تبدأ صباحات الأسر السعودية عادة بتناول وجبة الإفطار التي تضم الصامولي ومنتجات الألبان والمياه، لكن جزءاً من هذه الأصناف يلقى في القمامة سريعاً. ويزداد المشهد هدراً في المناسبات كالأعياد حيث تتربع المفاطيح والذبائح على الموائد تعبيراً عن الكرم، غير أن هذا الكرم ينتج فائضاً غذائياً كبيراً لا يُستغل.

تتصدر المملكة قائمة الدول المستهلكة للغذاء عربياً وعالمياً، مما يجعل مشكلة الهدر أكثر إلحاحاً.

يترجم هذا السلوك اليومي، رغم صلته بثقافة الكرم، إلى خسائر اقتصادية وبيئية جسيمة. فبموجب التقديرات، يهدر الفرد في المملكة نحو 184 كيلوغراماً من الغذاء سنوياً بتكلفة تزيد عن 40 مليار ريال، إضافة إلى فقدان نحو 20% من الموارد المائية المخصصة لإنتاج الغذاء، بقيمة تقارب 7 مليارات ريال، مما يحول هذه الموارد إلى ثروات ضائعة.

هذا النزيف الصامت لثروات السعوديين توقف قليلًا خلال الفترة الماضية بفضل جهود الدولة، وأكد ذلك إعلان المركز الوطني لكفاءة وترشيد المياه منذ أيام عن توفير 500 مليون ريال سنويًا من ترشيد الاستهلاك والكشف عن التسريبات فقط بينما كشفت الهيئة العامة للأمن الغذائي قبل أسابيع قليلة انخفاض مؤشر الفقد والهدر الغذائي بالمملكة من 33.1% إلى 27.9% خلال 4 سنوات فقط، وبلغة الأرقام فما تم إنقاذه من سلة القمامة يساوي 6 مليارات ريال سنويًا.

غير أن الفجوة لا تزال واسعة بفعل العلاقة الخاصة بين السعوديين والطعام، وتجلّى ذلك في أصناف ثابتة على المائدة مثل الأرز (1.1 مليون طن سنوياً، 52.1 كجم للفرد) واللحوم الحمراء (13.2 كجم) والدواجن (47 كجم) التي تتجاوز المعدلات العالمية، وهذه الأصناف نفسها الأكثر هدراً، حيث يهدر ثلث الأرز و29% من اللحوم.

أين يحدث الهدر؟

أين يحدث الهدر بالضبط؟.. سؤال شغل الدراسات المسحية التي أعدها البرنامج الوطني للحد من الفقد والهدر الغذائي "لتدوم"، وخلصت في النهاية إلى أن المنازل يهدر فيها 48% من إجمالي الغذاء والماء في الأيام العادية لكن هذه النسبة تصل إلى 60% في الأعياد الدينية وحفلات الزواج والعزومات العائلية، وهي الأوقات التي يحرص فيها السعوديون على إظهار الكرم المعروفين به بإعداد صحون الذبائح التي تفوق أعداد الحضور خوفًا من النقد المجتمعي أو مزاعم بالتقصير، كما أن عدم معرفة عدد القادمين بالضبط يسهم في زيادة الأطعمة المهدرة وبحسب الدراسات فـ"البوفيه المفتوح" في قاعات الأفراح والفنادق يعد أكبر عقبة تقف أمام ترشيد الاستهلاك إذ يندفع إليه المدعوون لملء أطباقهم بكميات تفوق طاقتهم بكثير ويهدر فيها آلاف من زجاجات المياه الصغيرة التي يرتشف منها القليل ثم تلقى.

