ملخص

تتباين التقديرات داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية بشأن احتمالات انخراط إسرائيل في نطاق الاستهداف الصاروخي الإيراني، حيث يرجح جانب منها استبعاد ذلك في الوقت الراهن، بينما يربط تقرير آخر غياب الرد الإيراني المباشر بحالة من الردع، مؤكداً قناعة طهران بأن استهداف العمق الإسرائيلي سيقابله رد إسرائيلي حازم يطال البنى التحتية الإيرانية وعمليات اغتيال نوعية.

تأتي هذه التقديرات في وقت تشهد فيه العلاقات الأمريكية الإسرائيلية حالة من التوتر وعدم الوضوح بشأن التنسيق الاستراتيجي في منطقة الشرق الأوسط.

تخيم حالة من الغموض على المؤسسة الأمنية الإسرائيلية بخصوص استراتيجية الرئيس دونالد ترمب تجاه إيران، لا سيما بعد قراره المفاجئ بإعادة طائرات التزود بالوقود إلى مطار بن غوريون. وتتداول الأوساط الأمنية تساؤلات حول ما إذا كان ترمب يمهد لعمل عسكري واسع النطاق، أم أنها مجرد مناورة إعلامية للضغط على طهران ودفعها نحو مفاوضات جديدة بشروط أفضل فيما يخص ملفها النووي ومضيق هرمز.

تأتي هذه الأجواء وسط تعميق الأزمة بين واشنطن وتل أبيب، وتحديداً مع الحكومة الإسرائيلية ورئيسها نتنياهو، كما نقل عن أكثر من مسؤول أميركي، والتي انعكست في التصريحات المتعلقة بلقاء ترمب نتنياهو. فبينما أعلن مكتب نتنياهو عن تأجيل اللقاء المتفق عليه بين نتنياهو وترمب في أعقاب تأجيل مراسم دفن السيناتور الأميركي ليندسي غراهام، نقل مراسل القناة "12" براك رافيد عن مسؤولين كبار في البيت الأبيض أنه لم يحدد أي لقاء بين نتنياهو وترمب. وضمن الادعاءات الأميركية أن ترمب غضب من تصريح نتنياهو ضد صفقة طائرات "أف 35" مع تركيا، إلى جانب رفض الانسحاب الإسرائيلي من لبنان وسوريا.

ووفق الأميركيين، فإن ترمب وافق بالفعل على استقبال نتنياهو، لكن بعد أسبوعين لم يحدد لقاء حتى الآن. وفوق كل ذلك، نتنياهو ليس محبوباً بصورة خاصة في الولايات المتحدة في الفترة الأخيرة، بحسب ما نقل رافيد، وأضاف نقلاً عن المسؤولين في البيت الأبيض بأنهم فوجئوا جداً "من الادعاءات التي سربت خلال الأيام الأخيرة إلى وسائل الإعلام في إسرائيل، وكأن لقاءً بين نتنياهو وترمب متوقع يوم الإثنين في البيت الأبيض". وشدد مسؤولان كبيران على أنه لم يحدد في أي مرحلة خلال الأيام الأخيرة لقاء مع نتنياهو في جدول أعمال الرئيس الأميركي للأسبوع المقبل.

وتابع المسؤولان القول إنه عندما شاهد ترمب هذه المقابلة، لم تعجبه إطلاقاً وغضب، لأنه لم يفهم لماذا يعارض نتنياهو صفقة أسلحة بين الولايات المتحدة وتركيا. وشدد مسؤول رفيع في البيت الأبيض على أن ترمب يعتقد أن لا حق لنتنياهو في التدخل في هذا الأمر.

وما بين هذه الأسباب يشير رافيد إلى أن نتنياهو بات شخصية غير مرغوب فيها في واشنطن هذه الأيام "لا في أوساط الديمقراطيين ولا في أوساط الإدارة نفسها. وقد رأينا دليلاً على ذلك في التصويت داخل مجلس النواب، عندما صوت 100 عضو ديمقراطي في الكونغرس، أي نصف الكتلة الديمقراطية في مجلس النواب، ضد تقديم المساعدات لإسرائيل".

رافيد أشار إلى أن مسؤولين أميركيين أكدوا أن التصويت لم يكن ضد تقديم المساعدات لإسرائيل، "بل كان نتيجة استفتاء أجراه الديمقراطيون بشأن نتنياهو". من جهة أخرى، خرج نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس من المعسكر الجمهوري ضد الحكومة الإسرائيلية، حيث اعتبر أنها تقوض عملياً سياسة إدارة ترمب في شأن إيران، بل وتحاول الدفع نحو تجدد الحرب ومعارضة الاتفاق مع إيران.

في المقابل، يبقى التنسيق بين تل أبيب وواشنطن بوتيرة عالية حول ملف إيران، فالتقديرات الأمنية الإسرائيلية أن هجمات الجيش الأميركي على إيران لا تثير قلق الحرس الثوري، وبينما تتوقع جهات أمنية عدم إدخال إسرائيل إلى مرمى الصواريخ الإيرانية في هذه المرحلة في الأقل، يرى تقرير أمني إسرائيلي آخر أن القرار الإيراني، حتى الآن، بعدم إطلاق صواريخ باتجاه إسرائيل، نابع من الردع ومن إدراك أن مهاجمة الجبهة الداخلية الإسرائيلية ستجر إلى استهداف البنى التحتية الإيرانية وتنفيذ عمليات اغتيال محددة الأهداف. وبحسب ما نقل عن مسؤولين أمنيين، فسيكون من الصعب جداً على الولايات المتحدة، في مثل هذا الوضع، إيقاف إسرائيل.

