لم يعد الوصول إلى نادي المليارديرات حكراً على تأسيس الشركات أو توارث الثروات. ففي وادي السيليكون، برزت على مدى العقود الأخيرة شركات أصبحت بمثابة "مدارس لتخريج المليارديرات"، إذ انطلقت من مكاتبها مسيرة موظفين ومؤسسين أسسوا لاحقاً إمبراطوريات أعمال قيمتها مئات المليارات.

وتكشف هذه الأنماط عن تحول عميق في بنية الاقتصاد الرقمي، حيث أصبحت بعض الشركات بمثابة منصات لتوليد المليارديرات المتسلسلين.

وفي الوقت الذي ظلت فيه "باي بال" تحمل لقب "أكبر مصنع للمليارديرات" لسنوات، شرعت شركات الذكاء الاصطناعي الوليدة في محاكاة التجربة بسرعة أكبر، مما يطرح تساؤلات عن الجيل المقبل من عمالقة الثروة.

"باي بال" الشركة التي أنجبت جيلاً كاملاً من المليارديرات

عندما استحوذت "eBay" على "PayPal" عام 2002، بدا الأمر وكأنه نهاية قصة نجاح شركة ناشئة في قطاع المدفوعات الإلكترونية، لكن ما حدث لاحقاً كان مختلفاً تماماً.

فقد خرج من الشركة عدد استثنائي من رواد الأعمال والمستثمرين الذين أعادوا رسم خريطة التكنولوجيا العالمية، لدرجة أن الإعلام الأميركي أطلق عليهم اسم "مافيا باي بال". ومن بين هؤلاء إيلون ماسك مؤسس "سبيس إكس" ومالك "تسلا"، وبيتر ثيل مؤسس "Palantir" وأحد أوائل المستثمرين في فيسبوك، وريد هوفمان مؤسس "LinkedIn"، وماكس ليفشين مؤسس "Affirm"، وستيف تشين وتشاد هيرلي وجاويد كريم الذين شاركوا في تأسيس "YouTube"، إضافة إلى ديفيد ساكس وجيريمي ستوبلمان وعدد من كبار المستثمرين في وادي السيليكون.

ولم تقتصر أهمية هذه المجموعة على ثرواتها الشخصية، بل امتدت إلى تأسيس وتمويل شركات مثل "تسلا" و"سبيس إكس" و"YouTube" و"LinkedIn" و"Palantir" و"Yelp"، ما جعل "باي بال" النموذج الأشهر عالمياً للشركة القادرة على تخريج المليارديرات بشكل متكرر.

"غوغل".. من محرك بحث إلى حاضنة للثروة

حلت "غوغل" في المرتبة الثانية وفق قائمة "العربية Business" لأكثر الشركات تأثيراً في إنتاج المليارديرات، ليس فقط لثروة مؤسسيها لاري بايج وسيرغي برين الهائلة، بل وأيضاً لشبكة واسعة من المدراء والمهندسين الذين تركوا الشركة ليؤسسوا مشاريع بمليارات الدولارات.

ومن أبرز الأسماء المرتبطة بتاريخ الشركة إريك شميدت، وسوزان وجسيكي، ومؤسسو تطبيق "إنستغرام" كيفن سيستروم ومايك كريغر، إضافة إلى عدد كبير من المستثمرين ورواد الأعمال الذين انطلقت مسيرتهم المهنية من مكاتب "غوغل" قبل تأسيس شركاتهم الخاصة.

ومع تجاوز القيمة السوقية لألفابت عدة تريليونات من الدولارات، تحولت الشركة إلى واحدة من أكبر مولدات الثروة في التاريخ الحديث.

"ميتا".. مليارديرات الشبكات الاجتماعية

لم تكن "فيسبوك"، التي أصبحت لاحقاً "ميتا"، مجرد منصة تواصل اجتماعي، بل كانت أيضاً منصة لإنتاج أصحاب المليارات.

