البصمة الوراثية لمجلس الإدارة
بقلم د. بكر عبداللطيف الهبوب
يتناول المقال فكرة 'البصمة الوراثية' لمجالس الإدارة، وكيف تؤثر تركيبة الأعضاء على جودة القرارات.
قد يجلس أعضاء مجلس إدارة حول الطاولة نفسها، ويستمعون إلى العرض نفسه، ويطالعون الأرقام ذاتها، ثم يخرج كل واحدٍ منهم بانطباع مختلف تمامًا. ليس لأنَّ بعضهم يفهم والآخر لا يفهم، بل لأن كلاً منهم يرى القضية من زاويةٍ مختلفةٍ، ويزنها بمقياس مختلف، ويصل إليها من طريق ذهني مختلف. ومن هنا تبدأ البصمة الوراثية للمجلس «DNA» في التشكل؛ فهو لا يستمد قيمته من عدد الأسماء التي يضمها، بل من الطريقة التي تتفاعل بها تلك العقول عندما يحين وقت اتخاذ القرار.
كثيرون يقيسون جودةَ المجلس بحجم الخبرات، أو بتنوع التخصصات، أو بعدد المستقلين. وهذه معاييرٌ مهمةٌ بلا شك، لكنها لا تكفي وحدها لتفسير لماذا تنجح بعض المجالس في اتخاذ قرارات متوازنة وجريئة، بينما تتعثر مجالس أخرى تضم خبرات أكبر وسمعة أوسع. السر ليس في ما يعرفه الأعضاء فقط، بل في الطريقة التي يعالجون بها المعرفة، وفي كيف يختلفون، وكيف يتعاملون مع هذا الاختلاف، وكيف يؤثر بعضهم في بعض. إنِّ لكلّ مجلس بصمة وراثية خاصة به؛ تركيبة غير مرئية تحدد شخصيته الجماعية، ونمط تفكيره، وحدود سرعته، ومقدار نضجه عند القرارات.
المجالس التي يتشابه أعضاؤها أكثر من اللازم تبدو أحيانًا هادئةً ومنسجمة، لكنها قد تقع في فخ الطمأنينة الزائفة، حيث يتحول الاتفاق السريع إلى بديل عن التفكير النقدي. وفي المقابل، قد ينقلب التنوع غير المنضبط إلى ضجيجٍ لا ينتج قرارًا، لأن كل عضو يشتغل بعقله الخاص دون أن يلتقي مع الآخرين في أرضية مشتركة. المجلس الناضج ليس هو الذي يطلب التماثل، ولا هو الذي يحتفي بالاختلاف لمجرد الاختلاف، بل هو الذي يعرف كيف يحول تعدد العقول إلى نظام متكامل، بحيث يعوض كل عضو نقطة عمياء لدى الآخر.
وعندما تراقب المجالس عن قرب، تتكرر أنماط واضحة. هناك عضو يبدأ بالسؤال قبل الرأي، ولا يكتفي بالشكل العام حتى يختبر الفرضيات ويفتش في الأرقام. وهناك عضو يرى أن بطءَ القرار أخطر من القرار نفسه، فيدفع النقاش نحو الحسم والتنفيذ. وهناك من يقرأ كل ملف من زاوية السمعة المؤسسية وأثر القرار على أصحاب المصلحة، بينما ينشغل آخر قبل كل شيء بالمخاطر والامتثال وحدود المسؤولية النظامية.
هذه الأنماط ليست درجات في الأفضلية، بل هي وظائف مختلفة داخل المجلس، تمامًا كما يحتاج الجسم إلى أعضاء حيوية متعددة حتى يعمل بانسجام.
ولهذا لم تعد الممارسات المتقدمة تنظر إلى العضو بوصفه صاحب خبرة مالية أو قانونية أو تشغيلية فقط، بل بوصفه حاملًا لبصمةٍ سلوكيةٍ تكشف عن كيف يدخل النقاش، ومتى يعترض، وبأي لغة يقتنع، وكيف يمارس تأثيره. بعض الأعضاء يضيف وضوحًا، وبعضهم يضيف عمقًا، وبعضهم يضيف سرعة، وبعضهم يضيف تحذيرًا أو ضجيجًا. والمجالس التي تفهم هذا التوزيع لا تتفاجأ من سلوك أعضائها، بل تتوقعه وتديره. أما المجالس التي لا تفهمه، فغالبًا ما تكتشف الفروق متأخرة، بعد أن يكون التوتر قد ظهر، أو القرار قد تأخر، أو النقاش قد فقد اتجاهه.
ومن أكثر ما يُستهان به في العمل المجلسي طريقة عرض الموضوع نفسه. فالقضية لا تصل إلى الأعضاء كحقائق جامدة، بل كقصة. وطريقة بناء هذه القصة قد تغيّر مسار القرار كله. فإذا عُرضت المبادرة بوصفها فرصة نمو، تحركت فيها عقول معينة. وإذا قُدمت باعتبارها معالجة لمخاطر امتثال، انتبهت لها عقول أخرى. وإذا رُبطت بالأثر المؤسسي والسمعة والاستدامة، دخلت إلى منطقة اهتمام مختلفة تمامًا. لذلك فإن الـسياق «Storyline» ليس مجرد أسلوب عرض، بل أداةً لصناعة التوافق، لأنه يتيح لكل عضو أن يرى القضية من منطلقه الطبيعي قبل أن يلتقي الجميع في مساحة مشتركة.
إنَّ المجالس لا تُصنع من الأعضاء، بل من تفاعل عقولهم. وعندما يدرك رئيس المجلس هذه البصمة الداخلية، يصبح قادرًا على إدارة الحوار قبل إدارة القرار، وعلى بناء التوازن قبل البحث عن الأغلبية، وعلى تجنب المفاجآت قبل أن تقع. فالقرارات لا تفشل عادة بسبب نقص المعلومات، بل بسبب سوء إدارة اختلاف العقول.
وما إن يدرك المجلس تركيبته الذهنية، سيتحول الاختلاف من مصدر للتوتر إلى مصدر للقوة، ومن عبءٍ على القرار إلى ضمان لجودته.
مستشار قانوني
إن فهم هذه الديناميكية الداخلية يمكن أن يساعد مجالس الإدارة في تحسين أدائها وتجنب الصراعات. فالقرارات الناجحة لا تعتمد فقط على المعلومات المتاحة، بل على كيفية إدارة تنوع الآراء والخبرات. وهذا ما يميز المجالس الفعالة عن غيرها.
المصدر الأصلي: الاقتصادية
التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.