حين خلق الله الإنسان، لم يجعله نسخة مكررة من غيره، بل قسّم القدرات، ومنح كل فرد نصيبًا يميزه عن سواه، فمن الناس من يمتلك عقلًا تحليليًا، ومنهم من يبرع في القيادة، ومنهم من يتميز بحس فني، أو قدرة على الابتكار، أو سرعة في التعلم، أو موهبة في حل المشكلات، لتتكامل هذه الفروق، ويغتني بها المجتمع.

أخبار متعلقة

وتتخذ هذه القدرات صورًا متعددة؛ فمنها ما هو ظاهر، يقوم على المعرفة والتخصص والخبرة، ويتطلب جهدًا عقليًا أو جسديًا لاكتسابه وإتقانه، ومنها ما يُعرف بالمهارات الناعمة، وهي ليست مهارات تُقاس بالشهادات أو تُختزل في السيرة الذاتية، بل خصال تنبع من مكنون الإنسان، وتنعكس في أسلوب حديثه، وطريقة تعامله، وقدرته على الإنصات، والتواصل، والإقناع، والقيادة، والذكاء الاجتماعي، والذكاء العاطفي، والتعامل مع المواقف المختلفة.
ولعل هذه المهارات هي جوهر الإنسان الحقيقي؛ فهي العملة التي تميز شخصًا عن آخر، رغم تشابه المؤهلات والخبرات، فكم من أشخاص يمتلكون المعرفة ذاتها، لكن أثرهم في الناس يختلف؛ لأن الفارق لم يكن فيما يحملونه من علم، بل فيما يحملونه من صفات وقيم ومهارات.
ولعل أكثر ما رسخ لدي هذه القناعة هو ما أراه من خلال عملي واحتكاكي بالعديد من النماذج المميزة. فكثيرًا ما أقف أمام أشخاص يمتلكون قدرات علمية أو فنية لافتة، ويملكون من الموهبة ما يؤهلهم للتميز، إلا أنهم لا يزالون بحاجة إلى تنمية بعض المهارات الناعمة؛ كالتواصل الفعال، والإقناع، والقيادة، والقدرة على عرض الأفكار والتأثير في الآخرين. وفي المقابل، نجد أشخاصًا قد تكون قدراتهم الفنية أو المعرفية أكثر تواضعًا، لكنهم استطاعوا أن يحققوا نجاحًا ملحوظًا؛ لأنهم أحسنوا توظيف مهاراتهم في التعامل مع الآخرين، وبناء العلاقات، واستثمار الفرص.
وليس المقصود من ذلك المفاضلة بين المهارات الصلبة والمهارات الناعمة، فلكلٍ منهما قيمته وأثره، وإنما الحقيقة أن إحداهما تكمل الأخرى؛ فالمعرفة تمنح الإنسان الكفاءة، بينما تمنحه المهارات الناعمة القدرة على إيصال هذه الكفاءة، وتحويلها إلى أثر يلمسه الآخرون.
ومن هنا تأتي أهمية أن يكتشف كل واحد منا جوانب قوته، وأن يعمل على صقلها وتنميتها، فلا يكتفي بما يمتلكه من معرفة أو موهبة، بل يسعى إلى بناء شخصية متكاملة، فكثير منا لا يدرك أن هذه المهارات قد تكون سببًا في الحصول على فرصة، أو قيادة مشروع، أو خوض تجربة جديدة، أو حتى الفوز بوظيفة. إنها مهارات تُقرأ في الشخصية، وتترك انطباعًا يصنع الفارق.
وفي البيئة الجامعية على وجه الخصوص، تبدو هذه المهارات أكثر أهمية؛ فالجامعة ليست مكانًا لاكتساب المعرفة الأكاديمية فحسب، بل هي البيئة التي تتشكل فيها الشخصية، وتُصقل فيها المهارات، وتُبنى فيها الثقة بالنفس. ولذلك، فإن مشاركة الطالب في الأنشطة، وعمله ضمن الفرق، وممارسته للحوار، وتحمله للمسؤولية، كلها تجارب تصنع منه شخصية أكثر نضجًا واستعدادًا لسوق العمل.
ولعل أجمل ما في المهارات الناعمة أنها ليست صفات جامدة يولد بها الإنسان ثم تبقى كما هي، بل هي مهارات قابلة للتعلم والتحسين والممارسة. ومع أيام الإجازة، تتجدد أمامنا فرصة ثمينة لتنمية هذا الجوهر، فمن الحكمة أن نستثمر جزءًا من أوقاتنا في حضور الدورات المتخصصة، وخوض تجارب جديدة تكشف لنا جوانب لم نكن نعرفها عن أنفسنا، والمشاركة في الأعمال التطوعية والمبادرات المجتمعية؛ فكل تجربة نخوضها، وكل مسؤولية نتحملها، وكل موقف نتعلم منه، يسهم في صقل شخصياتنا، ويجعل تلك المهارات أكثر حضورًا وتأثيرًا.
وحين يجتمع ما وهبنا الله إياه مع ما نصنعه بأيدينا، تتشكل الشخصية التي تترك أثرًا، ويبرز الجوهر الذي لا يُقاس بما نعرفه فحسب، بل بما نصنعه من أثر في حياة الآخرين.
@syalaboud