فإلى جانب مارك زوكربيرغ، خرج من الشركة داستن موسكوفيتز الذي أسس "Asana"، وإدواردو سافرين، وشون باركر، إضافة إلى جان كوم وبرايان أكتون اللذين أسسا "WhatsApp" قبل بيعه إلى فيسبوك في صفقة تاريخية.

كما ساهمت الشركة في تكوين ثروات كبيرة لعدد من التنفيذيين والمستثمرين الأوائل، بحسب مجلة "فوربس". حيث أصبح تأثير "ميتا" واضحاً في ظهور جيل جديد من المليارديرات المرتبطين باقتصاد التطبيقات والإعلانات الرقمية والذكاء الاصطناعي.

مايكروسوفت.. المدرسة الكلاسيكية للمليارديرات

قبل ظهور "باي بال" و"غوغل" بسنوات طويلة، كانت "مايكروسوفت" تقدم نموذجاً مختلفاً لصناعة الثروات.

فالشركة التي أسسها بيل غيتس وبول ألين أنتجت عبر برامج الحوافز والأسهم عدداً كبيراً من أصحاب المليارات، من بينهم ستيف بالمر وتشارلز سيموني وجون شيرلي وناثان ميرفولد وغيرهم من المديرين التنفيذيين الذين تحولت حصصهم في الشركة إلى ثروات هائلة مع صعود مايكروسوفت إلى قمة صناعة البرمجيات العالمية.

ولا تزال الشركة حتى اليوم واحدة من أكبر مولدات الثروة في قطاع التكنولوجيا العالمي.

"أنثروبيك".. أسرع مصنع للمليارديرات في عصر الذكاء الاصطناعي

إذا كانت "باي بال" قد احتاجت سنوات طويلة لبناء "مافيا المليارديرات" الخاصة بها، فإن شركة الذكاء الاصطناعي "أنثروبيك" حققت إنجازاً مشابهاً خلال فترة زمنية أقصر بكثير.

فبحسب تقارير مرتبطة بمؤشر بلومبرغ للمليارديرات، دخل مؤسسو الشركة السبعة دفعة واحدة تقريباً إلى نادي أصحاب المليارات بعد القفزة الكبيرة في تقييم الشركة، ومن بينهم داريو أمودي ودانييلا أمودي وجاك كلارك وتوم براون وجاريد كابلان وسام ماكاندليش وكريستوفر أولاه. ووصفت هذه الخطوة بأنها أكبر إضافة جماعية لمليارديرات جدد من شركة واحدة في تاريخ المؤشر.

ويعكس ذلك حجم الأموال المتدفقة إلى قطاع الذكاء الاصطناعي، الذي بات يمثل أسرع طريق لتكوين الثروات في العالم التقني حالياً.

من "مافيا باي بال" إلى "كهوف الذكاء الاصطناعي"

تكشف التجارب السابقة أن الشركات الأكثر نجاحاً ليست بالضرورة تلك التي تحقق أعلى الإيرادات، بل تلك القادرة على خلق بيئة تخرج جيلاً جديداً من المؤسسين والمستثمرين.

فبينما رسخت "PayPal" مكانتها كأشهر مصنع للمليارديرات في التاريخ الحديث، تبدو شركات الذكاء الاصطناعي مثل Anthropic مرشحة لتكرار التجربة بوتيرة غير مسبوقة، في وقت تتدفق فيه مئات المليارات من الدولارات نحو القطاع.

وبين "مافيا باي بال" و"كهوف الذكاء الاصطناعي"، تستمر رحلة وادي السيليكون في إنتاج أثرياء جدد قد يقودون الشركات العملاقة للجيل القادم.

مادة إعلانية

مادة إعلانية

وهذا الاتصال الوثيق بين شركات التكنولوجيا الكبرى وحاضنات الثروة يثير تساؤلات حول مستقبل المنافسة والابتكار. كما يبرز أهمية الاستثمار المبكر في المواهب والشبكات المهنية، وهو ما قد يعيد تشكيل خريطة الثروة العالمية في العقد المقبل.