خريطة الهدر توضح أن هناك طرف آخر يتسبب في تضخيم كلفة الفاقد وهو القطاع التجاري المتمثل في المطاعم التي تجاوز عددها 80 ألف مطعم وتجار التجزئة الذين يعملون عبر 45 ألف منشأة ومنفذ، فخلف الكواليس وأثناء عمليات التحضير والطهي داخل المطابخ التجارية أو نتيجة التخلص من السلع سريعة التلف في متاجر التجزئة يتم إهدار 17% من إجمالي الأغذية الصالحة للاستخدام سنويًا، وينطبق ذلك على الفنادق التي سجلت أعلى نسبة إهدار للمياه أثناء غسيل الأواني وهو ما يجعلها شريكًا أساسيًا في زيادة الثروات الضائعة.

ما يحدث في السعودية ليس إلا صورة مكررة من جميع دول العالم، فأرقام البنك الدولي تؤكد أن هناك مليار وجبة يوميًا ألقيت في سلة المهملات 2025 بجانب 45% من المياه ضاعت نتيجة شبكات الإمداد التالفة وأساليب الري التقليدية والهدر السكاني وهذا بلغت تكلفته تريليون دولار وهو مبلغ كفيل بإنهاء مظاهر الجوع والفقر المائي عالميًا، أما أبرز المتسببين في ذلك فتتصدر الولايات المتحدة الأمريكية بأكثر من 20% من الهدر العالمي تليها الصين ثم دول الاتحاد الأوروبي الذين يساهمون بنسبة بلغت 15% وهو ما دفع دولة مثل فرنسا بإلزام المتاجر الكبرى بالتبرع بالفائض لمصلحة بنوك الطعام بينما اتجهت واشنطن وبكين إلى الاعتماد على تقنيات الذكاء الاصطناعي لإدارة شبكات المياه واستشعار التسربات فور حدوثها لإغلاق محابس الهدر.

برنامج وطني للحد من الفقد والهدر الغذائي

حلول المملكة كانت حاضرة أيضًا من خلال رؤية 2030 التي استهدفت تحويل تلك الثروات الضائعة من مقالب النفايات إلى خزينة الدولة، لذلك أطلقت في 2017 البرنامج الوطني للحد من الفقد والهدر الغذائي "لتدوم" والذي نجح عبر تطبيقاته الرقمية من الربط الفوري بين فائض طعام الفنادق والمطاعم وبين جمعيات حفظ النعمة ما أسهم في تحقيق وفر مالي بلغ مليارات الريالات سنويًا، وبالتوازي أقرت الدولة تشريعات قانونية حاسمة تضمنت نظام الشرائح التصاعدية لتعريفة استهلاك المياه لتحفيز المستهلكين على المراقبة الذاتية مع فرض غرامات مالية مشددة على هدر المياه مثل غسيل الأرصفة أو السيارات بالخراطيم التقليدية، إضافة إلى فحص ذكي لـ158 ألف خزان أرضي لمنع أي تسريب خاصة أن إنتاج المتر المكعب الواحد من هذه المياه المحلاة يكلف الدولة 5 ريالات قبل توجيهه للمستهلك بأسعار مدعومة.

لكن أهم الحلول التي جعلت التجربة السعودية مميزة هو الحل الذي ركّز على السلوك قبل التشريعات والقوانين الجافة ولذلك شددت رؤية 2030 في محاورها على بناء الوعي الاستدامي وباتت مفاهيم مثل كفاءة الإنفاق وحفظ النعم ركن أساسي في المناهج التعليمية والأنشطة الجامعية ليتحول الترشيد من مجرد نصائح عابرة إلى ثقافة في الأجيال الجديدة المفترض أن تحقق المستهدف الأكبر بخفض الهدر الغذائي والمائي بنسبة 50% بنهاية العقد الحالي.

ورغم الجهود الرسمية، لا تزال العادات المجتمعية كالكرم والإسراف في الولائم تشكل عقبة رئيسية. ويُتوقع أن تسهم برامج التوعية والتشريعات في تقليص الهدر بنسبة 50% بنهاية العقد الحالي، بشرط تغيير السلوك الاستهلاكي للأسر والقطاع التجاري. إن تحويل الهدر إلى ثقافة ترشيد هو التحدي الأكبر الذي تواجهه المملكة في هذا الملف.