حققت كبرى بنوك وول ستريت نتائج قياسية في الربع الثاني، بفضل طفرة في عمليات الاندماج والاستحواذ، وانتعاش الاكتتابات العامة، وارتفاع التداول وسط تقلبات الأسواق. وأظهرت أرباح «جيه بي مورغان تشيس» و«ويلز فارغو» و«بنك أوف أميركا» و«غولدمان ساكس» كيف يستفيد القطاع المصرفي الأميركي من عدم الاستقرار الجيوسياسي وتذبذب أسعار الأصول لتعزيز الإيرادات والأرباح.

تأتي هذه النتائج في وقت يشهد فيه الاقتصاد الأميركي نمواً متسارعاً وسط تباين في توقعات أسعار الفائدة.

«جي بي مورغان» يعزز أرباحه بدعم من طفرة الصفقات

أعلن «جي بي مورغان تشيس» الثلاثاء عن ارتفاع أرباحه في الربع الثاني، بفضل ازدهار الخدمات المصرفية الاستثمارية الناتج عن الطفرة في الصفقات الكبيرة، واستفادة وحدات التداول من تقلبات الأسواق المالية.

وحقق أكبر بنك في الولايات المتحدة أرباحاً بلغت 21.2 مليار دولار، أو 7.70 دولار للسهم، خلال الأشهر الثلاثة المنتهية في 30 يونيو (حزيران)، مقارنة بـ14.99 مليار دولار، أو 5.24 دولار للسهم، خلال الفترة نفسها من العام الماضي، وفق «رويترز».

لافتة تحمل شعار «جي بي مورغان تشيس» أمام مقر البنك في مانهاتن بنيويورك (رويترز)
لافتة تحمل شعار «جي بي مورغان تشيس» أمام مقر البنك في مانهاتن بنيويورك (رويترز)

ووفقاً لبيانات شركة «ديلوجيك»، تجاوزت قيمة عمليات الاندماج والاستحواذ العالمية المعلنة منذ بداية العام 3 تريليونات دولار، ما عزز أحد أهم مصادر الإيرادات القائمة على الرسوم لدى البنوك الكبرى، والمتمثل في تقديم الاستشارات بشأن الصفقات.

ورغم أن التقلبات الناجمة عن التوتر مع إيران والمخاوف من تأثير الذكاء الاصطناعي على شركات البرمجيات التقليدية أثرت مؤقتاً على معنويات المستثمرين وأبطأت الصفقات، إلا أن شهية الاستثمار عادت بسرعة إلى الأسواق.

وقال جيمي ديمون، الرئيس التنفيذي لـ«جيه بي مورغان»، في بيان: «أظهر الاقتصاد الأميركي مرونة ملحوظة هذا العام، مع زيادة واضحة في استثمارات الشركات والتوظيف».

وأضاف أن هذه القوة تدعمها مجموعة من العوامل الإيجابية، من بينها الاستثمارات الرأسمالية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، والحوافز المالية، ومزايا التنظيم الأكثر كفاءة. وارتفعت أسهم البنك بنسبة 1 في المائة في تداولات ما قبل افتتاح السوق عقب إعلان النتائج.

وحافظ «جيه بي مورغان» على صدارته في تصنيفات الخدمات المصرفية الاستثمارية العالمية، محققاً أعلى إيرادات في هذا القطاع، وفقاً لبيانات «ديلوجيك».

وفي الوقت نفسه، شهدت سوق الاكتتابات العامة الأولية في الولايات المتحدة انتعاشاً واسعاً بعد سنوات من الركود، بقيادة شركة «سبايس إكس» التابعة لإيلون ماسك، التي تجاوزت قيمة طرحها الأولي تريليوني دولار، لتسجل أكبر اكتتاب عام في التاريخ؛ حيث شارك «جيه بي مورغان» في إدارة العملية.

