التغيير الأمريكي في كأس العالم يُعرّض كرة القدم لمعركة مصيرية
جوليان بريتو
قد لا يُحفَر كأس العالم 2026 في ذاكرة الجماهير بمنتخب الفائز، بل بالسؤال العالق حول مستقبل اللعبة: إلى أي حد سيبقى تأثير النموذج الأمريكي في كرة القدم بعد انتهاء البطولة في أمريكا الشمالية؟ من استراحات شرب الماء الإلزامية التي جزأت المباريات إلى أربعة أشواط، إلى خواتم البطولة والعرض الترفيهي بين الشوطين، اعتنق الفيفا بحماسة عناصر من الرياضة الأمريكية.
ويأتي هذا التوجه في ظل سعي الفيفا لزيادة الجاذبية التجارية للبطولة، مستفيداً من السوق الأمريكية الواسعة.
من المرجح أن تُذكر بعض هذه الابتكارات كسمات جديدة لبطولة تستضيفها أمريكا، بينما قد يكون من الصعب التخلص من البعض الآخر. فترات الراحة في منتصف الشوط، التي طُبقت طوال البطولة بغض النظر عن الظروف، أدخلها الفيفا لأسباب تتعلق برفاهية اللاعبين في بطولة أُقيمت في حرارة ورطوبة صيف أمريكا الشمالية. وبمجرد ترسيخها، خلقت أيضًا شيئًا لطالما قاومته كرة القدم: فترتا توقف مُجدولتان في منتصف كل شوط. بالنسبة للمدربين.
هذه الاستراحات تحولت إلى فرص تكتيكية للمدربين، كما وفرت للقنوات الناقلة لحظات إعلانية قد تدر عوائد تجارية ضخمة مستقبلاً. لكنها جعلت المباريات، لدى الجماهير المعتادة على إيقاع اللعبة المتدفق، تبدو وكأنها مقسمة إلى أربعة أشواط، مما يطرح سؤال الإرث الذي ستتركه هذه الابتكارات.
من المرجح أن تُناقش هذه الاستراحات في بطولات كأس العالم القادمة، لا سيما وأن سلامة اللاعبين تُقدم للفيفا مبررًا واضحًا للإبقاء عليها، ولأن الإمكانات التجارية للاستراحات الثابتة في منتصف الشوط ستكون صعبة التجاهل بالنسبة لصناع القرار في هذه الرياضة. مع ذلك، فإن أي محاولة لتطبيعها عالميًا ستواجه مقاومة، خاصة في أوروبا، حيث لا تزال حرية كرة القدم النسبية من التوقفات إحدى السمات التي يدافع عنها المشجعون بشراسة. وقد صرح الاتحاد الأوروبي لكرة القدم (يويفا) بأنه لن يتنازل عن قاعدته التي تنص على ألا تتجاوز فترات شرب الماء دقيقة واحدة.
لذلك، أصبحت البطولة بمنزلة اختبار لمدى استعداد الفيفا لإعادة تشكيل كرة القدم بما يتناسب مع السوق الذي تُمارس فيه. والجواب هو: إلى حد كبير. خطوط ضبابية: تسلّم المنتخب الإسباني الفائز خواتم البطولة، وهو تقليد مستورد مباشرة من الرياضة الأمريكية الشمالية، بينما شهدت المباراة النهائية عرضًا ترفيهيًا ضخمًا بين الشوطين، ما استدعى مقارنات واضحة مع مباراة السوبر بول، وأدى إلى استراحة استمرت 27 دقيقة، متجاوزةً بذلك فترة الاستراحة المقدسة التي تبلغ 15 دقيقة. لا يُغيّر أيٌّ من هذين الأمرين جوهر اللعبة.
لكنهما أسهما في ترسيخ شعور بأن الفيفا لم تعد مجرد منظمة لكأس العالم في الولايات المتحدة، بل تُكيّفها بشكل متزايد مع الثقافة الرياضية الأمريكية. كان في ذلك مفارقة، ففي جميع أنحاء البطولة، شهدت المدن الأمريكية الكثير مما لطالما ميّز كرة القدم العالمية: دعم جماهيري هائل، وأعلام تملأ مراكز المدن، وهتافات المشجعين لساعات قبل المباريات وبعدها، ومنتخبات وطنية تحمل هوية يصعب على أي نموذج امتياز تجاري محاكاتها.
بدا أن الولايات المتحدة تستوعب ثقافة كرة القدم. وفي الوقت نفسه، بدا أن الفيفا عازمة على استيعاب ثقافة الترفيه الرياضي الأمريكي ونشرها بين الجماهير في جميع أنحاء العالم. كانت البطولة ذات طابع سياسي لا مفر منه، حيث أصبحت علاقة رئيس الفيفا، جياني إنفانتينو، الوثيقة بالرئيس الأمريكي دونالد ترمب، أحد أبرز سماتها خارج الملعب.
