«المعادن الحرجة» تقود قاطرة الشراكة المليارية بين الرياض وأوتاوا
تتجه الأنظار إلى قطاع التعدين والمعادن الحرجة بوصفه أول المستفيدين من الاتفاقيات السعودية - الكندية الأخيرة.
تتسلط الجغرافيا السياسية بثقلها من جديد على منطقة الشرق الأوسط؛ فبعد النزاع الذي أدى إلى إغلاق مضيق هرمز وشلل الملاحة في الخليج العربي، يواجه العراق - ثاني أكبر منتج للنفط في أوبك - اختباراً وجودياً لتأمين شرايين اقتصاده شبه الوحيدة.
تأتي هذه التطورات في سياق تحولات جيوسياسية أوسع تعيد تشكيل أمن الطاقة في المنطقة.
يصدّر العراق عادة نحو 3.4 مليون برميل من النفط يومياً، إلا إن إغلاق هرمز وضع نحو 95 في المائة من هذه الصادرات أمام طريق مسدودة، في ظل اعتماد البنية التحتية التصديرية للبلاد بشكل شبه كامل على هذا الممر البحري الحيوي، الأمر الذي كبّد الموازنة العراقية خسائر بمليارات الدولارات شهرياً.
وفي ظل هذا الواقع، تحولت مشاريع المنافذ البديلة للتصدير، التي ظل كثير منها عالقاً في مرحلة الدراسات لسنوات، إلى أولوية استراتيجية لبغداد، مع تسارع الجهود لإعادة صياغة خريطة صادرات النفط عبر ممرات برية وأنابيب تصل إلى البحرين الأحمر والمتوسط، مما يقلص الاعتماد التاريخي على مضيق هرمز. وزاد هذا التوجه زخماً خلال زيارة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى واشنطن التي انتهت يوم السبت، حيث تصدر ملف «أمن الطاقة وتنويع مسارات التصدير» أجندة محادثاته مع المسؤولين الأميركيين.
حقل نفط في منطقة الدبس على مشارف كركوك بالعراق (رويترز)
أسرع البدائل المتاحة
وبما أن إنشاء خطوط أنابيب عملاقة يستغرق سنوات، لجأت بغداد إلى الحل الأسرع القابل للتطبيق على الأرض: قوافل الشاحنات والصهاريج البرية. فمنذ أواخر أبريل 2026، بدأ العراق فتح ممرات برية لوجستية معقدة ومكلفة لتوجيه قوافل صهاريج النفط عبر معبري «الوليد» و«ربيعة - اليعربية» الحدوديين، متجهة مباشرة إلى ميناء بانياس السوري على المتوسط، حيث تشحن على سفن لا تتأثر بتوترات مضيق هرمز.
وقد تعاقدت «شركة تسويق النفط العراقية (سومو)» على نقل 650 ألف طن شهرياً من «زيت الوقود (الفيول)» عبر هذه الطريق الفورية خلال الفترة من أبريل إلى يونيو (حزيران) الماضيين. وتُظهر البيانات الميدانية الأخيرة أن صادرات بانياس من زيت الوقود العراقي بلغت 122 ألف برميل يومياً في مايو (أيار) الماضي، وقفزت إلى 140 ألف برميل يومياً في أوائل يونيو التالي له، مدفوعة بعبور مئات الشاحنات يومياً التي نقلت بالفعل ملايين البراميل.
وشجع نجاح هذا المسار الحكومة العراقية على توسيع استخدامه؛ إذ بدأت خطة لنقل 50 ألف برميل يومياً من النفط الخام عبر سوريا، إلى جانب تصدير مادة «النافتا»، فيما تعمل دمشق على زيادة الطاقة الاستيعابية لميناء بانياس إلى نحو 900 شاحنة صهريج يومياً لاستيعاب التدفقات المتنامية.
نائب رئيس مجلس إدارة شركة «شيفرون» مارك نيلسون خلال حضوره اجتماعاً مع مسؤولين حكوميين عراقيين بمقر الشركة الرئيسي في هيوستن بالولايات المتحدة (رويترز)
إعادة رسم خريطة الصادرات
ورغم أهمية هذه الحلول المؤقتة، فإنها لا تمثل سوى مرحلة انتقالية ضمن استراتيجية أوسع تهدف إلى تقليص اعتماد العراق على مضيق هرمز بصورة دائمة. فالمحور الرئيسي في هذه الاستراتيجية يتمثل في إنشاء شبكة من خطوط الأنابيب العابرة للحدود، تمنح بغداد منافذ تصدير متعددة وتحد من المخاطر الجيوسياسية التي كشفت عنها «أزمة هرمز».
وفي هذا السياق، اكتسب «مشروع أنبوب البصرة - العقبة» زخماً غير مسبوق، بعدما أسفرت المباحثات التي أجراها رئيس الوزراء العراقي، علي الزيدي، في واشنطن مع وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي، وبدعم أميركي، عن اتفاق على تسريع الإجراءات التنفيذية للمشروع.
ويعدّ المشروع، الذي تقدر تكلفته بنحو 18 مليار دولار، أحد أكبر مشروعات البنية التحتية النفطية في المنطقة؛ إذ يمتد لنحو 1600 كيلومتر من حقول البصرة جنوب العراق إلى ميناء العقبة الأردني على البحر الأحمر، مروراً بمنطقة الحديثة السعودية، وبطاقة تصميمية تصل إلى 2.25 مليون برميل يومياً.
