يدخل حيز التنفيذ يوم الأربعاء اتفاق حرية التنقل بين جيب جبل طارق البريطاني وإسبانيا، مما يُسهّل التنقل اليومي لآلاف العمال من الجانبين، بعد سنوات من المعاناة من الطوابير الطويلة وانتظار شاق على الحدود، وفقًا لوكالة الصحافة الفرنسية.

يأتي هذا الاتفاق تتويجاً لمساعٍ دبلوماسية استمرت منذ الاستفتاء على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي عام 2016، حيث كان وضع جبل طارق أحد الملفات العالقة بين لندن ومدريد.

تم التوقيع على الاتفاق يوم الثلاثاء في بروكسل تحت رعاية المفوضية الأوروبية، وذلك بعد ست سنوات من انسحاب بريطانيا رسمياً من الاتحاد الأوروبي، وينص على إزالة القيود التي كانت تُعيق التنقل بين جبل طارق -الواقع في أقصى جنوب شبه الجزيرة الأيبيرية- وإسبانيا.

ويستقبل جبل طارق، وهو إقليم بريطاني صغير يبلغ عدد سكانه نحو 40 ألف نسمة، يومياً نحو 15 ألف عامل إسباني، أي ما يقارب نصف قوته العاملة.

وقال رئيس اتحاد الشركات الصغيرة في جبل طارق أوين سميث لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» إن «انسيابية الحدود ستسهّل حياة» العمال المقيمين في إسبانيا، كما ستساعد شركات جبل طارق على استقطابهم والاحتفاظ بهم.

وقد توصل الطرفان إلى هذا الاتفاق بعد مفاوضات شاقة استمرت سنوات، إثر التوتر الذي نشب بين لندن وبروكسل عقب «بريكست» (خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي).

وقال وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس لإذاعة «كادينا سير»، الثلاثاء، إن الاتفاق «يفتح عهداً جديداً» و«آفاقاً هائلة بعد ثلاثة قرون».

«هدم آخر جدار»

من المقرر أن يزور رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز المنطقة الحدودية، الأربعاء، فيما تتواصل منذ أسابيع أعمال تفكيك السياج المعدني القديم ونقاط العبور التي تفصل جبل طارق عن إسبانيا.

وقال سانشيز: «أخيراً، وبعد مئات السنين، سيصبح من الممكن هدم آخر جدار ما زال قائماً في الاتحاد الأوروبي».

ورأى رئيس حكومة جبل طارق فابيان بيكاردو أن الاتفاق يتيح إزالة «الحواجز المادية التي تعود إلى حقبة اتسمت بالتوتر»، مع الاحتفاظ في الوقت نفسه بـ«مفاتيح بوابتنا الخاصة».

وكانت التوترات قد بلغت ذروتها عام 1969، عندما أغلق نظام الديكتاتور فرانشيسكو فرانكو الحدود، بعدما صوّت سكان جبل طارق بغالبية ساحقة في استفتاء لمصلحة البقاء تحت السيادة البريطانية.

ولم تُفتح الحدود بالكامل مجدداً إلا عام 1985.

توترات دبلوماسية

ومنذ إعادة فتحها، كانت الطوابير الطويلة تتشكل بحسب منسوب التوتر الدبلوماسي بين مدريد ولندن بشأن السيادة على الإقليم، ما كان يدفع إسبانيا إلى تشديد إجراءات المراقبة.

وقال المسؤول النقابي في منطقة كامبو دي جبل طارق الإسبانية مانويل تريانو باوليت إن «كثيراً من العمال كانوا لا يعرفون متى يتعين عليهم مغادرة منازلهم للوصول إلى العمل في الوقت المحدد»، ولا في أي ساعة سيعودون إلى بيوتهم.

وأضاف الأمين العام الإقليمي لنقابة «اللجان العمالية» أن «من المهم أن ينتهي هذا التهديد المعلّق فوق رؤوس العمال».

ويقوم اقتصاد جبل طارق، الذي تقلّ مساحته عن مساحة غابة فانسن في باريس، على الخدمات المالية وألعاب القمار عبر الإنترنت، وهو يسجل أحد أعلى مستويات دخل الفرد في العالم، وفق «وكالة الصافة الفرنسية».

وخرجت المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي عام 2020، تاركة العلاقة بين جبل طارق، الذي شكّل تاريخياً قاعدة عسكرية مهمة للبريطانيين، والتكتل الأوروبي من دون تسوية.

وأواخر عام 2020، توصلت مدريد ولندن في اللحظات الأخيرة إلى اتفاق مؤقت للحفاظ على حرية التنقل عند الحدود بين إسبانيا وجبل طارق، لكن توقيع اتفاق نهائي ظل متعثراً.

وكانت إسبانيا قد تنازلت عن جبل طارق للتاج البريطاني عام 1713 بموجب معاهدة أوترخت، لكنها لم تتوقف منذ ذلك الحين عن المطالبة بالسيادة عليه، ما أبقاه ملفاً متوتراً بين مدريد ولندن.

يمثل الاتفاق خطوة تاريخية نحو إزالة آخر الحواجز المادية داخل الاتحاد الأوروبي، حيث بدأت أعمال تفكيك السياج الحدودي. ويستفيد نحو 15 ألف عامل إسباني يعبرون الحدود يومياً من هذا التسهيل، مما يعزز الاقتصاد المحلي لجبل طارق. ومع ذلك، لا يزال مستقبل العلاقة بين جبل طارق والاتحاد الأوروبي بحاجة إلى ترتيبات دائمة، في ظل خروج بريطانيا من التكتل.