كما أتاح تحسن ظروف السوق لشركات الأسهم الخاصة ورأس المال المخاطر فرصاً أكبر للتخارج من استثماراتها، سواء عبر بيع الشركات أو إدراجها في الأسواق المالية. وارتفعت رسوم الخدمات المصرفية الاستثمارية لدى «جيه بي مورغان» بنسبة 30 في المائة خلال الربع الثاني مقارنة بالعام السابق، متجاوزة بذلك التقديرات السابقة للبنك.

وشارك البنك في عدد من الصفقات الكبرى خلال الربع، من بينها دوره كمستشار مشارك في صفقة اندماج «نيكست إيرا إنرجي» مع «دومينيون إنرجي» بقيمة 67 مليار دولار، إضافة إلى دوره كمدير رئيسي للاكتتاب في طرح أسهم شركة «ألفابت» بقيمة 85 مليار دولار.

وارتفعت إيرادات تداول الأسهم لدى «جي بي مورغان» بنسبة 86 في المائة، بينما زادت إيرادات تداول أدوات الدخل الثابت بنسبة 6 في المائة. وجاء انتعاش الخدمات المصرفية الاستثمارية بالتزامن مع ارتفاع تقلبات السوق، ما منح بنوك «وول ستريت» دفعة مزدوجة؛ إذ عزز نشاط إبرام الصفقات وإصدارات الأسهم الإيرادات القائمة على الرسوم، في حين ساهم نشاط العملاء في الأسواق في رفع عوائد التداول.

«ويلز فارغو» يستفيد من قوة التداول ونمو القروض

من جانبه، أعلن بنك «ويلز فارغو» ارتفاع أرباحه بنسبة 17 في المائة خلال الربع الثاني، مدفوعاً بتقلبات الأسواق التي حافظت على نشاط مكاتب التداول، إلى جانب النمو القوي في القروض الذي دعم دخل الفوائد.

وقال البنك -وهو رابع أكبر بنك مقرض في الولايات المتحدة- إن صافي دخله بلغ 6.41 مليار دولار، أو دولارين للسهم، خلال الأشهر الثلاثة المنتهية في 30 يونيو، مقارنة بـ5.49 مليار دولار، أو 1.60 دولار للسهم، خلال الفترة نفسها من العام الماضي.

مشهد للمقر الرئيسي لبنك «ويلز فارغو» في مدينة سان فرانسيسكو بكاليفورنيا (أ.ف.ب)
مشهد للمقر الرئيسي لبنك «ويلز فارغو» في مدينة سان فرانسيسكو بكاليفورنيا (أ.ف.ب)

وقال الرئيس التنفيذي للبنك، تشارلي شارف، إن الإنفاق الاستهلاكي يشهد تحسناً، بينما تراجعت حالات الشطب والتأخر في السداد، كما واصلت المدخرات والاستثمارات النمو في مختلف قطاعات المستهلكين. وأضاف أن الشركات لا تزال تتعامل بحذر، ولكن الميزانيات العمومية والتدفقات النقدية ما زالت قوية، ما ينعكس في أداء ائتماني متين.

وارتفعت أسهم «ويلز فارغو»، الذي يقع مقره في سان فرانسيسكو بولاية كاليفورنيا، بنسبة 1.4 في المائة في تداولات ما قبل افتتاح السوق، بعدما كان السهم قد تراجع بنحو 6 في المائة منذ بداية العام حتى إغلاق الجلسة السابقة، متخلفاً عن أداء منافسيه.

وكان رفع سقف الأصول المفروض على البنك عند 1.95 تريليون دولار العام الماضي قد خفف القيود التنظيمية، ما أتاح له تسريع خطط النمو التي يقودها الرئيس التنفيذي تشارلي شارف. ومنذ ذلك الحين، ركز البنك على توسيع أعمال بطاقات الائتمان وخدمات السيارات، إلى جانب استقطاب مصرفيين من بنوك منافسة لتعزيز قطاع الخدمات المصرفية التجارية.