وفي السياق نفسه، اكتسب مشروع إحياء «خط أنابيب كركوك - بانياس»، المتوقف منذ عام 1982، زخماً سياسياً جديداً عقب زيارة الزيدي واشنطن. فقد دعمت الولايات المتحدة إعادة إحياء المشروع بوصفه أحد المسارات الاستراتيجية لتنويع منافذ تصدير النفط العراقي نحو البحر المتوسط، ضمن رؤية أوسع لتعزيز الشراكة الاقتصادية مع بغداد وتقليص اعتمادها على الممرات البحرية المهددة.
ويستهدف المشروع إعادة تأهيل الخط بطاقة تصميمية تبلغ نحو 300 ألف برميل يومياً، بما يوفر منفذاً إضافياً للصادرات العراقية خارج مضيق هرمز، فيما رحبت وزارة الخارجية الأميركية بالاتفاق العراقي - السوري الخاص بالمشروع، وعدّته خطوة مهمة لتعزيز أمن الطاقة الإقليمي. كما رأى المبعوث الأميركي الخاص، توم برّاك، أن تطوير هذه الممرات من شأنه أن يجعل مضيق هرمز «مجرد فكرة ثانوية» بالنسبة إلى تدفقات النفط في المنطقة.
رجل يعمل على تفريغ النفط من شاحنات آتية من العراق بـ«محطة بانياس النفطية» في سوريا (رويترز)
استثمارات لترسيخ «ممرات ما بعد هرمز»
ولم تقتصر التحركات على التفاهمات السياسية، بل شهدت زيارة رئيس الوزراء العراقي توقيع حزمة واسعة من الاتفاقيات مع شركات أميركية، بلغت قيمتها الإجمالية نحو 60 مليار دولار، شملت قطاعات الطاقة والبنية التحتية والاتصالات والصحة، فيما استحوذ قطاع الطاقة على النصيب الأكبر، في إطار مساعي بغداد لتنويع منافذ تصدير النفط وتقليل اعتمادها على الخليج العربي.
وفي هذا السياق، وقعت شركة «شيفرون» 3 اتفاقيات مع الحكومة العراقية، ركزت اثنتان منها على تطوير حقول نفطية في جنوب العراق، بينما تناولت الثالثة دراسة إنشاء شبكة أنابيب جديدة تربط حقول الجنوب بمنطقة الحديثة، وصولاً إلى ساحل البحر المتوسط، بما يوفر منفذاً تصديرياً بديلاً بعيداً عن مضيق هرمز.
وخلال لقائه مسؤولي «شيفرون» في هيوستن، أكد الزيدي أن العراق يبحث عن «شراكات واستثمارات طويلة الأجل، لا مجرد مقاولين»، في إشارة إلى توجه الحكومة الجديدة لإنشاء بنية تحتية استراتيجية تعيد رسم خريطة صادرات النفط العراقية.
مصالح متبادلة
تتجاوز أبعاد هذه المشروعات الاحتياجات النفطية للعراق، لتتقاطع مع مصالح سياسية واقتصادية كبرى لجيرانه؛ فبالنسبة إلى سوريا، فإن عودة تدفق النفط العراقي تمنح البلاد إيرادات موثوقة ومستمرة من رسوم العبور، وتؤمن الخام للمصافي المحلية لمواجهة نقص الوقود الحاد، ليسهم ذلك في تغطية نفقات إعادة الإعمار. كما أن الدعم الأميركي لهذا الترابط يمهد لدمشق طريقاً أسرع للاندماج الاقتصادي الإقليمي.
أما الأردن، فيعزز المشروع من مكانته مرتكزاً أمنياً ولوجستياً مستقراً لخطوط الطاقة الدولية على البحر الأحمر (ميناء العقبة)؛ مما يضمن له إمدادات مستقرة وعوائد مالية تدعم استقراره الاقتصادي في ظل الأزمات المحيطة.
في المقابل، تنظر الولايات المتحدة إلى هذه المشروعات بوصفها جزءاً من استراتيجية أوسع لتعزيز الترابط الاقتصادي الإقليمي، وتنويع ممرات الطاقة، وتوسيع حضور الشركات الأميركية في قطاع الطاقة العراقي.
تحديات التنفيذ
ورغم الزخم السياسي الذي يحظى به هذا التوجه، فإن الطريق لا تزال محفوفة بالتحديات. فالممرات البرية المقترحة تمر عبر مناطق لا تزال تنشط فيها خلايا تنظيم «داعش»؛ مما يفرض متطلبات أمنية كبيرة لحماية البنية التحتية.
كما أن نقل النفط عبر البحر المتوسط يرفع تكلفة الشحن مقارنة بالمسارات التقليدية عبر الخليج، خصوصاً أن الأسواق الرئيسية للنفط العراقي تقع في آسيا، وفي مقدمتها الصين والهند؛ مما يعني زيادة زمن الرحلات البحرية بنحو 10 أيام مقارنة بمسار الخليج.
ومع ذلك، فإن صناع القرار في بغداد يرون أن تكلفة تنويع منافذ التصدير تبقى أقل بكثير من تكلفة الاعتماد على ممر واحد أثبتت التطورات الجيوسياسية أنه قد يتحول، في أي لحظة، نقطةَ اختناق تهدد الاقتصاد العراقي بأكمله.
ويُظهر هذا المسار أن الحلول المؤقتة قد تمنح العراق بعض الوقت، لكن بناء خطوط الأنابيب الدائمة هو وحده الكفيل بتأمين صادراته على المدى الطويل. وتكتسب جهود بغداد أهمية إضافية في ظل الدعم الأميركي، ما يعكس التقاطع بين أمن الطاقة والاستراتيجية الجيوسياسية في المنطقة.
المصدر الأصلي: الشرق الأوسط
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.