ويرى النقاد أن قرب إنفانتينو من ترمب تجاوز في كثير من الأحيان المجاملات الدبلوماسية المعتادة بين رئيس هيئة رياضية عالمية وزعيم الدولة المضيفة. وقد سلط الجدل الدائر حول قضية فولارين بالوغون التأديبية الضوء بشكل خاص على هذه المخاوف، لا سيما بعد أن أشاد ترامب علنًا بتعامل الفيفا مع القضية عقب تدخله
وأكد الفيفا أن هيئاته القضائية تصرفت باستقلالية تامة، إلا أن هذه الحادثة عززت لدى البعض انطباعًا بأن الخط الفاصل بين إدارة كرة القدم والتأثير السياسي قد أصبح ضبابيًا بشكل مثير للقلق نقاشات التحكيم أضافت نقاشات التحكيم التي لا مفر منها في البطولة بُعدًا آخر من القلق. فقد طُلب من الحكام تطبيق قواعد وتفسيرات جديدة للعبة، مع إدارة الضغوط المألوفة المتعلقة بالاتساق وحماية اللاعبين والتأثير المتزايد للتكنولوجيا. أضافت نقاشات التحكيم التي لا مفر منها في البطولة بُعدًا آخر من القلق.
فقد طُلب من الحكام تطبيق قواعد اللعبة في ظل قواعد وتفسيرات جديدة، مع إدارة الضغوط المألوفة المتعلقة بالاتساق وحماية اللاعبين والتأثير المتزايد للتكنولوجيا. كانت النتيجة كأس عالمٍ تجاوز فيه النقاش في كثير من الأحيان مجرد صواب أو خطأ قرارٍ ما، ليتجه نحو أمرٍ أكثر جوهرية:
هل أصبحت قوانين اللعبة معقدةً للغاية بحيث يصعب على اللاعبين والمدربين والمشجعين فهمها في الوقت الفعلي؟ كان من المفترض أن تُضفي التفسيرات الجديدة مزيدًا من الوضوح والاتساق، لكن البطولة أظهرت مرارًا وتكرارًا مدى صعوبة تحقيق كليهما.
قي نظام حكم الفيديو المساعد (VAR) محوريًا في القرارات الرئيسية، لكن التكنولوجيا لم تُسهم كثيرًا في القضاء على الجدل. في بعض الأحيان، لم تفعل سوى تحويل مسار النقاش من الحكم.
تأثرت قرارات الحكام بتفسير الصور البطيئة والمصطلحات الفنية. وتفاقم هذا الوضع بسبب جو من الشكوك حول التحكيم، مع انتشار نظريات المؤامرة على وسائل التواصل الاجتماعي، وعجز الحكام في كثير من الأحيان عن الرد. نفى رئيس لجنة التحكيم في الفيفا، بييرلويجي كولينا، مزاعم التحيز، مؤكدًا أن مسؤولي المباريات عملوا باستقلالية تامة.
على أرض الملعب، أسفر النظام الموسع الذي يضم 48 فريقًا عن نتائج متباينة. فقد شهدنا المزيد من مباريات كرة القدم، ومشاركة المزيد من الدول، وفرصًا أكبر لمنتخبات لم تكن مُدرجة سابقًا في أكبر حدث رياضي. أضفى توسيع مرحلة خروج المغلوب مزيدًا من الإثارة على دور المجموعات، لكن العدد الهائل للمباريات (104 مباريات) جعل هذه النسخة من كأس العالم تبدو أقرب إلى موسم رياضي ضخم مُكثف في غضون أسابيع قليلة، بدلًا من كونها مهرجانًا مُركزًا.
تناسب هذا الحجم مع طموحات الفيفا التجارية وجغرافية الدول المُضيفة، لكن مدى تحسينه للمنتج الرياضي يبقى محل نقاش. مع ذلك، قدمت البطولة ما تقدمه بطولات كأس العالم دائمًا: أبطال جدد، وخيبات أمل، ولحظات مؤثرة وسط الضجيج المُحيط بالحدث. لكنّ إرثها الأبقى قد لا يكون مباراةً أو بطلاً، بل سابقةً أرستها. وسيُختبر ذلك حقاً في 2030.
رئيس التحرير، في وكالة رويترز
لكن هذه التغييرات تواجه مقاومة متوقعة، خاصة في أوروبا حيث يرى المشجعون أن سلاسة اللعبة جزء من جوهرها. كما أن العلاقة الوثيقة بين رئيس الفيفا والرئيس الأمريكي السابق أضافت بُعداً سياسياً مثيراً للجدل. ويبقى السؤال: هل ستتمكن كرة القدم من الحفاظ على هويتها في وجه هذا التدفق الأمريكي؟
المصدر الأصلي: الاقتصادية
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.