كما واصلت البنوك الأميركية الاستفادة من إعادة استثمار السيولة الناتجة عن استحقاق أصول منخفضة العائد في محافظ استثمارية طويلة الأجل ذات عوائد أعلى. وارتفع صافي دخل الفوائد لدى «ويلز فارغو»، وهو الفرق بين ما يحصل عليه البنك من القروض وما يدفعه على الودائع، بنسبة 5 في المائة إلى 12.32 مليار دولار، خلال الربع الثاني مقارنة بالعام الماضي.

كذلك ارتفع متوسط القروض بنسبة 12 في المائة على أساس سنوي، في حين كان البنك يتوقع تحقيق زيادة في صافي دخل الفوائد خلال الفترة.

وشهد نشاط التداول نمواً ملحوظاً، مع زيادة استثمارات البنك في قطاع الأسواق المالية الذي كان مقيداً خلال فترة خضوعه لسقف الأصول. وقفزت إيرادات الأسواق المالية، التي تشمل أنشطة التداول، بنسبة 24 في المائة إلى 2.21 مليار دولار خلال الربع الثاني.

وقال شارف: «لا تزال هناك مخاوف بشأن القدرة على تحمل التكاليف والتضخم، ولكن سوق العمل ونمو الأجور لا يزالان قويين. وندرك أن هذه الظروف المواتية لن تستمر إلى الأبد، لذلك نختار بعناية حجم النمو ومجالاته».

«بنك أوف أميركا» يعزز أرباحه من نشاط التداول

وفي السياق نفسه، أعلن «بنك أوف أميركا» ارتفاع أرباحه في الربع الثاني، مدفوعاً بقوة نشاط التداول، بعدما دفعت تقلبات الأسواق العالمية العملاء إلى إعادة ترتيب محافظهم الاستثمارية. وأدى استمرار التوترات إلى حالة من عدم اليقين بشأن إمدادات النفط الخام العالمية، ما تسبب في ارتفاع حاد بأسعار النفط، وانعكس سلباً على قطاع الطاقة ضمن مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» خلال الربع الثاني.

كما أثَّرت تغيرات توقعات أسعار الفائدة واستمرار التضخم المرتفع على أداء مؤشرات الأسهم الرئيسية، رغم حفاظها على مكاسب قوية في المجمل. ودفعت حالة عدم اليقين المستثمرين إلى مراجعة مراكزهم الاستثمارية وإعادة توزيع محافظهم، بحثاً عن أفضل العوائد الممكنة. وتستفيد البنوك الاستثمارية الكبرى عادة من بيئات الأسواق المتقلبة؛ إذ تحقق مكاتب التداول التابعة لها إيرادات أعلى نتيجة زيادة نشاط العملاء.

شعار «بنك أوف أميركا» في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)
شعار «بنك أوف أميركا» في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)

وبلغت إيرادات المبيعات والتداول لدى «بنك أوف أميركا» 7.1 مليار دولار خلال الربع الثاني، مقارنة بـ5.3 مليار دولار في الفترة نفسها من العام الماضي، متجاوزة التوقعات التي أشارت إلى نمو بنسبة 15 في المائة. وأعلن البنك تحقيق صافي دخل قدره 9.1 مليار دولار، أو 1.21 دولار للسهم، خلال الأشهر الثلاثة المنتهية في 30 يونيو، مقارنة بـ7.2 مليار دولار، أو 90 سنتاً للسهم، خلال الفترة نفسها من العام الماضي.

قفزة في أرباح «غولدمان ساكس»

حقق بنك «غولدمان ساكس» أرباحاً قوية خلال الربع الثاني من العام، مدعوماً بتسارع وتيرة إبرام الصفقات الكبرى وارتفاع نشاط التداول، في ظل تقلبات الأسواق الناجمة عن الحرب في الشرق الأوسط، ما دفع أداء قسم الأسهم إلى مستويات قياسية.

شعار بنك «غولدمان ساكس» في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)
شعار بنك «غولدمان ساكس» في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)

وساهمت المخاوف المرتبطة بالتضخم، وارتفاع أسعار النفط، والغموض المحيط بمسار أسعار الفائدة في الولايات المتحدة، في دفع المستثمرين إلى إعادة تقييم محافظهم الاستثمارية، الأمر الذي انعكس على زيادة نشاط التداول وارتفاع إيرادات البنك، ولا سيما في قطاع الأسهم.