أشار تقرير لموقع "واللا" الإخباري نقلاً عن مصدر إسرائيلي مسؤول، إلى أن التوترات الراهنة تغذيها حالة الجمود في المفاوضات ومراوغات النظام الإيراني، بالإضافة إلى حدة الخطاب الصادر عن قياداته، محذراً من أن فرص الانزلاق نحو تصعيد عسكري واسع قد تتبلور خلال أيام معدودة.

بحسب التقرير، فإن الأميركيين لا يستهدفون تنفيذ عملية واسعة واحدة من أجل إعادة الإيرانيين إلى مفاوضات فعالة من وجهة نظرهم، وإنما تنفيذ سلسلة من العمليات العسكرية. وأضاف المصدر الرفيع "إنهم سيتقدمون درجة إضافية. الآن يمكن لكل شيء أن يتطور، وعلى الجيش الإسرائيلي أن يكون مستعداً لذلك".

اقرأ المزيد

الجيش الإسرائيلي من جهته يواصل استعداده على مختلف الجهات لاحتمال قرار إيراني باستهداف إسرائيل، وقد أعلن سلاح الجو ومنظومات الدفاع الجوي استكمال الاستعداد والجهوزية لأي تصعيد مفاجئ، وأكد مسؤولون عسكريون وأمنيون ضرورة أن تكون إسرائيل مستعدة "لسيناريو يدعي فيه الإيرانيون أنهم يهاجمون إسرائيل لأن الأميركيين يستخدمون إسرائيل قاعدة لوجستية". وقال مسؤول أمني "كانت هذه هي الذريعة التي استخدمها الإيرانيون لمهاجمة الدول المجاورة"، بينما أوعز وزير الأمن، يسرائيل كاتس، للجيش بالاستعداد لما أسماه "سيناريو كل شيء"، انطلاقاً من إدراك "أننا سننجر بسرعة مجدداً إلى مواجهة مع إيران".

ما بين الجبهتين

ضمن التوقعات التي تتحدث عنها الأجهزة الأمنية في إسرائيل، أن إيران، وخشية تصعيد أمني واسع في لبنان، تمتنع عن الهجوم حتى الآن على إسرائيل، وهو ما يترك المجال أمام الجيش لاستمرار تنفيذ أهدافه وعملياته في لبنان. وبانتظار البدء في الانسحاب الإسرائيلي من المنطقتين التجريبيتين ليتسلمهما الجيش اللبناني، تواصل إسرائيل تهديداتها الرافضة لأي جهة مقترحة أن تشارك في المراقبة على كيفية تنفيذ الجيش اللبناني، وكشف اقتراح انتشار جنود من إيطاليا في المنطقة، وأن يشرفوا على إخلائها من السلاح ومن مسلحي "حزب الله". إضافة إلى ذلك، طرح خلال محادثات روما أن يتولى الجيش الإيطالي عملية المراقبة والإشراف على الجيش اللبناني في تنفيذ مهمته بعد انسحاب الجيش الإسرائيلي.

إسرائيل من جهتها تصر على أن يقوم الجيش الإسرائيلي بفحص التجربة النموذجية التي سيدخل الجيش اللبناني في إطارها قواته إلى الأماكن التي سينسحب منها الجيش الإسرائيلي. في المقابل، أرادوا في لبنان أن يكون الجيش اللبناني هو المسؤول عن المنطقة وعن عملية الفحص أيضاً، وبعد رفض إسرائيل اليونيفل جاء اقتراح إيطاليا، لكن لم يحسم بعد. وقال مسؤولون أمنيون إن الاقتراح قيد الدراسة من جانب الأطراف.

وسط هذه الأجواء، تم تأجيل الاجتماع الأمني الإسرائيلي - اللبناني - الأميركي الافتراضي، المنبثق عن مفاوضات روما، من دون تحديد موعد جديد له. دوافع هذا التأجيل لم تحدد رسمياً، لكن تسريبات إعلامية إسرائيلية ربطته بشروط تل أبيب المتشددة لتطبيق بند الانسحاب من المنطقتين التجريبيتين في "اتفاق الإطار"، تحديداً بخصوص الجهة الدولية التي ستراقب كيفية تسلم الجيش اللبناني المنطقة بعد الانسحاب الإسرائيلي ونزعه سلاح "حزب الله" منها.

تكمن أهمية هذه التطورات في انعكاساتها المباشرة على الاستقرار الإقليمي، حيث تضع التباينات السياسية بين واشنطن وتل أبيب صناع القرار في إسرائيل أمام تحديات أمنية معقدة. وسيتعين على المتابعين مراقبة مسار التنسيق العسكري في الأيام القادمة لمعرفة ما إذا كانت الضغوط الأمريكية ستنجح في ضبط إيقاع التحركات الإسرائيلية، أم أن المنطقة تتجه نحو مواجهة غير محسوبة.