عبدالله بن حذافة السهمي، صحابي جليل، خاض تجربة فريدة يمكن وصفها بلغة العصر بالدبلوماسية مع القوتين العظميين في زمانه، ففي السنة السادسة للهجرة ذهب سفيرًا برسالة النبي صلى الله عليه وسلم إلى كسرى ملك الفرس بعد صلح الحديبية، ثم بعد سنوات، ما بين 19 و21 للهجرة في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وقع أسيرًا في يد الروم، فالتقى هرقل ملكهم في موقف مختلف تمامًا، لكنه أظهر الثبات نفسه.

كان هرقل سياسيًا محنكًا، يسعى لفهم السر الذي حوّل العرب من قبائل متفرقة إلى قوة لا تخشى الإمبراطوريات. رأى في عبدالله نموذجًا حيًا لاختبار صلابة هذا الإيمان، بدأ بإغرائه، فعرض عليه ترك الإسلام والتنصّر، فجاء رد عبدالله حاسمًا: «لو أُعطي ملك هرقل وملك العرب جميعًا ما ترك دين محمد طرفة عين».

أمر هرقل بإعدامه ظاهريًا، وطلب من الرماة أن يرموا قريبًا منه دون أن يصيبوه ليرى أثر الخوف فيه، لكن عبدالله بقي ثابت القلب لا يلتفت، ثم أُدخل السجن وجُوّع وعُطّش، ولم يُقدَّم له إلا لحم خنزير وخمر ليُضطر لمخالفة دينه، فرفض حتى أشرف على الهلاك.

غيّر هرقل أسلوبه، فانتقل من الترهيب إلى الترغيب؛ قدّم له أطيب الطعام وأفخر الشراب وألبسه الثياب الفاخرة، ليتعلق بالنعيم ثم يُحرم منه فيساوم على دينه، لكن عبدالله اكتفى بقدر الحاجة، فلم تُجدِ الإغراءات. ثم أُرسلت إليه نساء القصور في زينتهن، فأبى واستعصم.

تذكر بعض الروايات أن هرقل بالغ في العرض حتى وعده بشطر ملكه، فكان جواب عبدالله ثابتًا كما كان أول مرة. فلما فشلت محاولات الإغراء، عاد هرقل إلى الترهيب، فأُحضر أسيران مسلمان وخُيّرا بين التنصّر أو الموت، فرفضا وأُلقيا في زيت يغلي حتى استُشهدا. بكى عبدالله، فظنوا أنه جزع، لكنه قال إنه تمنى لو كانت له ألف نفس تُزهق كلها في سبيل الله.

أدرك هرقل أن قتله لن يكون نصرًا له، فبحث عن مخرج يحفظ هيبته، فعرض عليه أن يقبّل رأسه مقابل إطلاق سراحه، فهم عبدالله أن الأمر لا يمس عقيدته، فاشترط إطلاق سراح جميع الأسرى المسلمين، فوافق هرقل. قبّل عبدالله رأسه وأُطلق سراحه وسراح الأسرى، فعاد منتصرًا بثباته وحكمته، ولما بلغ الخبر عمر بن الخطاب قبّل رأس عبدالله وقال: حق على كل مسلم أن يقبّل رأسه، وأنا أبدأ.

هنالك عدد من الدروس القيادية المستلهمة من تجربة الصحابي الجليل عبدالله السهمي، ومنها:

  • إذا كانت هنالك مصلحة عليا وأثر نافع كبير، فلا بأس أن تتنازل في ما لا يتعارض مع مبادئك وقيمك، ومن الذكاء أن تخسر في معركة واحدة صغيرة لتنتصر في حرب كبرى. 

  • القائد يمثل منظومة كاملة في كلامه ومنظره وسلوكياته، سأل عمر الفاروق الصحابي عبدالله: «يرحمك الله، ما منعك إذ بلغ بك الجهد ما بلغ أن تأكل لحم الخنزير، وأن تشرب الخمر؟»، فقال عبدالله: «والله يا أمير المؤمنين، لقد علمت أن ذلك موسع لي فيه، ولكنني كرهت أن يشمت الروم وهرقل بالإسلام وأهله». 

  • أهمية التفكير من وجهة نظر الطرف المقابل، في التفاوض من الضروري معرفة احتياجات وظروف الطرف الآخر. أدرك عبدالله حاجة هرقل إلى نصر معنوي يحفظ هيبته ومكانته بين قومه، وكان تقبيل الرأس هو ذلك النصر المعنوي الذي منحه اياه مقابل إطلاق سراح جميع أسرى المسلمين. 

  • حتى أقوى القادة تصيبهم لحظات ضعف، عندما بكى الصحابي عبدالله من خشية الله في تحلل جثث الأسيرين المسلمين في الماء المغلي كان يدرك أنه قد يساء فهمه ويظن جنود الروم أنه خاف أو جبن، ولكن يبقى أقوى القادة بشراً تصيبهم لحظات اضطراب وقلق ولكن ما يميزهم هو القدرة على التماسك والصلابة النفسية والعودة بشكل أقوى.  

  • ضرورة التقدير من الادارة العليا، موقف سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه هو ما أعطى للقصة معناها من حيث فهم الحيثيات والظروف ولم يكن قراراً عاطفياً ينظر لتقبيل ملك الروم أن ذلك وضعف وتنازل، وهكذا فمن المهم منح التقدير والشكر للجميع مهما اختلفت مراتبهم القيادية. 

  • صناعة القادة تستغرق وقتاً، حوالي عشرين عاماً كانت بين لقاء عبدالله مع كسرى وقيصر تخرج خلالها من الجامعة القيادية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وخليفتيه أبي بكر وعمر رضي الله عنهما. ولذا فمن أراد أن يصنع قادة فعليه أن يصبر ويتحمل لأنها طريق طويلة لكنها مثمرة وناجحة بإذن الله. 

    وختاماً، من حكمة الله أن مقر عملي في الرياض على شارع عبدالله بن حذافة السهمي، وأتساءل كل يوم: ماذا قدمت لأساهم في صناعة جيل من القادة يصنعون أثراً نافعاً مثل الصحابي الجليل عبدالله السهمي رضي الله عنه؟.