كما استفاد البنك من الطرح العام الأولي المرتقب لشركة «سبايس إكس» في نهاية الربع، والذي أتاح للمستثمرين فرصة تداول أسهم شركة حظيت باهتمام واسع، في وقت شارك فيه «غولدمان ساكس» ضمن كبار متعهدي الاكتتاب.

وسجَّل قسم الأسهم في البنك إيرادات بلغت 7.42 مليار دولار خلال الربع الثاني، بزيادة قدرها 72 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، بينما ارتفعت إيرادات قسم الدخل الثابت والعملات والسلع بنسبة 32 في المائة إلى 4.59 مليار دولار.

وقال الرئيس التنفيذي لـ«غولدمان ساكس» ديفيد سولومون في بيان: «تسارع النمو في جميع قطاعات أعمالنا، ويتجه العملاء إلينا لإدارة معاملاتهم الأكثر استراتيجية وتأثيراً، والتي غالباً ما تشكِّل نقطة انطلاق للنشاط عبر المجموعة».

وبلغ صافي أرباح البنك 6.63 مليار دولار، أو 20.98 دولار للسهم، خلال الأشهر الثلاثة المنتهية في 30 يونيو، مقارنة بـ3.72 مليار دولار، أو 10.91 دولار للسهم، في الفترة نفسها من العام الماضي.

وقد تمنح هذه النتائج دعماً إضافياً لسهم «غولدمان ساكس»، الذي تفوَّق أداؤه على مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» منذ بداية العام، رغم أنها أثارت تساؤلات حول مدى قدرة السهم على مواصلة الصعود بعد المكاسب القوية المسجلة.

واستفاد قطاع الخدمات المصرفية الاستثمارية في البنك من انتعاش كبير في عمليات الاندماج والاستحواذ؛ خصوصاً الصفقات الضخمة التي تتجاوز قيمتها 10 مليارات دولار، والتي ساهمت في رفع إجمالي قيمة الصفقات العالمية إلى مستويات قياسية خلال النصف الأول من عام 2026، وفق بيانات مجموعة بورصة لندن.

وارتفعت رسوم الخدمات المصرفية الاستثمارية لدى البنك بنسبة 55 في المائة لتصل إلى 3.40 مليار دولار خلال الربع، مدفوعة بزيادة عمليات إصدار الأسهم والسندات، إلى جانب تحسن نشاط الاستشارات.

وكان رئيس «غولدمان ساكس» جون والدرون، قد أشار في مايو (أيار) الماضي إلى أن حجم عمليات الاندماج والاستحواذ قد يقترب من المستويات القياسية المسجلة عام 2021. وقدم البنك استشارات في صفقات معلنة تتجاوز قيمتها تريليون دولار خلال النصف الأول من العام، في وتيرة قياسية لأي بنك استثماري.

كما واصل قطاع إدارة الأصول والثروات في البنك أداءه القوي؛ إذ ارتفعت إيراداته بنسبة 20 في المائة إلى 4.60 مليار دولار خلال الربع الثاني. كذلك تمكن صندوق الائتمان الخاص التابع للبنك من تجنب الضغوط التي واجهتها بعض شركات الائتمان الخاصة، في ظل مخاوف المستثمرين من تأثير الذكاء الاصطناعي على نماذج أعمال شركات البرمجيات المدرجة ضمن محافظهم الاستثمارية.

تعكس هذه الأرباح القياسية مرونة القطاع المصرفي الأميركي وقدرته على التكيف مع التغيرات الجيوسياسية والاقتصادية. ومع استمرار التضخم وعدم اليقين بشأن مسار الفائدة، قد تشهد الأشهر المقبلة مزيداً من التقلبات. لكن طفرة الصفقات والاكتتابات تعزز توقعات استمرار الأداء القوي للبنوك الكبرى.