لحل أزمة اللاجئين.. أسست فرنسا "الفيلق الأجنبي"
يُعد الفيلق الأجنبي أحد أكثر تشكيلات الجيش الفرنسي تميزاً وإثارة للجدل، إذ يضم آلاف الجنود من عشرات الجنسيات الذين يتطوعون للقتال تحت العلم الفرنسي، ويُكلَّفون في الغالب بالعمليات العسكرية خارج الأراضي الفرنسية. ويملك الفيلق قيادة مستقلة، ويعمل ضمن قوات المشاة، مع وحدات متخصصة تتعاون مع سلاح المدرعات والهندسة والقوات المحمولة جواً.
ومع احتفالات فرنسا السنوية بالعيد الوطني في 14 يوليو، يلفت أفراد الفيلق الأنظار بزيهم التقليدي الأبيض وخطواتهم العسكرية المميزة ونشيدهم الخاص، لكن وراء هذا الاستعراض تاريخ يعود إلى عام 1831، حين قرر الملك لويس فيليب الأول إنشاء هذا التشكيل العسكري في ظروف سياسية واجتماعية معقدة.
جذور الفكرة
لم تكن فكرة الاعتماد على المقاتلين الأجانب جديدة على فرنسا. فخلال الحروب النابليونية، استعان نابليون بونابرت بفيالق من الإيطاليين والبولنديين والبرتغاليين والإيرلنديين ضمن ما عُرف ب"الجيش الكبير"، خاصة مع اتساع رقعة حروبه وارتفاع خسائره البشرية.
وبعد سقوط نابليون، أصدر الملك لويس الثامن عشر عام 1815 مرسوماً بدمج هذه الوحدات في تشكيل واحد حمل اسم "الفيلق الملكي الأجنبي". غير أن هذا الفيلق لم يدم طويلاً، إذ تراجع دوره تدريجياً قبل أن يُحل رسمياً مطلع عام 1831.
لوحة تجسد جنودا تابعين للفيلق الأجنبي
أزمة لاجئين وحرب في الجزائر
شهدت أوروبا عام 1830 موجة من الثورات اجتاحت فرنسا وبلجيكا والولايات الألمانية والإيطالية، إضافة إلى بولندا الخاضعة للحكم الروسي. وأدت تلك الاضطرابات إلى نزوح أعداد كبيرة من اللاجئين والمقاتلين السابقين إلى فرنسا بحثاً عن الأمان والعمل.
وبحسب مصادر تاريخية فرنسية، نظر الملك لويس فيليب الأول إلى هذا التدفق البشري بقلق، إذ لم يكن يرغب في دمج هؤلاء الوافدين داخل المجتمع الفرنسي، خصوصاً أن عدداً كبيراً منهم كان من العسكريين والمغامرين الذين خدموا في جيوش أوروبية مختلفة.
في المقابل، كانت فرنسا بحاجة إلى تعزيز قواتها العسكرية مع انطلاق حملتها الاستعمارية في الجزائر، وهو ما دفع الملك إلى البحث عن حل يحقق الهدفين معاً.
لوحة تجسد ضابطا وهو يقود فيلقا بولنديا بالجيش الفرنسي
ولادة الفيلق الأجنبي
في 10 مارس عام 1831، أصدر لويس فيليب الأول مرسوماً بإنشاء الفيلق الأجنبي، على أن يضم متطوعين من غير الفرنسيين، ويقوده ضباط فرنسيون، مع تكليفه حصراً بالعمليات العسكرية خارج الأراضي الفرنسية.
وبذلك، تمكنت الحكومة الفرنسية من معالجة مشكلتين في وقت واحد؛ إذ وفرت قوات إضافية للجيش، وفي الوقت نفسه أبقت آلاف الأجانب بعيداً عن الخدمة داخل فرنسا.
كما تشير بعض المصادر التاريخية إلى أن عدداً من الأجانب الذين كانوا يواجهون الطرد أو الملاحقة القانونية وجدوا في الانضمام إلى الفيلق فرصة لبدء حياة جديدة، وإن لم يكن ذلك سياسة عامة تنطبق على جميع المجندين.
قوات من الفيلق الأجنبي خلال الحملة على الجزائر
من الجزائر إلى الحربين العالميتين
سرعان ما أصبح الفيلق الأجنبي أحد أبرز أدوات فرنسا العسكرية في الخارج. فقد شارك في احتلال الجزائر، ثم في حرب القرم، والحملة الفرنسية على المكسيك، والعمليات العسكرية في المغرب، قبل أن يقاتل في الحربين العالميتين الأولى والثانية، ثم في حرب الهند الصينية وعدد من النزاعات اللاحقة.
وبحلول عام 1963، كان أكثر من 600 ألف رجل قد خدموا في صفوف الفيلق منذ تأسيسه، وكان الألمان يشكلون النسبة الأكبر منهم، قبل أن يتوسع لاحقاً ليضم متطوعين من أكثر من 140 جنسية.
ورغم مرور ما يقرب من قرنين على تأسيسه، لا يزال الفيلق الأجنبي يمثل إحدى أكثر الوحدات العسكرية تميزاً في الجيش الفرنسي، جامعاً بين البعد العسكري والإرث التاريخي، بعدما ولد أساساً من تلاقي أزمة لاجئين مع حاجة الدولة إلى توسيع قوتها العسكرية خارج حدودها.
مادة إعلانية
مادة إعلانية
المصدر الأصلي: العربية
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.