الطريق أمام تطبيق النموذج على مناطق أخرى، وصولاً إلى معالجة النقاط الحدودية المتنازع عليها وترسيخ وقف دائم للأعمال العدائية، وربما الانتقال في مرحلة لاحقة إلى ترتيبات سياسية وأمنية أكثر شمولاً.
الملف الثاني
أما الملف الثاني، الأكثر حساسية، فيتمثل في سلاح «حزب الله» وقدرة الدولة على فرض احتكار القوة. وقد أبدى روبيو خلال لقائه عون موقفاً واضحاً بأن مستقبل لبنان مرتبط بوجود حكومة شرعية قادرة على السيطرة على كامل أراضيه، معتبراً أن استمرار وجود حركة سياسية تمتلك قوة عسكرية مستقلة وممولة من إيران يشكل العقبة الأساسية أمام الاستقرار.
لكن النقاش الأميركي - اللبناني يبدو أكثر مرونة بشأن آلية الوصول إلى هذا الهدف. فالمقاربة التي حملها عون إلى واشنطن تقوم على أن نزع السلاح لا يمكن تنفيذه بالقوة، لما يحمله ذلك من مخاطر صدام داخلي، وإنما عبر عملية تدريجية تتزامن مع إنهاء الاحتلال الإسرائيلي وإزالة الذرائع التي يستخدمها الحزب للاحتفاظ بترسانته.

وتشير حنين غدار، الباحثة في معهد واشنطن، إلى أن التحدي يتجاوز مجرد جمع الصواريخ والأسلحة، محذرة من اختزال المشكلة في الترسانة العسكرية وحدها. فـ«حزب الله» - وفق رؤيتها - بنى على مدى عقود شبكة نفوذ سياسية ومالية ومؤسساتية داخل الدولة؛ ما يعني أن نزع جزء من سلاحه من دون تفكيك مصادر تمويله ونفوذه قد يتيح له إعادة بناء قوته مستقبلاً. وتضع هذه الرؤية أمام لقاء عون وترمب سؤالاً يتجاوز متى يُنزع السلاح؟ إلى كيف يمكن بناء دولة قوية بما يكفي لمنع عودة السلاح؟ ولهذا يحتل دعم الجيش اللبناني موقعاً أساسياً في أجندة عون، الذي يسعى إلى زيادة المساعدات العسكرية الأميركية.
فرصة استراتيجية
ويرى فادي نيكولاس نصار، الزميل الأول في معهد الشرق الأوسط، أن لبنان قد يمثل انتصاراً ومكسباً سياسياً للسياسة الأميركية في المنطقة إذا قررت واشنطن استثمار التحولات الراهنة، وإضعاف النفوذ الإيراني بما يوفر فرصة غير مسبوقة لدعم قيام دولة لبنانية ذات سيادة وإنهاء نموذج الوكلاء الذي اعتمدت عليه طهران لعقود.
الملف الثالث
ويكتسب الملف الثالث في لقاء عون وترمب، المتعلق بالاقتصاد وإعادة الإعمار، أهمية استراتيجية. فالرؤية المطروحة في واشنطن تقوم على أن تعزيز سلطة الدولة لا يمكن أن يتحقق بالأدوات الأمنية وحدها، وإنما يحتاج إلى استثمارات وفرص اقتصادية تعيد الثقة بالمؤسسات الشرعية. وقد ناقش عون مع روبيو إمكان جذب استثمارات أميركية ودولية إلى قطاعات الطاقة والتكنولوجيا والاتصالات والنقل، إضافة إلى إعادة تشغيل الرحلات الجوية المباشرة بين الولايات المتحدة ولبنان.

ويصف روبرت ساتلوف، المدير التنفيذي لمعهد واشنطن، لقاء ترمب وعون بأنه يمثل لحظة حاسمة بالنسبة إلى مستقبل التفاهمات اللبنانية - الإسرائيلية. ويقول إن الرئيس عون يحتاج إلى التزامات أميركية ملموسة تساعده على إظهار أن خيار الدولة قادر على تحقيق نتائج، في حين يحتاج الرئيس ترمب إلى مؤشرات تثبت جدية بيروت في التعامل مع سلاح «حزب الله» وتعزيز سلطة المؤسسات الشرعية.
ويرى مراقبون أن نجاح هذه القمة قد يحدد مسار العلاقات اللبنانية-الأميركية والاستقرار في جنوب لبنان. فيما يظل ملف سلاح حزب الله وحصر السلاح بيد الدولة أبرز التحديات التي تواجه الحكومة اللبنانية، وسط آمال بأن تؤدي الضغوط الدولية والإقليمية إلى تحقيق تقدم ملموس. ويبرز دور الولايات المتحدة كطرف قادر على ممارسة النفوذ على إسرائيل وتقديم ضمانات للبنان، مما يجعل هذه القمة محورية في معالجة الملفات الثلاثة المترابطة.
المصدر الأصلي: الشرق الأوسط
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.